news
مقالات

للشراكة العربية اليهودية الكفاحية أسس واضحة لا يمكن التهادن معها

*نقاش مع مقالات النائب أيمن عودة *قوتنا في الشارع اليهودي بين المبدأ والأرقام *هل كان حزب "العمل" يسارا، حتى نقول إن وصول الليكود للحكم كان وصول اليمين؟ *لا وجود ليسار صهيوني *البرامج السياسية تقام على حقائق، وليس على فرضيات تصاغ من أجل تحقيق أهداف *لا يمكن شخصنة العنصرية الصهيونية، تارة نتنياهو والآن بينيت *وحدة المستضعفين الكفاحية غير المتقوقعة، والحفاظ على القائمة المشتركة، مهمة المرحلة*

نشر النائب أيمن عودة في الأشهر الأخيرة عدة مقالات يطرح فيها ما يعتقد أنه تصوره "لإقامة جبهة ضد الفاشية" أو لإقامة "المعسكر الديمقراطي". ويطرح تصورات وفرضيات بشأن قوة القائمة المشتركة في الشارع اليهودي. ولكن ما يمكن استنتاجه من هذه المقالات، وكأننا في الحزب الشيوعي والجبهة، العقبة لإقامة جبهة ميدانية، وليست برلمانية، رغم أنها ضمن المشاريع السياسية لحزبنا وجبهتنا، ولم تتوقف المحاولات.

ولكن مشاريعنا كحزب شيوعي وجبهة، قائمة على رؤية ذات بوصلة، لا يمكننا الانحراف عنها، لأنها الموقف- العمود الفقري الذي نستند عليه، وهو الذي أبقانا على الخارطة السياسية، على مدى أكثر من سبعة عقود بعد النكبة، خلافا لباقي الأحزاب والمشاريع السياسية التي ظهرت في فضائنا على مر السنين.

 

"يمين ويسار وشخصنة العنصرية"

 

والمقال الأخير للنائب عودة الذي نشر في "الاتحاد" يوم الجمعة 25 أيلول، ظهرت فيه عدة مطبّات سياسية، لا يمكن تجاوزها. فهو يفتتح مقاله بالحديث عن الفاشية الاسبانية والكفاح ضدها. ثم يضع تاريخا، على الأقل هكذا يُفهم من المقال، لبدء الفاشية الإسرائيلية، وهو عند وصول "اليمين" إلى الحكم بزعامة الليكود، في العام 1977. 

مجرد القول إن وصول الليكود للحكم في العام 1977، يعني وصول اليمين، وبدء العنصرية الفاحشة، فهذا يعني بموجب ذات المنطق، أن ما سبقه كان "يسارا" ومناهضا للعنصرية المعادية للعرب، لكن ما سبق الليكود كان حزب "العمل" بتسمياته المختلفة، مباي ومعراخ.. الذي تفرّد في الحكم منذ العام 1948 وحتى 1977، وهي مرحلة الحروب التوسعية، 1948 (المناطق الفلسطينية وفق قرار التقسيم) و1967 و1973، وشن عمليات عدائية وحروبا قصيرة المدى، مثل العدوان الثلاثي 1956، وحرب على قطاع غزة، وأول هجوم على لبنان، بُعيد بدء الحرب الأهلية.

وهذا الحزب، هو الذي وضع كل أسس التمييز العنصري ضدنا كعرب، وهو الذي صادر الأراضي العربية وزرع الاستيطان، بحجة تهويد الجليل أولا و"إنقاذ أرض الامة في النقب"، وهو الذي نشر الاستيطان في المناطق العربية المحتلة عام 1967، بدءا من القدس خلال أيام عدوان حزيران 1967، ولاحقا الاستيطان في غربي بيت لحم، ما يسمى احتلاليا، "غوش عتسيون"، والاستيطان في الخليل في العام 1968، بدعم شمعون بيرس. وهو الذي نشر الاستيطان استراتيجيا في غور الأردن. وكان لحزبي العمل و"مبام" مستوطنات لجمهوريهما في الغور ومرتفعات الجولان السوري المحتل. ولسنوات شكلت هذه المستوطنات معاقل أصوات لكلا الحزبين.

سبق الليكود في الحكم حزب العمل مرتكب المجازر، أبرزها كفر قاسم ولكن ليس وحدها، وهو أيضا مرتكب مجزرة يوم الأرض.

ولهذا فإن مقولة أن الفاشية المؤسسة على الفكر والممارسة العنصرية بدأت مع وصول الليكود إلى الحكم، اقترح على النائب عودة أن يتراجع عنها، لأن العقلية العنصرية الاستعلائية الإرهابية زرعها حزبا "اليسار الصهيوني" المزعوم، "العمل" و"مبام" رغم بعض التباينات المحدودة بين الحزبين. إن أساس ومنبع أحزاب "العمل" و"مبام" و"الليكود" وغيرها، هي الحركة الصهيونية الاستعمارية العنصرية الشرسة الدموية الاقصائية، وولائها المطلق للمصالح الامبريالية في المنطقة.

ثم ينتقل عودة للتحذير من تنامي تحالف أحزاب المستوطنين "يمينا"، مع تركيز على شخص المرشح الأول في هذا التحالف العنصري الشرس نفتالي بينيت، والتحذير منه ومن عنصريته. واضح أن للأشخاص الكرازماتيين دور في السياسات، لكن ما نراه في السنوات الأخيرة، حالة من شخصنة العنصرية الصهيونية، دون تركيز على جوهر الصهيونية؛ إذ يرى البعض أن مقارعة ومهاجمة الصهيونية، لا تسمح بالتوغل في الشارع الإسرائيلي، وهذه مقولة صهينة مرفوضة، يلوّح بها نفر، بينهم من هم مأجورون في جمعيات وحركات صهينة، وآخرون ممن تفتح لهم الصحافة العبرية أبوابها لينطقوا بما يطيب للاجماع القومي الصهيوني. لا يمكن غض الطرف عن جوهر الصهيونية ومهاجمتها. لا يمكن.

وهذه الشخصنة رأيناها في تركيز الهجوم على شخص بنيامين نتنياهو، وكأن اقصاءه شخصيا، يحل كل القضايا العالقة، دون النظر لما يمثله نتنياهو، ومن هي القوى الاقتصادية والسياسية، المحلية والعالمية، التي تدعمه.

هذا النقاش أدخلنا في خانة الخيار بين السيء والأسوأ، بين نتنياهو وبيني غانتس.

من باب الموضوعية، أشير إلى أن الجبهة الديمقراطية رشحت أمام الرئيس الإسرائيلي مرشحا لرئاسة الحكومة مرتين فقط، وكان هذا بناء على ظروف عينية كانت قائمة، ممكن شرحها في مقالة أخرى: في العام 1984 لصالح حزب "العمل"، وفي نهاية المطاف أقيمت حكومة وحدة بين الليكود والعمل؛ وفي العام 1992، حينما كانت كتلة الجبهة هي من رجحت حكومة برئاسة يتسحاق رابين، دون المشاركة فيها. على أساس التزام رابين المسبق بتجاوز قواعد الاجماع القومي الصهيوني التقليدي.

القرار في آذار 2020، لترشيح بيني غانتس كان تحت شروط إجرائية عينية كمقدمة تمهيدية، نفذها تحالف أزرق أبيض في تلك الأيام، والقرار وفق تلك الظروف العينية، وإن كان خلافيا مع بعض الأصوات، لكنه اتخذ بالإجماع في الجبهة، كما في مركبات أخرى في القائمة المشتركة.

إلا أنه بعد ذلك الترشيح بأيام، حدث شيء في إسرائيل. ولا يمكن غض الطرف عما وقع في تلك الأيام، وما زال قائما حتى يومنا. لذا فإن مقولة النائب أيمن عودة في ندوة لمركز مسارات في رام الله، في شهر آب الماضي، أنه مستعد للتوصية على غانتس ثانية ليطيح بنتنياهو، كان موقفا شخصيا له، وليس قرار هيئات، ولا يلتقي مع تحليلات الهيئات. وأرى بالتأكيد أنه موقف متسرّع، وسياسي خاطئ كليا.   

وفق ما نراه في استطلاعات الرأي، ولو جرت الانتخابات قريبا، فإن المعادلة التي نشأت بين انتخابات أيلول 2019 وآذار 2020، لن تكون، ولكن لا يمكن العودة إلى مربع التوصية في الظروف القائمة.

فحزب "يش عتيد" بزعامة يائير لبيد، وحليفه حزب "تيليم" بزعامة مجرم الحرب موشيه يعلون، ليسا عنوانا بديلا لحكم الليكود. ومن يريد أن يعرف من هم الأشخاص في هذين الحزبين، وأيضا في الحزب الذي يتزعمه بيني غانتس، فليراجع 50 مشروع قانون عنصري وداعم للاحتلال والاستيطان، تم تقديمها في الولاية البرلمانية الحالية، حتى كتابة هذا المقال، ليرى كم من النواب من هذه الأحزاب الثلاثة مشارك فيها. هذه حقائق مؤرشفة عندي، وموثقة في موقع مركز الأبحاث "مدار" في رام الله.

على مدى سبعة عقود ونحن نخوض المعركة البرلمانية، وفي ذات الوقت، قدنا المعركة الميدانية لوحدنا، حينما لم تكن أحزاب أخرى، أو أحزاب بوزن جماهيري قوي، وأكدنا طيلة الوقت على أن المعركة الأساس هي الميدان، مع أهمية المعركة البرلمانية.

ولهذا فإن التأثير الذي يُحكى عنه في السنوات الأخيرة، لا يمكن أن يكون من خلال القفز بين المعسكرات الصهيونية التي تدور في فلك السلطة الحاكمة، فهذه ممكن أن تكون في اطار مناورة برلمانية لقضية معينة، أو في ظرف مناسب عابر، ولكن ليس استراتيجية ثابتة، وأن نكون مطالبين بتغيير نهجنا، لنكون "ملائمين للانخراط في جهاز الحكم"؛ فهناك من سبح عميقا، وانبطح على عتبة بيت بيني غانتس، مثل حركات صهيونية وأتباعها، وراحوا يطالبون بتوزير نواب المشتركة؛ وسط تعتيم كامل على جوهر الحكم الإسرائيلي القائم على الاحتلال، فالمشاركة في الحكومة تعني الالتزام بسياساتها الاستراتيجية، كلها، كلها دون استثناء.

كذلك فنحن شهدنا في كل انتخابات من الانتخابات الأربع الأخيرة، حكايا عن "إنجازات غير مسبوقة"، مثل التمثيل العددي، والقول إنه لأول مرّة في تاريخ الجماهير العربية يكون التمثيل بهذا العدد، وفي هذا تضخيم بهدف شطب كل ما سبق، وخلط للأمور ومقارنة حالات مختلفة نوعيا وتاريخيا. فكيف يمكن القول إن القائمة المشتركة حققت اكبر قوة منذ الكنيست الأولى، بينما تشكلت المشتركة لأول مرة في العام 2015.. مما يجعل هذه المقارنة ديماغوغية.  

حينما فازت الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة وحدها بـ 52% من أصوات العرب في انتخابات 1977، وتمثلت بـ 5 نواب، وكانت نسبة التصويت متقاربة مع نسبة التصويت بين اليهود، فإن هذا يعادل اليوم قرابة 9 مقاعد، بناء على نسبة العرب اليوم، من اجمالي ذوي حق التصويت.

لا يمكن تجاوز كل المحاولات لطي الماضي وتشويهه (خطاب الجعجعة كما يصفونه)، خاصة من بعض الكتبة، ووكلاء مؤسسات ومراكز صهيونية، يتقاضون من الفضة، ما يجعلهم يتمادون. وهذه المحاولات يجب محاصرتها ولفظها إلى خارج شارع جماهيرنا العربية.

معركتنا اليوم، كما في الماضي، هي ضد السلطة الحاكمة، وضد الصهيونية جوهرا وممارسة، مع بوصلة واضحة، أولها أن القضية الأساس هي قضية شعبنا الفلسطيني: دولة واستقلال وعودة.

 

قوتنا في الشارع اليهودي بين المبدأ والأرقام

 

التمثيل اليهودي في قائمة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، ومن قبلها الحزب الشيوعي، هو موقف ومبدأ، وليس في حساباته عدد الأصوات التي نحصل عليها. وقبل عشرات السنين كان توازن التمثيل مختلفا.

وفي سنوات الخمسين، وحتى منتصف سنوات الستين، كانت أصوات اليهود لقائمة الحزب الشيوعي أكثر من أصوات العرب، وتقلصت هذه الفجوة، وانقلبت على حالها بعد الانشقاق الفكري والسياسي في الحزب في العام 1965، حينما تم الانفصال عن تيار الانحراف الصهيوني والمتصهين، الذي سيطر على قيادة الحزب، وانطلقت قائمة "ركاح"، التي حزبنا استمرارية لها.

وباستثناء ولاية برلمانية واحدة، 2003- 2006 كانت كتلة الجبهة ومن قبلها الحزب الشيوعي، بتركيبة عربية يهودية، والمهم لدينا هو الموقف. فأول محاولة اغتيال سياسي في الشارع الإسرائيلي وقعت ضد رفيقنا الراحل ماير فلنر، السكرتير العام للحزب الشيوعي، في العام 1967، بعد أن ألقى خطابا في الكنيست في أيام العدوان، أكد فيه أن الحكومة الإسرائيلية ترتكب جرائم حرب.

وفي السنة الأخيرة هناك متابعة قوية لخطاب رفيقنا عوفر كسيف، خطاب قائم على قناعات ومبادئ، وخطاباته في الكنيست تنتشر بكثرة في العالم العربي، خاصة خطابه عن الأصلانية الفلسطينية، الذي ألقاه بعد اغتيال الشاب الشهيد إياد الحلاق في القدس المحتلة.

وأكرر أن الاحصائيات وأعداد الأصوات لم تكن معيارا لاختيار مرشح الجبهة، وليس فقط من الرفاق اليهود.

في انتخابات آذار 2020، كانت طفرة في عدد الأصوات بين اليهود. ويتمسك النائب عودة بـ 20 الف صوت، رغم أن الحقيقة هي أبعد من هذا، وتم لفت نظره مرارا، ولكن الأمر تحوّل إلى قاعدة لديه لبناء نظريات عليها.

فقد أجريت إحصاء شاملا لخارطة الأصوات، بعد انتخابات آذار الأخيرة، 2020، وهذه ليست المرّة الأولى، بل هذا ما أقوم به منذ انتخابات 2013، حينما أصدرت كتابي الأول: "الخارطة السياسية الإسرائيلية 2013". وفي انتخابات آذار الماضي، توصلت إلى استنتاج بأننا حصلنا على ما بين 12 الفا إلى 12500 صوت من اليهود، ضعف ما كان في انتخابات أيلول 2019.

ولست مخولا للنطق باسم أي شخص، ولكن شخصا ما من بيئتنا السياسية في منطقة تل أبيب، أجرى حسابات بطريقة حسابية أعجبتني جدا لدقتها، وتوصل هو أيضا إلى ذات الاستنتاج، وقيل لي أن شخصا ثالثا أجرى بحثا خاصا به، وأنه توصل إلى أعداد مشابهة.

تفسيري لهذه القفزة غير المسبوقة في الأصوات في الشارع اليهودي، تعود إلى التحالف بين ميرتس وحزب العمل والنائبة أورلي ليفي، وأن آلاف الأصوات من أطراف جمهور مصوتي ميرتس لجأت للمشتركة، لرفضها عمير بيرتس وأورلي ليفي.

وحاليا تقول الاستطلاعات إن ميرتس وحده سيحصل على ما بين 5 إلى 7 مقاعد، بمعنى عدد المقاعد التي حصل عليها بتحالفه مع "العمل" المنقرض، واورلي ليفي، التي شكلت حزب يافطة عابر.

لكن النائب عودة لا يتوقف عند تضخيم عدد أصوات الشارع اليهودي، بل يقول إنه تحادث مع أحد الباحثين المعروفين في معاهد الاستطلاعات الإسرائيلية، كميل فوكس، وقال له الأخير إنه لاحظ مرارا أن القائمة المشتركة ستحصل على مقعدين من الشارع اليهودي، 70 ألف صوت، في ما لو جرت الانتخابات الآن.

والحقيقة أن تقدير كميل فوكس ليس جديدا، بل هو الرقم الذي روّج له قبيل انتخابات آذار 2020 بعض أقطاب القوى، التي تفاوضت مع قادة في الحزب الشيوعي لتغيير تركيبة التحالف القائم، وعندما اكتشفوا ان الأمور أكثر تعقيدا، بدأوا بتشكيل نواة لقائمة يهودية عربية جديدة في مفهوم اليسار الصهيوني (أسماء "أقطابها" العرب موجودة لدينا)، وأصروا على إجراء استطلاع للرأي أقنعهم بأنهم بعيدون جدا عن نسبة الحسم وتراجعوا.

يا مرحب يا مرحب، بكل صوت إضافي، ولكن التقلبات والتطورات في الشارع الإسرائيلي والانجراف نحو اليمين الاستيطاني أكثر، تجعل 70 ألف صوت يهودي للقائمة المشتركة، أسطورة في هذه المرحلة، ولا يجوز بناء برامج سياسة وخطط، بناء على فرضيات ليست واقعية. ما هكذا تبنى السياسات.

عوفر كسيف بالنسبة لي/ لنا، هو الموقف وليس انتماءه الديني، وسقف خطابه منافس داخل القائمة المشتركة، وليس في نيتي اجراء مفاضلات، فالشارع يسمع ويرى ويحكم على هذا الأساس. وكسيف لم يأت بجديد، بل هذا هو خطاب حزبه الشيوعي والجبهة، المتين والاصيل، العمود الفقري الذي بفضله يبقى حزبنا وجبهتنا على الساحة وبقوة.  

 

لا توجد لدينا خطابات مقدسة وجامدة

 

يقتبس النائب عودة، كما يفعل البعض، تقارير الحزب الشيوعي في سنوات خلت، ومنهم من راح يبحث عن خطابات ألقيت في مطلع سنوات الستين، ولاحقا. فالخطاب السياسي كما البرنامج السياسي في حزب شيوعي، كحزب أيديولوجي، قائم على مبادئ تحليل لمرحلة قائمة، لكن الحياة في حركة دائمة.

وطالما انت حزب معارضة، فالتطورات ليست متعلقة بك، بل عليك أن تطور نفسك بموجب التحديات التي امامك، بناء على أسس وتحليل قائم على الأيديولوجيا والنظرية التي تتبناها، وهي سر قوتنا وثباتنا على الساحة، وتعمل على تقليص أخطار تلك التطورات، وتحاول الاستفادة من ظروف قائمة لصالح الأهداف التي تسعى لها.

ورأينا أن خطاب الحزب الشيوعي الثوري المتحدي الصدامي، كان يتطور باستمرار بفعل التطورات، وإذا تعمقنا سنرى أن خطاب الحزب في سنوات الستين مختلف عن سنوات الخمسين، وخطاب السبعينيات، أشد مما سبق، الذي كان يواجه ويصطدم مع الأحزاب الصهيونية وزعانفها العربية في المعارك الانتخابية، والمعارك السياسية، وتوّجها في يوم الأرض، ولاحقا كانت انتفاضة صبرا وشاتيلا، والمعارك اللاحقة.

 

لم نتوقف يوما عن مبدأ الشراكة

 

ليس فقط المؤتمر الـ 27 الأخير، 2014- 2015، الذي دعا لإقامة جبهة عربية يهودية ميدانية ضد الفاشية، وضد الاحتلال، وهذا برنامج قائم طوال الوقت، والمشكلة في عدم قيام جبهة ميدانية كهذه، ليست في الحزب والجبهة، بل ما يجري في الشارع اليهودي من تطورات وتقلبات، نحو اليمين المتطرف.

ولا نجد حركات جماهيرية ملموسة من الممكن التوصل معها إلى صياغة برنامج حد أدنى لحراك ميداني. ففي التحضيرات لمظاهرة تل أبيب في الذكرى الـ 53 لعدوان حزيران، كانت الغالبية الساحقة جدا من الأطر المشاركة، مجرد حركات أو جمعيات، فحتى حزب ميرتس لم يشارك بقوة ملموسة.

وأطل على اجتماع تحضيري لتلك المظاهرة، أبراهم بورغ، الذي يريد إقامة حزب يهودي عربي، "متساوي". وفي عدة مناسبات لوحظ عنده موقف محتفظ، كأقل تعبير، من القائمة المشتركة، وهذا ظهر في انتسابه ليوم واحد للجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، في أول أيام العام 2015، ليدلي بموقفه الرافض لقيام القائمة المشتركة، وحينما رأى أن الموقف مخالفا لما أراد، "حمل قبعه ولحق ربعه"، ربعه الذي ما انفضّ عنه يوما.

كنت من بين من احتفلوا بحضور بورغ للجبهة، وقد جاء في يوم سبت إلى الناصرة، وهو المفترض أنه متدين. وأنتقد نفسي هنا لتسرعي في ذلك الترحيب. وسمعت أنه ما زال يسعى لإقامة حزبه، كما حاول هذا تمهيدا لانتخابات نيسان وأيلول 2019.

بمعنى أن شخصيات باتت على الهامش، وهي متقاعدة سياسيا، تسعى للعودة إلى الواجهة على أكتاف أصوات الجماهير العربية، وهذه عقلية حزبي "العمل" و"مبام" اللذين حتى العام 1974 كانا يجرفان غالبية أصوات العرب، بفعل نهج الترهيب واستغلال بؤس الناس.

ونحن في الحزب الشيوعي، وكذا في الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، نميز بين الشراكة الميدانية الكفاحية لقضايا معينة، وبين الشراكات والتحالفات السياسية، على المستوى البرلماني. ففي الكنيست أنت تطرح برنامجا سياسيا قائما على أسس، لا يمكن التنازل عنها.

مثلا، ليس الجميع ينتبه إلى أن حزب ميرتس الرافض لحق العودة، والانسحاب الكلي من القدس، وحتى من الكتل الاستيطانية الكبرى، يأتي موقفه الرافض لحروب إسرائيل دائما متأخرا، وفقط بعد أن تبدأ إسرائيل في إحصاء قتلاها.

إن محاولة القاء اللوم المبطّن على الحزب الشيوعي والجبهة، في عدم إقامة جبهة ضد الفاشية، أو جبهة ضد الاحتلال، هو اتهام مرفوض ومشوّه للبرنامج التاريخي للحزب والجبهة.

ومبدأ الشراكة التي نسعى لها قائمة على أسس، وليس على حركات تحاول تلميع ما يسمى "اليسار الصهيوني" وهو مصطلح بائس لأن اليسار لا يمكن ان يتلاقى مع الصهيونية. وقد ألمح النائب عودة لحركة "عومديم بياحد" ممتدحا، دون تسميتها، وهي من هذا الطراز من الحركات التي تسعى لتمييع كفاح الجماهير العربية، والقوى اليهودية التقدمية الحقيقية.

فمثلا هذه الحركة، عومديم بياحد، التي تصرخ من أجل "ديمقراطية" إسرائيل، تجاهلت قرار لجنة الانتخابات المركزية برفض ترشيح النائب عوفر كسيف في شهر شباط 2019، لأن سقف خطابه أعلى بما لا يقاس من جوهر خطاب هذه الحركة، التي برأيي الشخصي أنها في طريقها مستقبلا لتتشكل حزبا، وهي قائمة على تمويل من صناديق كهذه أو تلك.

الشراكة الكفاحية الحقيقية العربية اليهودية قائمة في الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وعلى أسس واضحة. ومن يسعى لشراكة حقيقية فالجبهة بيته، وليعمل على توسيع صفوفها في الشارع اليهودي.

 

مهمة المرحلة وحدة المستضعفين

 

المهمة الأساس هي وحدة المستضعفين، والأكثر استهدافا من المؤسسة الحاكمة، وهم الجماهير العربية. ومن هو على قناعة بالشراكة الكفاحية معها، يجب أن يكون على قناعة بأنها الأكثر استهدافا، ليس فقط في السياق المطلبي والتمييز في الحقوق المدنية انما هي مستهدفة بوجودها وبأرضها وبهويتها، وهي الهدف الأول للعنصرية الصهيونية، وأيضا كون هذه الجماهير جزء حي من الشعب الفلسطيني، وقضيته جزء من قضيتها.

حينما يريد جمهور من جمهور "الأغلبية" الشراكة مع الجهة المستضعفة، عليه التضامن معها، وفهم احتياجاتها والقبول بها، وليس جرها إلى ملاعب التماس مع الأغلبية العنصرية، ومطالبتها بإبداء حسن النية تجاه الحاكم، كي يرضى عنها، وينثر عليها الفتات. ونسمي ذلك معركة على التأثير، من بعدها الهاوية.

فهذه العقلية المسيطرة على ما يسمى "اليسار الصهيوني"، وهذه العقلية التي باتت لها دكاكين صهينة، تحت تسمية جمعيات وحركات.  فهذه أطر لا تبحث عن الشراكة، بل عن تدجين وصهينة الخطاب السياسي لدى الجماهير العربية وشل كفاحها الجوهري، وعزلها عن قضية شعبها الأساس، وعن العمل السياسي بمفهومه الثوري.

وحدة الجماهير العربية الكفاحية، ليست المتقوقعة، هي تاريخيا على رأس أولويات الحزب الشيوعي ومن ثم الجبهة. الحزب الشيوعي هو الذي أقام الأطر الطلابية الجامعية والثانوية، ولجنة الدفاع عن الأراضي، واضفاء طابع كفاحي على اللجنة القطرية للرؤساء، ولجنة الدفاع عن الأراضي، ولجنة المتابعة العليا للجماهير العربية... وصولا إلى القائمة المشتركة.

القائمة المشتركة ليست مشروعا سهلا، تجمع بين 4 أحزاب، ولكنها ضرورة المرحلة، ورغم كل ما نراه من مشاهد لا تساعد على دفع مسيرة القائمة، إلا أنها مطلب الساعة، ويجب صيانتها وضمان استمراريتها، وتعميق عملها وحضورها في الشارع اليهودي الديمقراطي؛ ويا مرحب ومليون مرحب، بكل مصوّت يهودي صاحب ضمير يدعمها، بدءا من الصوت الأول وحتى الصوت الـ ....

 

صورة : وحدة الجماهير العربية الكفاحية، ليست المتقوقعة، هي تاريخيا على رأس أولويات الحزب الشيوعي ومن ثم الجبهة.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب