news-details

قصّة جشع التوسّع والربح خلف كارثة الحولة البيئية | هشام نفاع

جاء قرار وزارة الزراعة الإسرائيلية، يوم الأحد الأخير من شهر كانون الأول الفائت، باستيراد ملايين من بيض الدجاج من الخارج، ليؤكد مرة أخرى مدى تأثير الأضرار البيئية على معيشة المواطنين مباشرة، وحجم هشاشة القطاعات الاقتصادية، حتى تلك المعروفة بمتانتها والتي تحظى بحماية الدولة، حين تقف أمام قوى الطبيعة التي تتعرض للعبث والتخريب.

الحكومة الإسرائيلية تردّ مبرّر الاستيراد إلى "توقعات بنقصه بسبب تفشي فيروس إنفلونزا الطيور". لذا "قامت بتفعيل إجراء بيطري طارئ لمنع انتشار الفيروس بشكل أكبر" بعد رصد موجة أخيرة منه في 60 مزرعة دجاج في شمال وجنوب البلاد. أما ما لا تقوله البيانات الرسمية فهو الأسباب العميقة لهذه الموجة من التفشي. فقد رصدت السلطات في وقت سابق من الشهر الماضي اكتشاف عشرات الإصابات بالفيروس بين الطيور البريّة في سهل الحولة في الشمال.

وفقاً للمعطيات الرسمية، فإن 65% من مزارع إنتاج البيض تقع في الشمال. وتسوّق المزارع في المنطقة نحو 6 ملايين بيضة شهريا من بين نحو 200 مليون بيضة تستهلك شهريا في إسرائيل. في البداية أعلنت وزارة الزراعة عن رصد تفشٍّ لفيروس إنفلونزا الطيور المسبب لأعراض مرضية في مزرعة للدواجن شمالي البلاد، وتحديداً في بلدة "مرغليوت" بالقرب من الحدود اللبنانية، وعزلت الوزارة المزرعة التي تضم 244 ألف دجاجة، وأوقفت تسويق البيض منها وأجرت اختبارات في المزارع القريبة. قبل ذلك ببضعة أيام أبلغت الوزارة باقتضاب عن إصابة العشرات من طيور الكركي البرية بإنفلونزا الطيور في سهل الحولة شمال شرقي البلاد.

لم يمض سوى أقلّ من أسبوعين حتى بدأ حجم الكارثة الطبيعية البيئية يتكشّف. بدلا من التقارير عن عشرات الإصابات بين الطيور البرية الضخمة، أكدت هيئة البث العامة في 28 كانون الأول، أنه منذ بدء التفشي قبل عشرة أيام من ذلك الحين نفقت الآلاف من الطيور، ويتوجّب التخلص من عشرات الملايين من البيض ونحو 600 ألف دجاجة، نظراً للأوضاع الوبائية الخطيرة، بعد انتقال الفيروس إلى مزارع الدجاج.

 

"الكارثة الأسوأ على الإطلاق للحياة البرية في تاريخ البلاد"

 

دفع نفوق آلاف طيور الكركي المهاجرة، السلطات لإعلان حظر دخول الزائرين إلى المحميات الطبيعية. وعلقت وزيرة حماية البيئة تمار زاندبرغ، في تغريدة على موقع "تويتر"، بأن هذه هي الكارثة الأسوأ على الإطلاق للحياة البرية في تاريخ البلاد. أحد العلماء في سلطة الطبيعة والحدائق الإسرائيلية، أوري نافيه، أوضح في حديث لوكالة "فرانس برس"، أن الفيروس يضرب إسرائيل كل عام، لكن تفشي المرض هذا العام أكبر بكثير مما كان عليه في السنوات السابقة، ووصف عدد الطيور النافقة بأنه "استثنائي". وبيّن أنه ككل عام، وصل نحو مئة ألف من طائر الكركي البري إلى شمال البلاد، منذ تشرين الأول، وتوقف معظمها في سهل الحولة، وهو نقطة أساسية في طريق هجرتها نحو أفريقيا.

ومن جهته أكد يوسي ليشم، عالم الطيور والأستاذ بقسم علم الحيوان بجامعة تل أبيب، في تصريح صحافي، أن المخاطر المحتملة، والشبيهة بالحاصل في حالة تفشي فيروس كورونا، تكمن في قابلية هذا الفيروس على التحور لسلالات جديدة. فمن الممكن أن تحصل طفرات تؤدي إلى الانتقال للإنسان وتتحول بالتالي إلى كارثة صحية واسعة. بل قالت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية إنه من الممكن أن يكون الأطفال الذين زاروا المحمية قد لمسوا أحد طيور الكركي المصابة، ومن ثم قد يساهم ذلك في نشر عدوى الإنفلونزا.

لقد تم العثور على عدة آلاف من الطيور البريّة النافقة في حقول القصب بالحولة. وفقاً لتقديرات "سلطة الطبيعة والحدائق"، أصيب خُمس طيور الكركي بإنفلونزا الطيور، أي ما يعادل 8000 طائر نافق. وستضطر السلطات إلى إخلاء 30 طنا من جثث الطيور النافقة، وأوضحت "السلطة" أنه يجب تجنب مخالطة الطيور البرية وإفرازاتها خلال هذه الفترة والإبلاغ عن الطيور النافقة إلى خط الطوارئ الخاص بها.

وفقاً للمعطيات التي نشرتها الصحافة مؤخراً، فإن سهل الحولة كان على مدار العشرين عاماً الماضية، أكبر موقع للطيور في البلاد وواحداً من أكثر المواقع السياحية شهرة في البلاد. ما يقرب من نصف مليون زائر يزوره كل عام، وبالتالي فإن إغلاقه لمدة شهر أو أكثر يمثل ضربة قاسية للسياحة في المنطقة، خصوصاً أن 75% من الزوار يأتون إلى الحولة خلال موسم مكوث طيور الكركي، أي خلال فصل الشتاء.

الصحافي الإسرائيلي المختص في السياحة الطبيعية، موشيه غلعاد، كتب قبل أيام في "هآرتس" أن ما يحدث هذه الأيام في وادي الحولة "كارثة رهيبة". فكل يوم يقترب عدد طيور الكركي النافقة إلى الآلاف. وهو يصف الصورة القاسية "لطيور بلا حول ولا قوة"، وهي التي اجتذب "منظرها النبيل" مئات آلاف الزوار سنوياً. وإذا كان عدد هذه الطيور في منطقة الحولة يبلغ نحو عُشر هذه الطيور في العالم، فإن نفوق هذا العدد الهائل يمكن تعريفه على أنه "إبادة". ويؤكّد الصحافي أنه "يجب ألا يتم تعريف هذا الحدث على أنه كارثة طبيعية. لقد جلبنا نحن هذه الكارثة على طيور الكركي وعلى أنفسنا بسبب سياسة نابعة من مزيج يجمع بين حب الطبيعة، وبين الرغبة الجامحة في تنمية السياحة والجشع". ويضيف أن الموقع هو منتزه للطيور أنشأه "الصندوق القومي اليهودي" في التسعينيات، بعد أن تقرر إعادة إغراق أجزاء من بحيرة الحولة، مؤكداً أن تجفيف بحيرة الحولة في خمسينيات القرن الماضي هو الخطيئة الأصلية في هذه القصة.

يتابع المقال: لقد تحوّل سهل الحولة بسرعة إلى مركز شديد الجاذبية. وضعت عربات قادت الزوّار الى مسافات قصيرة من الطيور. وهذه تركّزت بأعداد هائلة في مراكز مخصصة لإطعامها، حيث يتم يومياً نثر سبعة أطنان من الفول السوداني أو الذرة كطعام لها يومياً، بتمويل من المزارعين الذين كانوا يأملون في منع طيور الكركي من اجتياح حقولهم، ومن جهات أخرى. بالتوازي، تشير التقديرات إلى أن سياحة طيور الكركي في الجليل تدرّ نحو 120 مليون شيكل في السنة. هنا نشأت الدائرة المقفلة: بما أن الجهات المستفيدة أرادت جذب سياح الى المكان فقد توجّب الاهتمام بجذب أعداد كبيرة من طيور الكركي. وكي يحدث هذا يجب إطعام الطيور، لأن هذا يغريها بالبقاء في سهل الحولة وعدم مواصلة مسيرة الهجرة الطبيعية التقليدية والمنهكة جنوباً الى أفريقيا. لكن هذا الاكتظاظ كان بمثابة أرضيّة لكارثة قادمة.

 

"إدارة الموقع تفكر بالمزيد من السياحة وليس بالطبيعة"

 

يستذكر الصحافي غلعاد أنه في مقال أعدّه عن المنطقة في مطلع 2017، قال له أحد المديرين في الموقع: "من الواضح لنا أيضاً أن بقاء العديد من الطيور المحشورة في مثل هذه المنطقة الصغيرة يمثل مشكلة". بينما أوضح الدكتور عميت دوليف، عالم البيئة في لواء الشمال التابع لهيئة الطبيعة والمتنزهات، في ذلك الوقت: "إن إطعام الحياة البرية لا يروق لنا. لقد أدّت إضافة الطعام إلى تغيير أنماط هجرة الكركي". كذلك، فإن دان ألون، الذي كان يدير حتى وقت قريب "مركز الطيور الإسرائيلي" في "جمعية حماية الطبيعة"، انتقد سابقاً حقيقة أن بركة الحولة تفتقر إلى إدارة بيئية وإلى وعي بيئي، وقال: "يمكنك القول إن إدارة موقع الحولة تفكر في المزيد من السياحة وليس في الطبيعة. لكن السر الحقيقي يكمن في الحفاظ على التوازن بينهما". ويعلّق الصحافي بأن هذه هي نتائج الخلل المريعة والمرعبة التي نشهدها هذا الأسبوع.

أما عالم الحيوان البروفسور يورام يومطوف فقال: "إن ما يحدث للكركي في وادي الحولة كان متوقعاً. فعندما تكون كثافة الطيور عالية، تنتقل المُمرِضات (المُمرِض - عامل حيوي مسبب لمرض من بكتيريا وفيروسات وطفيليات) سريعاً من فرد إلى آخر. حدث هذا للغزلان في مرتفعات الجولان، والتي عانت من مرض الحمى القلاعية في الثمانينيات. هناك أيضاً ارتفعت الكثافة بشكل كبير بسبب القرارات البشرية وكانت النتيجة نفوقاً جماعياً لآلاف الغزلان. تجري حاليا عملية مماثلة في رمات أبيب في شمال تل أبيب، حيث يؤدي إطعام القطط الضالة إلى زيادة أعداد حيوان القنفذ الذي يتغذى على نفس الطعام. هذه الحيوانات مصابة بمرض جلدي خطير (الجرَب) وهو يسبب ألما شديدا لمن يعانون منه. تم إحضار المئات من هذه القنافذ إلى مستشفى الحيوانات البرية في حديقة الحيوانات "سفاري" في السنوات الأخيرة. إن ما يوحّد هذه الحالات هو أن ما يسمى بالنوايا الحسنة لدى قليلي المعرفة تسبب أحياناً قدراً كبيراً من الضرر".

ويخلص الكاتب: لقد جلبت طيور الكركي في سهل الحولة مرض إنفلونزا الطيور إلى إسرائيل أثناء هجراتها. وأبرز نتائج هذا الوباء نراها في النقص الكاسح في البيض في الحوانيت في جميع أنحاء البلاد. لقد دُمرت حظائر دجاج كاملة في بعض البلدات. ولكن قد يكون من المفيد الآن رفع رؤوسنا من صحوننا الخاص، كي ندرك أن التدخل غير الحكيم في السيرورات الطبيعية قد يتسبب مرة أخرى في كارثة بيئية خطيرة ومحزنة جداً. إن هذه ليست كارثة طبيعية، بل إنها كارثة إنسانية بالكامل. سيتم إعادة فتح هذه المنطقة السياحية للجمهور في الأسابيع المقبلة. ليبقى السؤال الكبير الذي يحتاج مديروها إلى طرحه على أنفسهم هذه الأيام، هو ما إذا كانوا سيستمرون في نفس المسار.

 

خطايا تكرّرت بشتى الأشكال وسببها عنف التوسّع والأرباح

 

وفقاً لموسوعة المصطلحات في موقع "مدار" فإن بحيرة الحولة عبارة عن المجمع المائي لنهر الأردن الجبلي. وتقع هذه البحيرة بين بحيرة طبريا الواقعة إلى جنوبها، ومنحدرات جبل الشيخ الواقعة إلى شمالها، وهضبة الجولان إلى الشرق منها، وجبال الجليل الشرقية إلى الغرب منها. هذه البحيرة تكونت نتيجة تجمع مياه الجبال التي جرفت معها أيضا كميات من الطين مكونة بحيرة صغيرة في غاية الجمال. وما يميز هذه البحيرة أنها كونت في أرضيتها جرنا كبيرا صعّب خروج الماء من البحيرة. ومع تراكم كميات من الطين والمجروفات وارتفاع مصب البحيرة باتجاه نهر الأردن الجبلي، تكونت المستنقعات في شمالي البحيرة. واكتست البحيرة بالأعشاب الكثيفة التي شكلت عامل جذب لطيور نادرة وحيوانات بحرية كالجاموس الذي انتشر فيها، وكذلك لانتشار مرض الملاريا في المناطق المجاورة. واستوطنت المنطقة عشرات القبائل والعشائر العربية الفلسطينية معتمدة في رزقها على تربية الجواميس، وقطع القصب وبيعه في السوق لإنتاج أشغال قشية وقصبية، وبعضهم اعتمد على صيد الأسماك أو زراعة الأرز بمساحات محدودة، وذلك لوفرة كميات من المياه التي يحتاجها هذا الفرع الزراعي.

نجح الصندوق القومي اليهودي بشتى الألاعيب في السيطرة مساحات شاسعة من أراضي البحيرة في أعقاب صفقات عقدها وكلاؤه مع ملاكي هذه الأراضي، حيث وصلت إلى أيدي المؤسسة الصهيونية قرابة 57 ألف دونم من مجمل مساحة البحيرة والأراضي المجاورة لها. وشرعت الوكالة اليهودية بإقامة مستوطنات لها في مناطق الحولة ابتداء من العام 1934. وكان الشاغل الأساس لهذه المستوطنات هو السيطرة على مزيد من الأراضي واستصلاحها لزراعة أنواع مختلفة من المحاصيل الزراعية. وقررت حكومة إسرائيل في فترة رئاسة دافيد بن غوريون في مطلع الخمسينيات الشروع بعملية تجفيف مساحات شاسعة من البحيرة للاستفادة من مساحات واسعة من الأراضي الزراعية. انطلق مشروع تجفيف البحيرة في العام 1951 وانتهى في العام 1958. وحولت مساحة 70 ألف دونم تم تجفيفها إلى المستوطنات للاستفادة منها في الزراعة. لكن باعتراف كثيرين، عملية تجفيف البحيرة كانت خطأ فادحا، لكون عملية التجفيف خلقت مشاكل عسيرة، منها هبوط في الأراضي التي انتشرت فيها المستنقعات، ما يؤدي إلى فيضانات مائية مستقبلية، ولحقت أضرار بمناطق الفحم الحجري التي اكتشفت في المنطقة بعد تجفيفها، وهذه المناطق تعرضت إلى احتراق في الصيف، ما أدى إلى انجراف مساحات من التربة، ولم تعد البحيرة تشكل مجمعا للطين المجروف والذي كان يصل إلى بحيرة طبريا ويساهم في عملية التوازن فيها.

اليوم باتت جميع السلطات والمؤسسات الرسمية الإسرائيلية تعترف بالخطأ الفادح الذي تمثّل بتجفيف مجمعات المياه في الحولة، وهو ما كان جزءاً من مشروع الاستيطان العام، والاستيطان المسمى زراعياً على نحو خاص. إن اجتماع نهم التوسّع والاستيطان الأيديولوجي مع جشع جناية الأرباح ومراكمتها بفوقيّة لا تعير الطبيعة وتوازناتها الانتباه الضروري ولا الحذر الواعي، كرر الخطايا في هذه البقعة الطبيعية المتميزة. التبلّد المدفوع بعقائديّة منغلقة نحو المكان وتقديس للربح ووضعه فوق أي قيمة، هو السبب العميق في الكارثة الراهنة وما سبقها من كوارث في سهل الحولة البديع. (ملحق "المشهد الإسرائيلي"، مركز "مدار")

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب