تواصل الإدارة الامريكية بكل صلفٍ التصعيد اليومي في تهديداتها العسكرية لإيران بذرائع ملفقة بدافع زيادة التوتر في المنطقة وممارسة المزيد من الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية عليها لإرغامها على الانصياع لسياسة الابتزاز الامريكية، هذا من جهة ومن الجهة الأخرى إرغام المجتمع الدولي بما فيه أوروبا على الانقياد وراء السياسة الامريكية فيما يتعلق بالعقوبات التي فرضتها على إيران بهدف تصفير صادراتها من النفط ومن ثم جرها الى التراجع عن موقفها من الاتفاق النووي.

وفي هذا الإطار أعلن الجيش الأميركي، في بيان له أمس الأول الثلاثاء، بأن قوات التحالف الدولي رفعت درجة التأهب بزعم "تهديدات وشيكة ضد القوات الأميركية في العراق". وقال البيان أن تصريحات نائب قائد قوات التحالف الدولي مخالفة للتهديدات الجدية المتوفرة لدى أجهزة استخبارات الولايات المتحدة وحلفائها بشأن القوات المدعومة من إيران في المنطقة.

وكان متحدّث باسم التحالف الدولي في العراق وسوريا، الجنرال البريطاني كريس غيكا، صرح أنّ مستوى التهديد الذي تشكّله الميليشيات الموالية لإيران بالنسبة للقوات الغربية لم يتصاعد. لكن المتحدّث باسم القيادة المركزية الأميركية بيل أوربان عقب على تعليقات غيكا بالقول انها "تتعارض مع التهديدات الموثوق بها والمحدّدة المتوافرة لدى أجهزة الاستخبارات الأميركية وحلفائها فيما يتعلّق بالقوات المدعومة من إيران في المنطقة"! وأشار المتحدّث إلى أنّ مستويات الإنذار في الحقيقة قد تمّ رفعها بسبب التهديد الايراني.

ويندرج في سياق هذه التناقضات نفي الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أمس الأول الثلاثاء، تقريرًا لصحيفة "نيويورك تايمز" بشأن خطة البيت الأبيض إرسال 120 ألف جندي لمواجهة أيران، اذ قال "اعتقد أن هذه أخبار كاذبة".وأضاف "ولكن هل يمكن أن أفعل ذلك؟ بالتأكيد. ولكننا لم نخطط لذلك.. آمل أن لا نضطر الى التخطيط لذلك. ولكن إذا فعلنا فسنرسل عددًا أكبر بكثير" من الجنود.

وفقًا للتقرير الصحيفة سيتم نشر القوات الأمريكية في حالة مهاجمة إيران للقوات الأمريكية أو تسريع العمل على الأسلحة النووية. وأضاف التقرير إن الخطة، التي ستستغرق أسابيع أو أشهر لإكمالها والتي تقترب من حجم الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، قدمت في اجتماع لرؤساء الأمن في 9 أيار الجاري. وكان من بين المشاركين في الاجتماع جون بولتون، مستشار الأمن القومي لترامب، ومديرة وكالة الاستخبارات المركزية جينا هاسبل، ومدير المخابرات الوطنية دان كوتس، ورئيس الأركان المشتركة الجنرال جوزيف دانفورد.

وكان وزير الطاقة السعودي، خالد الفالح، أعلن، الثلاثاء، عن تعرض محطتَي ضخ لخط أنابيب ينقل النفط من حقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على الساحل الغربي، لهجوم من طائرات "درون" مفخخة. ونقلت قناة "الحرة" الأمريكية، عن مصدر في وزارة الحربية الامريكية، لم تسمّه، قوله: إن "المعلومات الأولية تدل على أن مجموعات مدعومة من إيران وراء عمليات التخريب".

وكانت الرياض ادعت الاثنين الماضي، عن تعرض ناقلتين سعوديتين لهجوم تخريبي، وهما في طريقهما لعبور الخليج العربي قرب المياه الإقليمية للإمارات.

وسبق إعلان الرياض بيان لوزارة الخارجية الإمارات، زعمت فيه إن 4 سفن شحن تجارية من عدة جنسيات تعرضت لعمليات تخريبية قرب المياه الإقليمية، باتجاه ميناء الفجيرة البحري.

لكن المثير للاستغراب أن صورًا التقطتها أقمار صناعية أظهرت عدم وجود أي ضرر ظاهر في ناقلات النفط التي تعرضت للهجوم.

وكشفت وكالة "أسوشييتد برس"، بعد اطلاعها على الصور، عن عدم وجود أي أضرار في السفن التي تعرضت لـ"التخريب" بميناء الفجيرة الإماراتي.

ومن التناقضات أيضًا ان قرقعة السلاح بدأت تسمع بقوة قبل تفجيرات الفجيرة، عندما أصدر مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، بيانا سلط الاضواء على العلاقة المتوترة مع إيران. فقد وجه بولتون، رجل الحرب في إدارة ترامب والذي عمل سفيرا لبلاده لدى الامم لمتحدة في عهد الرئيس جورج دبليو بوش ولا يزال يتباهى بأنه من صانعي اجتياح العراق عام 2003، تحذيرا واضحا لا لبس فيه الى النظام الإيراني في الخامس من أيار، أعلن فيه ارسال حاملة طائرات الى منطقة الخليج ردًا على تهديدات إيرانية لم تتضح أصلا معالمها آنذاك.

في مقابل هذه التهديدات والتلفيقات الامريكية الرخيصة والمتناقضة أكد المرجع الأعلى الإيراني، علي خامنئي، أن الحرب مع أمريكا لن تقع، وأن المقاومة هي الخيار النهائي للشعب الإيراني، مشددا على رفض التفاوض مع إدارة واشنطن. وجدد خامنئي رفض القيادة الإيرانية التفاوض مع الولايات المتحدة على "ملف إيران النووي".وقال: "إيران تمتلك عمقا استراتيجيا في المنطقة ولن تساوم عليه.. من يهدد بهذا الصوت المرتفع لا يمتلك القوة لتنفيذ تهديداته".

وهنا انبرى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ليتباهى بأن بلاده تتوحد حسب مزاعمه مع الكثير من العرب والمسلمين لصد ما وصفه بـ "العدوان الإيراني" وتدخلات طهران في المنطقة. وقال نتنياهو: "نحن موحدون في الرغبة لصد العدوان الإيراني". وأضاف: "يجب على دولة إسرائيل وجميع دول المنطقة وجميع الدول التي تريد إحلال السلام في العالم أن تقف معا إلى جانب الولايات المتحدة ضد العدوان الإيراني".

من جانب آخر حذرت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا ودول أوروبية، من مخاطر نشوب "صراع غير مقصود" بين إيران والولايات المتحدة، على وقع التوتر بين الطرفين، بعد دفع الأخيرة مزيدا من قواتها إلى الخليج العربي وتفكُّك الاتفاق النووي الإيراني.

يبدو ان ما تسعى اليه إدارة ترامب هو استمرار تصعيد التوتر في هذه المنطقة التي لم تعرف الاستقرار منذ عشرات السنين ابتداء من نكبة الشعب الفلسطيني في 1948، والاطاحة بحكومة مصدق في إيران بعد تأميم النفط الإيراني، والعدوان الثلاثي على مصر بعد تأميم الرئيس جمال عبد الناصر قناة السويس وحرب الـ 1967 وحرب العام 1973 والعدوان المتكرر على لبنان والحرب الإيرانية – العراقية التي استمرت لأكثر من 8 سنوات والعدوان الأمريكي على العراق في العام 1991 واجتياح العراق واحتلاله بإدعاء القضاء على سلاح الإبادة الشامل في العام 2003، والحرب على لبنان 2006 والعدوان على غزة 2008  و2014 والعدوان على ليبيا والحرب على الإرهاب في العراق وسوريا والتي لم تنته بعد.

وهنا يسأل السؤال: هل حقا إيران هي المسؤولة عن عدم الاستقرار في هذه المنطقة؟ أم ان المصالح الامبريالية، التي تدافع عنها أنظمة الذل والخنوع في العالم العربي وحكام إسرائيل، هي التي تملي استمرار هذا التوتر وعدم الاستقرار على مدار عشرات العقود الماضية؟!

 

//تصوير رويترز -حاملة الطائرات الامريكيّة ابراهام لينكون اثناء عبورها قناة السويس المصرية في 09-05
;