news-details

عن كمال ابو وعر وجثامين سجينة في معسكرات اعتقال

سبق ان كتبت عن سياسات الإماتة وادارة الاحتلال الاستعماري.
ناهيك عن الكتابة عن التخريب والتدمير كأدوات ضبط استعماري. كتبت بشكل خاص عن سياسات الاغتيالات التي اعتمدها الاحتلال خلال الانتفاضة الثانية، ليس فقط لقطع رؤوس القيادات السياسية والميدانية، بل من اجل تدمير الكيان الفلسطيني، وتشظيته وتحطيمه لسنوات مقبلة.
كان حينها من الممكن بكل بساطة ان تكون في بيتك وتشعر بانفجار يهز كيانك، تعرف مباشرة ان اسرائيل ارتكبت اغتيالا جديدا، الاغتيالات كانت تستهدف النشطاء، وتصيب عابري السبيل وتضمن ارهاب الجميع.
الحواجز تغلق في السادسة، والمدن والقرى تتحول الى جزر مقطعة ومصائد مُحكّمة. الان تفتح الحواجز ليل نهار، لكنها على أهبة الاستعداد لفرض الاغلاق والسجن في اي لحظة.
ادارة الموت والترهيب والقمع هي الوجه الاخر لادارة الحياة، والاستثمار والامان في الدولة المستعمرة، الأمرين مترابطين كتوأم سياسي، وغير قابلان للانفكاك في النظام الاستعماري.
مع الهدوء النسبي الذي أعقب سنوات الانتفاضة الثانية والدامية، تقلصت الاغتيالات، ولكنها بالطبع لم تختف. اذا أن الصاروخ انتقل من حالة القتل المباشر الى حالة التأهب المستمر. التراجع بهذا المعنى لا يشير الى تغيير سياسة بالطبع بل الى اعادة تموضع وظيفي ومحسوب، يُسمى الان "تحييدا" "استبعاد" (ניטרול)، ويحاول ان يمارس قوته بالاساس خلف الشاشات بلا استعراض مبالغ به، على جثث الموتى الذين يموتون في السجون، في ثلاجات حفظ الجثث للشهداء، وفي مقابر الارقام.
منذ مطلع 2019 استشهد في السجون الاسرائيلية سبعة سجناء، لفظوا انفاسهم بين القضبان، كانوا قبلها مرضى منهكين ينتظرون الموت الاكيد، كانت عائلاتهم تناشد صباح مساء الجهات الرسمية والدولية، ان تساعدها على احتضان اولادها في ايامهم الاخيرة، أمهات كسيرة كانت تستعطف العالم لكي ترافق ابنائها وهم يغمضون اعينهم الى الأبد، دون استجابة!!!
ليس فقط ان الامهات حرمت من وداع ابنائها، وان قلوبها حطمت وهي تتخيل كيف لفظوا انفاسهم الاخيرة بين جدران السجن، بل ان العائلات حرمت من ان تقبر اولادها بشكل لائق وانساني ولو بالحد الادنى.
ستة من سبعة من شهداء السجون لم يتم الافراج عن جثامينهم، ونقلوا من اسر السجون الى اسر الثلاجات، او مقابر الأرقام، او مقابر سرية أخرى لا يعرف أحد عنها شيء. 
الموتى يسجنون وليس فقط الاحياء. تبدل فقط اماكن الاعتقال. من الزنازين تنقل الاجساد الجامدة الى مقابر الارقام والثلاجات، توارى هناك بلا عائلة ولا وداع، وبقرار دولة ومباركة من المحكمة العليا، التي اعطت الضوء الاخضر لـ "اعتقال الجثث" لاهداف التفاوض المستقبلي للتبادل والمناورة.
مقابر الارقام، ثلاجات الموتى، المقابر السرية، هي الحيز النموذجي لفهم استبدادية الاحتلال الذي يتعدى احتلاله الاحياء لاحتلال الاموات، معسكرات اعتقال جديدة للجثث، هناك تعطى ارقام تغرس على قبور بلا ملامح، بدون اسماء وبدون تاريخ ولادة او وفاة، مجرد شيء، غرض، ببساطة هكذا!.
..
وأمام هذا كلما سمعت الاخبار بالعبرية عن حقوق الانسان وعن الديمقراطية اشعر بالقشعريرة، لأنني اعرف ان ديمقراطيتهم هذه هي الوجه الاخر لمقبرة الارقام: معسكر الاعتقال الجديد.
اكتب هذا وأفكر بعائلة كمال ابو وعر وينفطر قلبي، كيف لقلب ام ان يحمل كل هذه البشاعة!

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب