news
مقالات

لماذا علامتنا "راسب" في امتحانات البيزا الدولية ؟

هل حقا يسير التعليم العربي الى الوراء؟ هذا هو السؤال الذي يجب ان نسأله لأنفسنا اليوم وفي اعقاب النتيجة الكارثية لامتحانات البيزا (BIZA) كما نشرت في الصحف المحلية في الاسبوع الماضي. لقد كثرت التعليقات والتحليلات ووصف بعضهم النتائج بأنها كارثية وصادمة ونزلت كالصاعقة على الوسط العربي ووضعت جريدة "حديث الناس" بالبنط العريض علامة "راسب" للتعليم العربي بجدارة واستحقاق. وانا شخصيا لم اتفاجأ بهذه النتائج لانها متوقعة دائما في جو تعليمي يرزح تحت تمييز سلبي ضد التعليم العربي منذ قيام الدولة. يجري هذا الامتحان مرة كل ثلاث سنوات في 79 دوله تابعة لمنظمة "التعاون الاقتصادي والتنمية" (OECD) في القراءة والرياضيات والعلوم وتهدف الى معرفة وفحص مستوى الطلاب في مهارات تفكير متطلبة عندهم لمواجهة تحديات مستقبلية كثيرة والى أي مدى هم مستعدون لذلك. قلت انني لم أُتفاجأ بالنتائج كشخص واكب قضايا التعليم العربي منذ اوائل الثمانينيات من القرن الماضي. لقد كنت شاهدا على العصر في كل ما يتعلق بمستويات اولادنا في القراءة وفهم المقروء وفي الرياضيات والعلوم وكنت أُلاحظ دائما التقدم البطيء في مستويات الطلاب كما كانت تعكسها امتحانات البيزا وامتحانات النجاعة والنماء. واذا ما ارتفعت نسبة النجاح احيانا فكانت بعدها تعود وترجع الى الوراء فنحاول الحفاظ على موقعنا في ارض الملعب. لقد كانت لجنة متابعة قضايا التعليم العربي التي اقيمت في اوائل الثمانينات أِثر استطلاع ميداني قام به كاتب هذه السطور في حينه من اجل فحص مدى مقدرة طلابنا في الصفوف من الاول حتى السادس على فهم ما يقرأون، فكانت نتيجة الاستطلاع في حينه ان اكثر من 50% من اولادنا لا يفهمون ما يقرأون. وقد هزّت هذه النتيجة الوسط العربي وكانت السبب في انعقاد مؤتمر التعليم العربي الثاني (1984) والذي انبثقت عنه لجنة متابعة قضايا التعليم العربي التي رأسها البروفيسور ماجد الحاج لمدة سنة، وصِرتُ بعده رئيسا لها لمدة عشر سنوات، ولا تزال هذه اللجنة فاعلة حتى اليوم لقد بقينا منذ ذلك نحارب من اجل تحسين مستوى التعليم عند العرب وكشف عورة وزارة المعارف في كل ما يتعلق بالتمييز السلبي والغبن اللاحق بالعرب من قبل وزارة المعارف. كنا نحارب من اجل جسر الهوّة بين الوسطين اليهودي والعربي وكانت تأتي نتائج امتحانات النجاعة والنماء وامتحانات البيزا تباعا دون ان يتغير في نتائجها شيء من حيث مستواها المتدني. هكذا كان مستوى التعليم عند العرب يراوح بين محاولات التقدم وبين الرجوع الى الخلف او "مكانك عد". لقد آمنتُ دائما ان اسباب هذه الظاهرة في التعليم العربي كثيرة وعلى رأسها الضعف في القراءة وفهم المقروء (مفتاح التحصيل) واسباب اخرى تتعلق بالتمييز السلبي في قضايا الروح وقضايا الجسد أي في المضامين التعليمية والميزانيات والملاكات والابنية.

تأتي نتائج امتحانات البيزا (BIZA) لهذه السنة لتشير الى هوّةَ سحيقا بين التعليم العربي واليهودي والى تقهقر ورجوع الى الوراء بالمقارنة مع السنين السابقة تمثلت وتمثلت بفجوةِ بمقدار 114 نقطة في القراءة والكتابة و111 نقطة في الرياضيات و116 نقطة في العلوم. ومقارنا بنتائج المدارس في دول الـ OECD)) فأن نسبة المتفوقين في المدارس العربية تقارب الـ 0. وامام هذا الواقع المّر تعلن الوزارة انها ستقيم لجنة لفحص الموضوع مع انه ليس هناك "جديد تحت الشمس". وهذه النتائج تذكرني بأمرين هامين:-

1. الامر الاول: يتصل بالمؤتمر الذي عقدته لجنة متابعة قضايا التعليم العربي بتاريخ 24.11.1992 في بسمة طبعون وكنت اشغل حينها رئيسا لهذه اللجنة بين (1984-1994) وقد عقد هذا المؤتمر اثر الفشل الذريع في امتحان الرياضيات القطري (1991) حيث نجح طالب عربي واحد من كل 4 طلاب تقدموا للامتحان بينما فشل طالب يهودي واحد من كل اربعة طلاب يهود. وقد عينت وزارة المعارف انذاك لجنة لفحص اسباب الفشل واستخلاص العبر وتقديم التوصيات. وكنت انا احد اعضاء هذه اللجنة ممثلا عن لجنة المتابعة، وقدمنا توصيات لوزير المعارف وغابت هذه التوصيات في جوارير الوزارة شأنها في ذلك شأن 31 لجنة سبق واقيمت لمعالجة قضايا التعليم العربي. وقد نشرت اعمال هذا المؤتمر في كتاب شاهد على العصر تحت عنوان "التعليم العربي الى اين وعلى من تقع المسؤولية؟". صحيح ان الوزارة في اعقاب تقديم التوصيات وضعت خطة خماسية للنهوض بالتعليم العربي لكن هذه الخطة ظل تنفيذها يزحف بطيئاً، وما حصل في نهايتها ان الهوّة بين الوسطين اليهودي والعربي زادت بدل ان تتقلص وصار البون شاسعاً بيننا وبين الوسط اليهودي. وذلك بسبب افتقار التعليم العربي الى "علاج عصب" يكون فيه التمييز للافضل هو الاساس، والى العمل على اعلان ثورة في تعليم اللغة العربية و زيادة حصصها كما سأشرح ذلك لاحقاً. وها هي الوزارة الحالية تعلن هذه الايام كما ذكرت وفي اعقاب نتائج امتحان البيزا (BIZA) الى اقامة لجنة لفحص الموضوع كما كانت تفعل الوزارات السابقة، وما هذه اللجنة الا "ابرة مُخدرّ" وسيحصل لها ما حصل لأخواتها وسنحتفل لاحقا في اقامة مأتم لها ودفنها في مقابر اللجان السابقة لأن العلاج الحقيقي كما سأشرح ذلك لاحقاً لا يحتاج الى لجنة بل الى انعطاف ثوري في معالجة تدريس اللغة العربية وادخال موضوع "فهم المقروء" في سلم اولوياتها وزيادة حصص اللغة العربية بحصتين على الاقل من اجل ذلك.

2.الامر الثاني: مقال كتبته قبل 3 سنوات اِثْرَ صدور نتائج امتحانات البيزا وامتحانات النجاعة والنماء في حينه وحصول الطلاب العرب على معدل يقل بـ 60 نقطة عنه في الوسط اليهودي وكذلك هو الامر في نتائج امتحان البيزا. وكان المقال تحت عنوان "هل نحن نسير الى الوراء بدل قُدماً، ام مكانك عُد". ان امتحان النجاعة والنماء يهدف عادةً الى فحص قدرات التلاميذ في مهارات فهم المقروء من حيث قراءة السطور وقراءة ما بين السطور وقراءة ما وراء السطور هذه المهارات التي بدورها تعكس قدرات التلاميذ في مواضيع العلوم والرياضيات ايضاً لأن فهم المقروء هو مفتاح للتحصيل في هذين الموضوعين ومواضيع التعلّم الاخرى. ومع ان المنهاج الذي وضعته الوزارة في هذا الموضوع لا غبارَ عليه الا ان معالجته كانت دائماً في مجال التطبيق من وخلال كتاب القراءة. يجب ان يكون لهذا الموضوع كتابُ خاصُ به على ان يتم تعليمه في حصتين على الاقل يتعلم فيهما الطالب النظريات والمهارات ومستويات الفهم. لكن الوزارة الغت منذ سنين الكتب التي كانت قائمة مثل سلسلة كتب "انا اقرأ انا افكر" للصفوف من الاول حتى السادس وكتب أخرى اكتفت بكتاب القراءة ليكون اداة فيها يتعلم الطالب كل ما يتعلق بنظريات الفهم حسب المنهج. وهذا الامر لا يحصل ابداً بسبب عدم تعلم النظريات والاسس والقواعد التي تحتاج الى كتاب خاص. وما كتاب القراءة وما يرد فيه من نشاطات وتمارين الا تطبيق فقط لنظريات لم يتعلمها الطالب بشكل منهجي. لقد حذرنا مراراً وتكرارأ وزارة المعارف وقسم التفتيش على اللغة العربية من هذا التجاهل الشنيع لضرورة وجود كتاب نظري ووجود حصص خاصة في الجدول الاسبوعي لموضوع فهم المقروء. على الوزارة ان تسعى الى عمل ثورة في تعليم اللغة العربية على ان تزيد حصتين اسبوعيتين لفهم المقروء وتعيين مرشدين خاصيين للموضوع واقامة دورات استكمال دائمةَ ومكثفة للمعلمين والمرشدين من اجل تعلم هذا الموضوع وتعليمه.

وعودة الى امتحان البيزا والنتائج المرعبة التي حصل عليها اولادنا فأن ما اقترحته اعلاه هو الدواء الشافي لمعالجة اسباب الفشل في هذه الامتحانات. فالطلاب الذين يتقدمون للامتحان تنقصهم الدراية الكافية بنظريات الفهم ومهاراته التي يجب اتقانها. ان قرار الوزارة بإقامة لجنة لفحص اسباب الفشل لا ضرورة لها فالاسباب واضحة ويكفي ان نبدأ بالعمل مع الصفوف بروح ما اوردته اعلاه لمعالجة الضعف عندهم. ما اقوله للوزارة: كفانا لجاناً وكفانا اعطاء "أبر تخدير" لكي ننسى ما نحن فيه. على الوزارة اذا كانت جادة حقاً في تحسين اوضاع التعليم ان تعطي موضوع اللغة العربية وموضوع فهم المقروء حقهما، عليها ان تزيد من ساعات تعليم اللغة العربية وان تعمل بروح الاقتراحات اعلاه. وبهذا نضمن لأولادنا مواجهة امتحان البيزا وامتحان النجاعة والنماء بسلاح قوي يؤدي الى نجاح اكبر. عليها ان تضع موضوع فهم المقروء كما ذكرت سابقاً في سلم اولوياتها. عسا ان يكون في ذلك الحل الشافي من اجل رفع مستويات التعليم ورفع قدرات اولادنا بحيث يكونون قادرين على مواجهة تحديات الامتحان وتحديات العصر يحققون الاهداف المطلوبة الكامنة من وراء اجراء الامتحان مقارناً بدول الـ (OECD) وبالوسط اليهودي.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب