news-details

  محمّد نفّاع الأمميّ العريق|  نمر نمر

حطّم القيود والحواجز النّفسانيّة، سبح ضدّ التّيّار كالأسماك الحيّة، شَقّ المحارات، الأصداف، القواقع، الأغلفة الصّناعيّة، من الأسرة، فالعائلة، القرية، الطائفة، القوميّة، الإقليميّة. جعل من الدّوائر الصّغيرة، الوسطى والكبرى دائرة واحدة فسيحة بمركز واحد مشترك ضمّ الجميع هو الأمميّة العالميّة /الكومنتيرن والإنترناشيونال بوتقة واحدة تجمع الشّمل والجزيئات وتحافظ على الخصوصيّات الصّغيرة كان أشبه بمهندس معماري عصري، يحافظ على الأنماط القديمة ويدمج معها التّقنيّات الحديثة، لتُكَوّن ألماسة مصقولة تدخل سوق البورصة بملامحها الخاصّة وتعدّد أشكالها وأبعادها من زوايا مختلفة.

-أتركُ أبا هشام: الكاتب الأديب القاصّ السياسي المناضل الثّائر الحزبي المحترف بالأصالة والعراقة المعهودة به، محاولاً سبر أغواره ودروجه/أدراجه الخاصّة، متحدّثًا عن الخصوصيّات واللزوميّات/مع الاعتذار من المعرّي ومحمد في عليائهما/ من خلال اللقاءات، الجلسات، المشاوير والنّشاطات والرّحلات في أحضان طبيعتنا الخلابة، وبمرافقة الكثيرين من الرّفاق، الأصدقاء والمعارف، من كافّة أطيافنا الشمسيّة والأمميّة. زامَل الإميلَيْن، التّوفيقَين، المُحمّدَيْن، فِلْنِر وتمار، دوف وعوفر و..... القائمة طويلة جدًّا والحمد للّه.

هذا التّواضع المُدهش، بيتًا، أسْرةً، ملبسًا، نهجًا، حديثًا، إلمامًا بعيد المدى في الاجتماعيّات، المناسبات والخصوصيّات. كُنّا مجموعة من الرّفاق، الأصدقاء، الزّملاء، الجيران، رفعنا الحواجز والألقاب والصّفات، لنحدّث بعضنا: نايف، محمد، غالب، يوسف، عبد الله، عصام، صالح، حسين، مفيد، حنّا، إلياس، كمال، باسم، لميس، نمر...دوف، تمار، عوفر، سلمان، جهاد، نكد.....، صيّاح، سهيل، عماد.....يقول محمّد: يا رفاق وأصدقاء/ات، شرط في الحقلة ولا قتال عالبيدر، خلّيها بساط أحمدي، ونْشُقّ العديلة من خُصْمْها، فيه بينّا خبز وْملح، إحْنا مسافرين عَ باب الله في مهمّة اجتماعيّة، إطفاء حرايق، بدون عْزوميّات وديباجات فاضي، بدون معازمة، تْفضّل بو فلان! لاْ بو فلان! اللّي لازم يحكي باسم الوفد هو اللي لابس لباس عربي ديني، احترامًا للدين والمَلْبَس! يحاول هذا المُكَلَّفُ الاعتذارَ من المُكَلِّف ذي الباع الطّويل، لكن دون جدوى!

 قابلنا المرحوميْن: ياسر عرفات، فيصل الحسيني والدكتور حيدر عبد الشّافي/ زميل كمال جنبلاط في الدّراسة وصديقه. ثمّ الرّئيس محمود عبّاس، ورئيس المجلس التشريعي الفلسطيني عزيز دويك، ومعظم القياديّين في السّلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، تبرّعنا بالدّم مرّتين، في غزّة والقدس العربيّة العاصمة، تضامنّا مع سكّان المناطق المُحتلّة: قطاع غزّة، الضّفّة الغربيّة والجولان السّوري، لقاءات الأهل والهم والألم والأمل، وفي تلّة الصّيحات/مقابل عين التّينة في الجولان ومناسباته الوطنيّة والقوميّة مع سوريا الأمّ والدّولة، إبّان الاجتياح الظلامي الاستعماري التخريبي، تحت سِتار الإسلام، وهذا منهم براء، منذ عام 2011 وما بعده.

وتعود بنا الذاكرة لشهر آب 2014 حين رحل شاعر العروبة سميح القاسم، نَدَبَتْهُ الجولانيّات الأصيلات بأصواتهنّ الشّجيّة:

اسْألوني، اسألوني الجليل مالو/ الحُزن اليوم مْخَيّم عا جبالو

بِرْبوع الجولان حَلّتْ/ فاجعة بْنُخْبِة رْجالو

حيفْ يا بْنِ الرّجالي/والسّما والصّيت العالي

إسْألوا الرّجال مالو/الحُزن مْخَيِّمْ  عا جْبالو

ونبقى مع الجولان الأشَمّ في مشهد مُؤثّر يوم رحيل أبي هشام، حيث ندب الأهل بألم عميق صادق:

راية السّودا الحزينة/ خَيَّمَتْ فوق المدينة

بو هشام انْ غاب جسمكْ/ ذِكْرَكْ دايماً عالبالي

رغم الهموم السياسيّة والأعباء والأثقال، تفرّغ أبو هشام لتسجيل بعض من سيرته الذّاتيّة، وهي حافلة بالثّمار والآثار والتّراث، بين مثل وشعر وطرفة ونادرة، ومما دوّنه نذكر ما به من تورية غزليّة لطيفة:

بْليبْلي  يا بليبلي هدَى عالرّمّان/ إنتي من عربنا والّلا من عرب النّبي سبلان.

نباتات وأشجار بلادنا لم تغرب عن باله أبدًا، فقد وثّقها لأجيالنا القادمة، خاصّة ما نَدَر منها وعلى سبيل المثال فقط:

القبريش، نوع من الزّعرور الأصفر، حجمه أكبر، وطعمه يُشبه طعم التّفاح البلدي.

الدّريهمة/ تصغير لِدرهم النّقود، وهو نوع من البقليّات الشتويّة، يُشبه الدّرهم.

الإجاص السّوري البرّي، القيقب السّوري، لسان العصفور السّوري، الحاحوم السّوري، الملع، عُرف الدّيك، الزّيزفون،شوك المسيح......

عرض عليه الحزب تخصيص سيارة نقل تكون تحت تصرّفه مجّانًا، رفض ذلك مُعلّلاً: أنا لا أودّ أن أكون عِبْئًا على حزبي الفقير، وحين نعرض عليه توصيلة من الرّامة، البقيعة، حرفيش، ميرون أو سعسع الى بيت جنّ، يرفض بإباء وشمم، حتّى لو كان الوقت متأخرًا منتصف الليل! مفضّلاً أن يسير والليلَ والظّلامَ الدّامسَ مداعبًا النّجوم وحيوانات البر وأصواتها وحفيفَ شجرها ونسائمها! حتى الهزيع الأخير من الليل، يَمجُّ من سيجارته العربيّة المعلاويّة المُصنّعة، مع سابق معرفته بخطر التّدخين، نَعَّم دروب: الزّابود، الخيط المصادر في نجمة الصّبح، عيون ومنابع ووديان الجليل، طفولة بائسة، ضيق ذات اليد، الشّغل بالأجرة، لم يفقد البوصلة ولا الأصالة، تفاءل حتى سُويعاته الأخيرة، خِفّة ظِلّ، قفشات، نوادر، لواذع، ما في عندو لحية مْمَشّطة، يبتدئ من نفسه ليعرّج على الجميع، تواضع حتى النّخاع، حين يهاتفني صباحًا، يقول مُداعبًا:

-كيف حال مشايخ حرفيش!

- بِسَلْموأ ع َ مشايخ بيت جن!

-بلا لماظة وَلَا ع َ الصُّبح، كيف الحاحومات؟

-بيسلّموا ع َ النّجاصات!

-في عنّا مشوار ضروري اليوم!

-انتي بِتْفَصّل واحنا مْنلبس!

-كيف الكندرجي؟

-بِسْأل خاطرك!

-من إيمتا صاير لميض!

-تْعلّمت منّك!

*هذا هو الأممي المثقّف، الذي جاب أغلبيّة مدارسنا من الشمال الى الجنوب ومن البحر الى النهر، متطوّعاً راجلاً، لِيرسّخ قيمَنا وتراثنا وآدابنا عند صغارنا وكبارنا.

 كتب أبو هشام هذه الفقرة عن أحدهم/مجلة الشّرق 2006: (هو كاتب مبدع، تجد في نتاجه من القصص والخواطر والصّور القلميّة، والمقالة بالعربيّة والعبريّة، الأصالة والنّكهة، الجليلية الجليلة، نكهة الأرض المعطاءة وعَرَق الفلاّحين، أريج الوعر، قصف الرّعد، وَمْض البرق، مهاداة الغيوم والسُّحب، نَدْفَ الثّلج، زَخّ المطر، زهور الشّبرق القندول والشّيح، عراقة الزّيتون والسّنديان، وكذلك العلاقات الاجتماعيّة الدّافئة والعذبة ببساطتها وعمقها وعفويّتها والتراث الغني الأصيل....)

دعنا أبا هشام نستميح العذر من أبي فراس، لنخاطبَكَ أنت وليس سيف الدولة

*أراكَ عَصِيَّ الدّمعِ شيمتُكَ الصّبرُ/أما للهوى نهيٌ عليكَ ولا أمرُ

*سيذكرني قومي إذا جدّ جدُّهم/ وفي الليلة الظّلماء يُفتقدُ البدرُ

ترك أبو هشام إرثًا حضاريًّا، ثقافيًّا، أدبيًّا، سياسيًّا واجتماعيًّا، ليكون منارة للضّالّين والمهتدين، حتى خصومه السّياسيّين لا يمكنهم تجاهل هذا الإرث الزّاخر.

نَمْ قريرَ العين يا محمّد، ومن يدري، لعلّك تُبْعث من جديد! كأنّك تمشي على رجلَيك، بعد أن غيّرت هذا القميص بقميص جديد، لتتعرّف على أُمّ هشام والأولاد والأحفاد والرّفاق/ات، لتخاطب كلّ فرد باسمه وَكُنيته، دون أن تنسى النّوادر اللاذعة التي كنت ترويها عن بلاد المسكوب والصّينَيْن: الجُوّانيّة والبرّانيّة. ثمّ تتساءل بصدق وإصرار: شو الَي صار بعدي يا جماعة الخير؟ أنا في حلم ولاّ في عِلم! ما طمّنتوني أبدًا!

لأسرتك البشريّة الأمميّة أصدق العزاء، ولكَ الرّحمة من لدن ربّ العالَمين!

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب