news
مقالات

كلمة وفاء بحق الرفيق عادل أبو الهيجاء| عمر سعدي

 الخطب جلل، بعيون دامعة وقلوب فاجعة يعتصرها الحزن والأسى يودّعك حزبك أيها الرفيق عادل، أيها الفارس الصنديد العنيد المكافح الشهم، ترجلت لترحل رحلتك الأبدية السرمدية بعد أن طالتك نبال عدو البشر جائحة الكورونا لتعود محمولاً في سيارة من وزارة الصحة، ليحتضن ثرى طمرة جثمانك الطهور، ويحول وباء جائحة الكورونا دون مشاركة آلاف الناس من رفاق درب وأصدقاء ومعارف وأقارب الذين طغى عليهم الحزن والأسى في موكب التشييع. 

عرفت الرفيق عادل -أبا سلام- في سنوات الستينيات من القرن الماضي عندما أنيطت عليّ مهمة قيادة منطقة الناصرة للشبيبة الشيوعية وكانت باكورة زيارتي لفرع الشبيبة في طمرة ان اعرّج إلى بيت الرفيق عادل كسكرتير فرع الشبيبة الشيوعية.  تكررت زياراتي للفرع وتكررت زياراتي إلى الرفيق عادل في بيته المتواضع، وأبى عادل الا ان يستضيفني بعد كل زيارة لأقضي ليلتي في بيته العامر نتسامر مع لفيف من الرفاق، والأصدقاء ليتحول بيته مع الأيام نُزلاً لي لسنوات عملي التي طالت فتوطدت بيننا وشائج الصداقة وأضحى عادل أخًا لم تلده أمي.  

وجدت فيه النضوج الفكري الثوري الباهر والإنسان بكل ما تعني الكلمة من معنى، متوقد الحماس، متوهج الإحساس، وجدته مناضلاً أبيّا ضد الظالمين، مدافعًا عن حقوق المسحوقين والمظلومين قاطبة، شهمًا، عزيز النفس، كريمًا، صادقًا وصدوقًا، متواضعًا ومتفانيًا في التضحية لنشر كلمة الحزب، في حين عزّ على الكثيرين ذلك، وأنا اسطّر هذه الكلمات جمحت ذاكرتي إلى سنوات الستينيات بالحصر إلى سنة 1967 سنة حرب الأيام الستة وما خلفته من صدمة ونكسة في نفوس الجماهير. فبعد أيام طلب مني الرفيق طيب الذكر اميل حبيبي أن أصحبه لنتفقد الفروع في المنطقة وهو عضو سكريتارية منطقة الناصرة للحزب وانا مركز منطقة الشبيبة، استقل سيارته جيب قديم وعرجنا على بيت الرفيق عادل لنجده ويا لها من صدفة قد وجدناه قد بادر لدعوة الرفاق ليحثهم على الصمود، ويتأبط جريدة الاتحاد متحديًا غطرسة ضابط مركز شرطة عكا ابن يتسحاك سيء الصيت، فوجدناها فرصة سانحة ليلقي أبو سلام اميل حبيبي خطبة رنانة ملهبة وقطع فيها عهدًا للجمهور ان عبد الناصر سيعيد بناء جيشه وسيحرر أرضه من براثن الاحتلال الدنس.

 استذكره سنة 1998 من القرن الماضي، عندما أوشكت صحيفة الاتحاد التي أحبها وعشقها أن تغرق في وحل الإهمال والتقاعس. فقد استنهض الرفيق محمد نفاع أطال الله عمره، وكان قد شغل منصب السكرتير العام  للحزب، همم  بعض الرفاق،  وأهاب بي وببعضهم لانتشال الاتحاد من الغرق، فوجدت الرفيق عادل  قد هرع وأول من لبى النداء، وكل هذا تطوعا طبعا. ولا أنسى تلك الجولة التي طلب مني مرافقته والرفيق أحمد حمدي أمد الله في عمره لنشر صحيفة الاتحاد، كلمة الحزب في تجمعات القرى البدوية في منطقة شفاعمرو.  فقاد سيارته (خفيفة الظل التي سمّاها عزيزة)، في مجازفة ليقطع الوادي والتلال ويصل إلى تلك القرى البدوية دون أي مقابل بالطبع.

 واستمرت ذاكرتي بالجموح لينتصب طيفها ثانية في معركة الدفاع عن الأرض، وعشية يوم الأرض الخالد في يوم 25-3-1976، عندما تخاذل أكثرية رؤساء السلطات المحلية العربية أمام طغمة من الشرطة التي حشدتهم لتمرّر قرارًا يرضي السلطات "لا للإضراب"، كان عادل كعادته يقف في الطليعة مع عشرات رفاق الشبيبة ليرفع عقيرته، يزأر كالليث في وجه رجال الشرطة مع ما أوتي من قوّة لرجمها بالحجارة لتسطر الشبيبة الشيوعية أوّل انتفاضة بالحجارة في تاريخ شعبنا.

 ومهما حاول قلمي ان يسطّر بعض السطور في هذه العجالة، تعجز الكلمات ان توفيه حقه والدموع تحتبس في مقلتيّ وغصة الحزن تقف في الحلق.  شاء القدر ان يخذلنا ويسّرع في رحيله وهو في أوج العطاء لنفقد قائدًا ميدانيًا أحبّ الجماهير فأحبته ومنحته ثقتها لرئاسة بلدية طمرة لدورتين متتاليتين.  فقد اجترح عادل الصعاب وشق طريقه الحياتية والسياسية رغم ما اعترضته من أشواك وعقبات، وأنجز ما لم يستطع غيره، كونه من المهجرين. وأثناء سيرته الحزبية الطويلة ذاق شظف العيش وضيق الحياة الذي لم يفتّ من عضده ولم يثنِه عن مواصلة طريقه وهو يحمل الرسالة الحزبية بلا كلل أو ملل، مما أهّله الصعود إلى قمة الهرم فانتخب عضوًا في المكتب السياسي للحزب.

حمل في ثناياه حلم وآمال العودة إلى مسقط رأسه (الحدثة) ولسائر المهجرين، وكان نشيطًا، وله باع طويل في لجنة المهجرين التي تحيي الذكرى من كل سنة. ولا أنكر أنّني في السنوات الأخيرة اختلفت معه في الرأي وتناقشنا واشتد النقاش واحتد ولكن الخلاف بالرأي لا يفسد للود قضية.

نم يا أبا سلام قرير العين، فبكاك الكثيرون من رفاق دربك، وقد زرعت الحزن في قلوب آلاف الناس، رحلت عنا  يا أبا سلام وعزاؤنا بعائلتك الكريمة ام سلام، ونجليك سلام وحازم وكريماتك، تركت فيهم جرحًا لم ولن يندمل، وداعًا أبا سلام أيها الرفيق الرمز والنموذج  للشيوعي النقي الأصيل، لتبقى ذكراك خالدة.

(عرابة)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب