news-details

مقاربات بين التجربة الديمقراطية في تونس وإسرائيل | باسل ترجمان

 

(تونس – خاص بـ"الاتحاد")

منذ خمسينيات القرن الماضي كانت عبارة "اسرائيل واحة الديمقراطية في صحراء الديكتاتوريات العربية" العبارة الاكثر انتشارا في ما يسمى "العالم الحر الذي تقوده الولايات المتحدة حامية حلم الحرية، والمدافع الاول عن الانظمة الديمقراطية ضد محاولات الشيوعيين بزعامة الاتحاد السوفيتي اغتصاب حرية وديمقراطية هذه الدول وفرض انظمة مستبدة فيها"، حسب تعبيرهم.

اسرائيل واحة الديمقراطية التي تحيط بها قطعان الديكتاتوريات والانظمة قامعة الحرية ومنتهكة حقوق الانسان تستنجد بحماة الحرية لإنقاذ دولة شتات ضحايا النازية لمساعدتها في حماية الديمقراطية الصغيرة التي يعيش فيها مواطنوها بكل حرية.

الراوية التي تهاوت ليس فقط امام العالم بل في اسرائيل أيضاً، تطرح تساؤلا منهجيا هل حقا اسرائيل ديمقراطية، وهل يمكن ان تكون هناك ديمقراطية عنصرية، بالمقابل لم يصل عمر التجربة الديمقراطية في تونس العشر سنوات لكن المفارقة المهمة في التقييم تضع رؤيتين لفكرة واحدة في اطر مختلفة ليس امام اصحاب التجربتين بل امام العالم الحر الذي يعتبر الديمقراطية القيمة الأهم في تقدير تعاطيهم وعلاقاتهم مع الأخر بعيداً عن علاقات المصالح والمنافع مع الاخرين.

نجاح التجربة الديمقراطية في تونس رغم الصعوبات فتح الباب واسعاً أمام العقل في العالم الحر ليطرح تساؤلات عميقة حول مدى واقعية وصف إسرائيل بالدولة الديمقراطية، وبعيداً عن احتلالها للأراضي الفلسطينية والسورية ورفضها للسلام وسعيها لقضم اراض فلسطينية جديدة وتهديدها للأمن والسلم الدوليين عبر وضع كل اتفاقات السلام الموقعة مع دول الجوار وما بذل من جهود دولية على امتداد اكثر من نصف قرن لإنهاء حالة العداء واحلال السلام في المنطقة في مهب الريح، وبعيداً عن كل ذلك هل هنالك دولة تمارس العنصرية اليوم بالشكل الذي تمارسه إسرائيل  بحق مواطنيها  اليهود المقسمين عرقياً وحضاريا، وثانيا بحق غير اليهود من سكانها والذين تمارس ضدهم أشكال مختلفة من التمييز العنصري والعرقي.

سقوط أسطورة واحة الديمقراطية رافقها سقوط في المستوى الفكري للعقل الجمعي الاسرائيلي الذي وبحكم تفشي العنصرية انغلق اكثر فأكثر امام الأخر، وتحول النموذج السياسي لشكل يتعامل معه العالم ضمن سياسة الامر الواقع التي تميز الكثير من التقاطعات في العلاقات بين الدول، ومن ساهم بكشف هذا السقوط والتردي جملة من المعطيات أساسها الصمود العظيم للفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم الأم ولم يهاجروا بعد هزيمة 1948، والذين يمكن وصفهم بحماة الوطنية الفلسطينية لأن نجاح تهجيريهم كان سيثبت مقولة أرض بلا شعب والتي سقطت أمام هذا الصمود.

الاحتلال الاسرائيلي للأراضي العربية والفلسطينية أساساً ورفض إسرائيل للقبول بسلام "عادل" زاد من تعرية إسرائيل أمام العالم وما ارتكب جيشها من جرائم تحت مسميات "نظرية الأمن الاسرائيلية" التي لا يعرف من وضعها وطور ادائها، ولا من أين تبدأ وأين يمكن ان تقف تتجاوز امكانيات الذكر والتوصيف، حول إسرائيل إلى دولة مهووسة بالأمن وجيشها الباحث عن عدو مهما كان ساهم في خدم تلك الصورة المزيفة التي سوقتها إسرائيل لنفسها طوال عقود مرتكزة على لعب دور الضحية التي يكره ديمقراطيتها جيرانها المستبدون.

النجاح الديمقراطي في تونس ساهم بشكل كبير في تعرية عنصرية الديمقراطية في اسرائيل وخاصة أمام دول الاتحاد الاوروبي والتي تراقب تطور التجربة الديمقراطية التونسية ومقارنتها مع التجارب المماثلة في المنطقة وخاصة إسرائيل. هذه الاخيرة اهتزت صورة تجربتها جراء ممارساتها العدائية والعنصرية ورفضها الاعتراف بحق الفلسطينيين في الحرية، لأن الديمقراطيات الحقيقية لا يمكن أن تكون مبنية على فكر عنصري ينكر المبادئ الاساسية لحقوق الانسان.

رغم صعوبة الظروف في السنوات العشر الاخيرة جراء هجمة قادتها قوى متطرفة هدفها تقسيم المنطقة عرقياً وطائفياً واعادة شعوبها لعصور غابرة تحت مستخرجات مزيفة من نصوص دينية اخرجت من سياقها الزمني والديني واعادة تقسيم المجتمعات بين مؤمنين وكفار، فإن الهزيمة الاكبر التي لحقت بمشروعهم جاءت من القوى الديمقراطية التي تصدت لمشاريعهم والمكتسبات الحضارية التي تحققت لتونس منذ استقلالها سنة 1956 واهمها حرية المرأة والتعليم مما ساهم بشكل كبير في هزم فكر الردة وثبات التجربة الديمقراطية وتحويل تونس لأول ديمقراطية حقيقة في المنطقة بعيدا عن زيف الديمقراطية الاسرائيلية العنصرية.  

 

في الصورة:

القوى الديمقراطية التونسية صدّت هجمة القوى المتطرفة لتقسيم المنطقة عرقياً وطائفياً واعادة شعوبها لعصور غابرة تحت مستخرجات مزيفة من نصوص دينية اخرجت من سياقها الزمني والديني

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب