news
مقالات

لكم شراكتكم ولنا شراكتنا!

رجا زعاترة

لم يتّضح بعد، حتى كتابة هذه السطور، إذا ما كان غانتس وقادة "أزرق أبيض" سينقذون ماء وجه تحالف "العمل جيشر"-"ميرتس"ويدرجون أحد المرشحين العشرة الأوائل ضمن قائمتهم، كي يتم ترفيع المرشح العربي للمكان العاشر، غير المضمون بالضرورة، في قائمة تحالف اليسار الصهيوني.

من نافلة القول أنه في التناقض الأساسي الراهن على الساحة السياسية في إسرائيل، فإنّ هذا التحالف هو تطوّر إيجابي. إذ قد يحول دون ضياع عشرات آلاف الأصوات تقدّر قيمتها بحوالي 4 مقاعد من المعسكر البرلماني المناوئ لنتنياهو. وخصوصًا في ظل إمكانية خوض قوى اليمين الديني انتخابات آذار 2020 في قائمتين منفصلتين قد لا تجتاز إحداهما نسبة الحسم. فإذا ما سقطت قائمة وزير "الأمن" بينط أو قائمة وزير المعارف بيرتس فلن يكون بمستطاع نتنياهو تجميع 61 مقعدًا.

 ومن نافلة القول أيضًا أنّه حتى لو تم إدراج مرشح عربي في مكان "مضمون" فإنّ قوائم "ميرتس" و"العمل"، معًا وكلٌ على حدة، لا يقدّمون الحد الأدنى السياسي المطلوب ولا يطرحون على المجتمع الإسرائيلي البديل الجوهري العميق الشامل، لا على العرب ولا على اليهود. والمعيار الأساسي في هذا التقييم ليس التركيبة الشخصية للقائمة، بقدر ما هو المسار السياسي والخطاب السياسي والموقف السياسي.

مأزق اليسار الليبرالي

منذ انتخاب تمار زندبرغ والإطاحة بزهافا غلئون في كانون الثاني يناير 2018 تتّجه "ميرتس" أكثر فأكثر نحو تدوير الزوايا ومسايرة المزاج اليميني للمجتمع الإسرائيلي على مستويين: الأول هو تمييع المواقف السياسية ضد الاحتلال والعنصرية. والثاني هو إعلاء شأن قضايا الحريات الشخصية التي تعني الجمهور العلماني الليبرالي اليهودي، كقضايا المثليين أو شرعنة الماريحوانا أو حقوق الحيوانات أو مكافحة الفساد وغيرها من القضايا التي يكون بعضها عادلاً وصائبًا ولكنّه بالتأكيد ليس التناقض الأساسي في دولة تحتل شعبًا آخر وتضطهد خُمس مواطنيها على أساس قومي ويرزح ثلث أطفالها تحت خط الفقر.

وتواصلت هذه النزعة مع انتخاب نيتسان هوروبيتس في حزيران 2019. ومن الجدير التنويه إلى أنّ هذه الظاهرة – نزوع القوى الليبرالية إلى الابتعاد عن الناقضات السياسية والطبقية لصالح قضايا الحريات الشخصية و"أسلوب الحياة" – ليست ظاهرة محلية بل ظاهرة تميّز اليسار الليبرالي في الكثير من المجتمعات والساحات. ومردّها أزمة فكرية بالأساس تنعكس سياسيًا مثلما تنعكس انتخابيًا في عجز هذه القوى عن استقطاب الطبقات المستضعفة التي يتغلغل فيها اليمين الفاشي، لتبقى الطبقات الوسطى والنخب "جمهور الهدف" الوحيد لهذا اليسار.

 

نقاش جذري

لقد كان لدينا نقاش فكري وسياسي طويل وعريض مع "ميرتس" قبل هذه المرحلة (مرحلة زندبرغ وهوروبيتس) على أكثر من صعيد. ففي القضية السياسية تطرح "ميرتس" موقفًا متقدمًا نسبيًا يدعو إلى قيام دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل عاصمتها القدس الشرقية، ولكنه ينتقص جزءًا من حقوق الشعب الفلسطيني إذ يحدّد عودة اللاجئين إلى أراضي الدولة الفلسطينية فقط، وليس إلى ديارهم الأصلية التي هُجّروا منها كما تطرح القرارات الدولية وكما نطرح في الحزب الشيوعي والجبهة وفي القائمة المشتركة. 

 أما على المستوى الإقليمي فتتبنى "ميرتس" المقاربات الإمبريالية (بنكهة أوباما تحديدًا) وأسس الموقف الصهيوني الكلاسيكي ضد حركات وقوى المقاومة. فتدعو في برنامجها الرسمي المعتمد إلى تحالف إسرائيل مع "محور الاعتدال"؛ وتشترط الانسحاب من الجولان المحتلّ بتغيير النظام في سوريا؛ وتدين "نظام الأسد" ولا تنبس ببنت شفة عن حركات الإرهاب والتكفير المدعومة إسرائيليًا وأمريكيًا. وفي آذار 2016 كانت "ميرتس" جزءًا من الهجمة على المواقف الرافضة لقرار جامعة الدول العربية تصنيف "حزب الله" كحركة إرهابية. 

وعلى المستوى الداخلي تتمسّك "ميرتس" بالخطاب الصهيوني، وهو ليس تمسكًا شكليًا أو رمزيًا فحسب. ففي مسألة تعريف الدولة تقدّم "ميرتس" طرحًا مخاتلاً ومطاطيًا، فتتحدث عن "دولة الشعب اليهودي وفي نفس الوقت دولة جميع مواطنيها". وفي الدورة البرلمانية الماضية طرح النائب يوسف جبارين مشروع قانون "الدولة الديمقراطية والمتساوية"، كبديل لقانون القومية العنصري، ولم يصوّت نواب "ميرتس" (باستثناء عيساوي فريج) مع القانون، بل فرّوا من قاعة الكنيست لأن القانون المقترح لا يؤكد على يهودية الدولة. ومن تمظهرات هذا التمسّك أيضًا ضلوع "ميرتس" في قيادة المؤسسات والأذرع الصهيونية التي تهضم حقوق المواطنين العرب والشعب الفلسطيني، مثل الوكالة اليهودية والكيرن كييمت وغيرها. وفي هذا السياق تحاول "ميرتس" طرح رؤى ليبرالية نسبيًا ولكنها، كدأب مجمل التيارات الصهيونية، تتحدث عن "الشعب اليهودي" كـ "أمّة يهودية".أي أنها تتبنّى أسس الفكر الصهيوني العنصري، فلا تنفيه أيديولوجيًا ولا تتجاوزه سياسيًا.

 وقد يقول قائل، وبحق، بأنّ رغم هذه الخلافات والاختلافات فإنّنا قد نجد مع "ميرتس"، وبالأساس مع جمهور "ميرتس" في الشارع اليهودي، قواسم مشتركة كثيرة في مواجهة الحكومة اليمينية المتطرّفة وفي مواجهة الهجمة الفاشية وفي العديد من القضايا. وهذا صحيح؛ فنحن لا ندعو بأي شكل من الأشكال إلى التقوقع ولا إلى اشتراط أي عمل مشترك أو نضال مشترك بتنصّل "ميرتس" من الصهيونية وانضمامها إلى محور المقاومة ومناوءة الإمبريالية العالمية. ولكن من الأهمية بمكان أن نعرف وأن نعرّف مساحات التوافق ومساحات الاختلاف. ومن الأهمية أيضًا أن نرصد التحوّلات والتغيّرات التي تطرأ. وما من شك في أن وجهة "ميرتس" في مرحلة زندبرغ وهوروبيتس ليس نحو مواقف أكثر تقدّمية بل أكثر تأقلمًا مع الإجماع الصهيوني وانزياحه المضطرد نحو اليمين.

 

مش أي "يسار"

في انتخابات نيسان 2019 استفادت "ميرتس" من تفكّك القائمة المشتركة ومن وجود مرشحيْن عربييْن (عيساوي فريج وعلي صلالحة) في أماكن متقدّمة في قائمتها، فحصدت حوالي 40 ألف صوت من الناخبين العرب، أنقذوها من السقوط. وفي انتخابات أيلول 2019 أُعيدت لُحمة القائمة المشتركة ليتراجع التصويت ل "ميرتس"إلى حوالي 13 ألف صوت (مثلما كان في انتخابات 2015)، أيضًا بسبب التحالف مع إيهود باراك ضمن المعسكر الديمقراطي.

 بالمقابل، حاول قادة "ميرتس" رفع شعار الشراكة اليهودية العربية في انتخابات أيلول. ولم يعد ثمة اليوم مجال للشك في أنّ هذا الشعار لم ينمّ عن قناعة حقيقية بهذه الشراكة بقدر ما عبّر عن حاجة انتخابية لحظية لاقتناص الأصوات العربية. بدليل أن "ميرتس" تحالفت أيضًا مع الجنرال يئير غولان، على حساب مرشحها العربي.

 وقد يقول قائل أنّ تحالف "ميرتس" مع العمل وجيشر برئاسة عمير بيرتس وأورلي ليفي أبوقسيس كان "تحالف الضرورة". وفي هذا قدر لا يستهان به من الصحة. ولكن وبغضّ النظر عن إمكانية نقل أحد المرشحين إلى قائمة "أزرق أبيض"، فالأهم هو أنّ هذا التحالف يزحزح "ميرتس" نحو اليمين أكثر. فالنائبة ليفي أبوقسيس بدأت مسيرتها السياسية في حزب "يسرائيل بيتنو" بزعامة ليبرمان، وكانت من الموقّعين على مشروع "قانون القومية"، ومواقفها في القضية السياسية هي مواقف يمينية حتى قياسًا بمواقف حزب العمل. وقد خاض تحالف العمل وجيشر الانتخابات السابقة تحت شعار "قبة حديدية اجتماعية"، تيمنًا بمشروع "القبة الحديدية" الذي بادر إليه عمير بيرتس حين تولّى وزارة "الأمن" في حكومة أولمرت. وفي هذا الشعار تنازل مسبّق حتى عن محاولة طرح بديل في القضية السياسية، وفيه فصل فجّ بين الفقر في إسرائيل والفقر والجوع والعطش في غزة.

 

مش أي "شراكة"

وقد يقول قائل أيضًا أنّ تحالف المركبات الأربعة في القائمة المشتركة لا يقوم على المبادئ وحدها ولا يخلو، بدوره، من المصالح. بل قد يدّعي مدعٍ أنّ الجبهة أدارت ظهرها لمبدأ الشراكة العربية اليهودية. ولكن الحقيقة هي أنّ الجبهة تشدّد اليوم على هذا المبدأ وعلى هذه الممارسة بما لا يقل عمّا كانت تفعل قبل تشكيل القائمة المشتركة. بل نعتزّ بأنّ شركاءنا في القائمة المشتركة باتوا اليوم أكثر انفتاحًا على فكرة النضال المشترك وإيجاد القواسم المشتركة مع القوى الديمقراطية في الشارع اليهودي. ونؤكد أنّ إحدى المهام الملحّة هي بناء تحالفات عربية يهودية واسعة ضد خطر الفاشية، والعمل المشترك مع كل من يمكن أن نتفق معه على جزء من القضية أو جزء من الطريق.

 ومن الملاحظ أنّ مفهوم أو فكرة الشراكة اليهودية العربية أو العربية اليهودية تعرّض ويتعرّض في السنوات الأخيرة لمحاولات إعادة تعريف. ظاهرها تعميم أو تعويم المصطلح (Mainstreaming) ولكن باطنها إفراغه من مضمونه الفكري والسياسي. فالشراكة التي نتحدّث عنها هي أولاً وقبل أي شيء شراكة في الفكر، في الرؤى، في الطروحات والمواقف، وفي الممارسة. إنّ الامتحان الجوهري والأساسي للشراكة ليس موقع المرشح العربي أو اليهودي، بقدر ما هو الموقف السياسي الذي يطرحونه ويمارسونه. إنّ اختزال الشراكة في البعد الشخصي قد يجعل قائمة مثل "أزرق أبيض" قائمة "يهودية عربية"، أو حتى "الليكود" و"يسرائيل بيتنو" اللتين تضمّان مرشحين "غير يهود".

 إنّ الشراكة الحقيقة لا تقوم على تذويت علاقات القوة القائمة وتدجين المواطن العربي ليكون "مقبولاً" لدى الآخر اليهودي، بل على التكافؤ والندية وعلى تغيير علاقات القوة. ولا تقوم على "برغماتية" أحادية الاتجاه، بل على حسابات سياسية دقيقة لما يمكن التوافق عليه وما لا يمكن التنازل عنه، في كل معركة ومعركة وفي كل مرحلة ومرحلة.

 فالمفهوم الأعمق للشراكة – من وجهة نظر الشيوعيين - هو المفهوم الأممي القائم على فكرة أخوّة الشعوب وعلى التعاون العمّالي العابر للقوميات في مواجهة العدو الطبقي المشترك. هذا هو مفهومنا الذي عبّر عنه المفكّر والمؤرّخ إميل توما عندما شارك في اجتماع الأحزاب الشيوعية في لندن عام 1945 مندوبًا عن عصبة التحرر الوطني، بالقول: "إن التعاون الطبقي العمالي العربي- اليهودي وكفاح القوى التقدمية اليهودية المتقدمة ضد الإرهاب الصهيوني، عاملان جديدان يساعدان في الكفاح المناهض للإمبريالية". أي أنّ الشراكة تقوم بالضرورة على موقف واضح من التناقضات المركزية، وليس على طمسها.

وشتان بين هذا المفهوم الثوري للمصالح المشتركة للشعوب، والذي عبّر عنه ماركس وأنجلس في "البيان الشيوعي" بأنه "..بقدر ما يُقضي على استغلال الفرد للفرد يُقضى على استغلال أُمّة لأمّة أخرى. ومع زوال التناحر بين الطبقات داخل الأمّة يزول موقف العداء من الأمم"؛ وبين مفهوم وخطاب "شراكة المصالح" المجرّد من أي معيار قيمي وأخلاقي والمنزوع من السياق السياسي.

 

مش أي "خازوق"

لقد آن الأوان لينزل عرب "ميرتس" وجميع الأحزاب الصهيونية عن هذا الخازوق، على خطى "سعيد أبي النحس المتشائل". وحتى لو لم ترق القائمة المشتركة بكل مركباتها بنسبة 100% للجميع، فهي بالتأكيد أجدر بالدعم ممّن صوّتوا لصالح "قانون القومية"، وهي بالتأكيد الأقدر على إيصال صوتنا كأقلية قومية وكموقف ديمقراطي ويساري صميمي في كل القضايا.

لم يعد في مقدور أحد الادعاء بأنّ التصويت لحزب صهيوني أكثر جدوى أو تأثيرًا. ولم يعد في مقدور أحد الادعاء بأنّه يريد "التغيير من الداخل" حين تكون وجهة التغيير نحو اليمين ونحو الاستهتار بالعرب والتعامل معهم كمخزون أصوات فقط وليس كشركاء نديين.

هذا نداء إلى عرب "ميرتس" وعرب حزب العمل؛ أن انزلوا عن هذا الخازوق!

وهذه همسة إلى كوادر الأحزاب وجمهور المشتركة؛ أنّ "خير الخطائين التوّابون"، وأنّ "من كان منكم بلا خطيئة، فليرمها بأول حجر"!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

                                               

 

             

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب