news-details
مقالات

عانقت الرئيس الخالد ياسر عرفات في تونس

اثناء محاصرته في مدينة رام الله قتل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وفقا لشبهات مسموما بمادة البولونيوم. وكان قد حصل الشرف لي والتقيته ضمن وفد لجنة المبادرة الدرزية في نيسان 1993، وعندما عانقناه جميعا بحرارة الحب وبحميمية، قال اشم فيكم رائحة الوطن وناسه وعبق شموخه وأكد انه شعر بسعادة غامرة لاجتماعه بطليعة الكفاح في الطائفة الدرزية ضد مؤامرة فرّق تسد. لقد صادفت في الحادي عشر من الشهر الجاري الذكرى الـ 15 لاستشهاده  وشعرت باليراع يحبو ويقفز الى اناملي قائلا لي اكتب عن هذه الذكرى وفاء للراحل الكبير.

وكان في بالي مادة اخرى لاكتبها وبصفتي اعاني من النسيان الشديد لم يخطر ببالي قتل ياسر عرفات مسموما فرضخت لنداء اليراع.

كان اللقاء في تونس مع الرئيس الفلسطيني بمثابة فرصة العمر التي لا تضاهيها فرصة اخرى في حياتي. وبعد ان قرأت خبرا في احدى الصحف العربية اخذت استعيد ذكريات اللقاء مع ياسر عرفات وغيره حشد من القادة. وأول ما لفت انتباهي خلال اللقاء الذي كان في الساعة الثالثة قبل الفجر، التواضع الجلي فيه فالكنبات والكراسي في مكتبه مقشرة وبسيطة وسمعنا ورأينا ولمسنا ذلك من الكثير من القادة انه بمثابة والد للجميع من مسلمين ومسيحيين، وانه يحب الاطفال لدرجة العبادة ولم  يميز بين فلسطيني وآخر وكان يقول: ان الشعب يجب ان يكون على قلب واحد وكان يشارك الجميع في الاعياد والمناسبات الاخرى على اعتبار ان القضية هي قضية شعب وليست قضية فرد.

واصدر الرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس وساما في ذكرى الرئيس الراحل جسدا الباقي روحا، ياسر عرفات باسم عرفات وأمر بحفظه في مكونات تراثه في متحف ياسر عرفات وسأسمح لنفسي بطرح سؤال: لماذا يا قادة شعبي لم تقدموا له هدية اغلى مجسدة بانجاز الوحدة بينكم جميعا  وتمتينها بكل الصدق والسعي الخير والاخلاص للقضية وله ليرتاح ويفرح في قبره ويجزل الشكر للقادة على الهدية التي لا تثمن، فماذا مع الوحدة التي استعسر استيعاب غيابها في ظل تصعيد العدوان الاحتلالي الاستيطاني وادارة الظهور لكم وتهميشكم وعدم المبالاة باوضاعكم المأساوية خاصة في غزة العز الابية، انكم ببث رسالة تحقيق الوحدة الى العالم تنالون التضامن والاحترام والتأييد اكثر واكثر خاصة ان مسيرة الراحل كانت حافلة بالدروس والعبر للجميع واهمها روح العمل الوحدوي الجماعي والتي كانت نهجه في التعامل مع الفصائل على الساحة، وارسى مبدأ التوافق السياسي فلا استثناء ولا اقصاء لأحد وكان يؤكد دائما ان الوحدة هي الضمان الوحيد للانتصار، لذلك سكن مرتاحا في وجدان الشعب الفلسطيني في كل مواقع تواجده رفع المسدس بيد وقصفة الزيتون بالاخرى، دلالة على انه يقاتل ويفاوض وحافظ على م.ت.ف التي مثلت له العنوان الجامع وناور وحاور دون ان يفرط بأي حق مستندا الى شرعية وقدسية وعدالة القضية الفلسطينية وصمود الشعب.

لقد كان الرئيس ياسر عرفات كبيرا في تواضعه وكان يعتبر الحصار الاسرائيلي للمناطق الفلسطينية الرازحة تحت نير الاحتلال انه دليل على ضعف المحتل وتوتره وانحشاره في الزاوية، امضينا عشرة ايام في ضيافة الرئيس ياسر عرفات وكان يوميا يتفرغ لاستقبالنا وللقائنا، وكانت الزيارة في عز المفاوضات الجارية في واشنطن وانشغال القيادة الفلسطينية بها، كان يتفرغ لنا واذكر اننا كنا في منزل السفير الفلسطيني في تونس حكم بلعاوي ولاحظت الارتباك والحيرة والتلبك على محيا الرئيس الباسم دائما، واذ به يطلب الاذن منا والسماح له بالمغادرة لالقاء تحية هاتفية بمناسبة عودة المبعدين وتلمس مدى انسانيته وفرحته  في اللقاء مع الاطفال، حيث يرى ان في كل قلب من قلوبهم جذوة العزم والارادة،  في عيونهم نور الامل الساطع والقادر على محو ظلام اليأس وانارة الطريق وصولا الى الهدف الاكبر  عناق الدولة الفلسطينية مع الفجر ونوره الساطع، وعندما التقينا مع حشد من الاطفال طلب منا ان يجلس كل واحد منا مع مجموعة منهم وتبادل الحديث. واكثر كما لفت انتباهي فيه هو تواضعه الكبير فكان على سبيل المثال يرفض الدخول قبلنا وامامنا الى اي مكان ويقول انتم ضيوفي وانا محافظ على العادات والتقاليد الفلسطينية. وكان يرفض الجلوس قبلنا الى المائدة وخلال وجبة الطعام كان يفتفت لنا اللحم بيديه ويعزبنا محليا ذلك بابتسامته وكلماته الحلوة المرحبة بنا: يا هلا اهلا وسهلا اشعر بالسعادة لوجودكم هنا وبعد الانتهاء من الطعام. كان يقشر لنا البرتقال بيديه ويقدمه لنا.

وكصحفي كنت احمل حقيبة صغيرة فيها آلة تصوير واوراق واقلام وعندما طلبت منه تعيين موعد لاجراء مقابلة صحفية لجريدة الاتحاد الحيفاوية قال لي في الواحدة بعد منتصف الليل انت تستطيع السهر. فقلت له ومن سيلتقي انسانا بمقامك وسمعتك ومسؤوليتك هل بامكانه مجرد التفكير بالنوم. وقبل اللقاء طلب مني عدد من مرافقيه تحضير لائحة بالاسئلة فاعددتها وعندما جلست اليه وجها لوجه قدمت اللائحة فرفضها قائلا: معك وتقديرا لجريدة الاتحاد الحيفاوية سأخرج عن التقاليد واسمح لك بطرح اي سؤال. ومما اثار غضبي من مرافقيه في احدى المرات انني ورغم ثقتي بنفسي وحبي لشعبي وقائده ورئيسه وكنت احمل حقيبة الصحافة دعينا الى مناسبة ما ودخلت من الباب دون تفتيش او اهتمام بما احمل، فاشرت بغضب الى احد المساعدين عن ذلك الاهمال فقال لقد اصدر الرئيس اوامره لنا بعدم تفتيشكم مع انه قبل اسبوع من مجيئكم اليه زاره سفير احدى الدول الافريقية فأمرنا بتفتيشه تفتيشا دقيقا.

وكانت لحظة مؤثرة عندما اهدى الشاعر نايف سليم سبحة حباتها من زوم زيتون صفد لابي عمار عانقها وقبلها وشمها وقال لو احضرتم لي معكم كمشة تراب من تراب وطننا الحبيب الغالي ولا بد من قول كلمة لابي عمار: نم قرير العين في قبرك فنحن على العهد ماضون متمسكون بانتمائنا الفلسطيني ونواصل نضالنا ليتحقق الحلم بالعودة والى احضان الدولة الفلسطينية القادمة كالفجر وعاصمتها القدس الشرقية.

 

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب