news
مقالات

واجبنا مواجهة سياسة نتنياهو، وليس التطبيع معها!| عايدة توما-سليمان

بيان النائب منصور عباس مع رئيس الكنيست لفين، شرح وبرّر لهذا الأخير تصرفه غير الديمقراطي والوقح، وقدّم له شبكة إنقاذ لتبييض صفحته، من خلال تحييد النقاش السياسي الضروري ضد خطوته التعسفية، وتحويله الى أمر إجرائي.

 

المشهد الفاضح الذي تشكّل أمامنا في قاعة الكنيست، أمس الأول الأربعاء، 21 تشرين الأول، كان دليلاً صارخًا على كل ما حاولنا شرحه والإشارة له في الأشهر الأخيرة، بل في السنوات الأخيرة، من أن بنيامين نتنياهو يحكم قبضته على مقاليد الحكم في إسرائيل ويسعى بدون كلل إلى إرساء نظام حكم دكتاتوري، فيه الدولة هي الزعيم والزعيم هو الدولة، وكل ما بين هذا وذاك من منظومات قضائية وإعلامية وأجهزة يجب أن تجيَّر لصالح خدمته هو شخصيًا وخدمة استمرار حكمه.

إن ما جرى في الكنيست من إعادة التصويت على إقامة لجنة تحقيق في "صفقة شراء الغواصات" لم يكن مفاجأة، لكل من يعلم كيف تدار الأمور في الكنيست في الدورة الحالية، وحالة الشلل وإفراغ الهيئة التشريعية من دورها التي تأخذ كل يوم شكلاً جديدًا. لكن فظاظة تصرف رئيس الكنيست، يريف لفين، والطريقة التي لم يتوانَ فيها عن دوس مجمل المسار هو الذي جعل من الحدث فاضحًا لهذه الدرجة. والمفاجئ في الأمر هو أن تجد نفسها القائمة المشتركة، والتي امتنعت عن التصويت أصلاً، في مركز الحدث وبل في موقع التساؤل بسبب تصرف الزميل النائب منصور عباس في إدارة الجلسة وفي ما بعدها، وعليه وجب توضيح ما يلي:

1. إن البيان الذي أصدره النائب منصور عباس مع رئيس الكنيست، يريف لفين، شارحًا ومبررًا التصرف غير الديمقراطي والوقح لرئيس الكنيست، والاستعداد عمليًا لتحمّل المسؤولية عما جرى بواسطة الاعتراف بأنه، منصور عباس، هو من إساء إدارة الأمور بعد أن كان قد أكد أنه لم يكن هناك مطلب بالتصويت العلني، هو بيان يقدم للعنصري يريف شبكة إنقاذ لتبييض صفحته وتحييد النقاش السياسي الضروري والشرعي ضد خطوته التعسفية.

 

2. البيان وما تلاه من تصريحات حول "ثقة منصور عباس بيريف لفين والتعاون في العمل"، في الوقت الذي لم تشهد الكنيست رئيسًا لها بمستوى عنصرية ودكتاتورية لفين، كلها مثيرة للاستغراب والأهم أنها توضح الخلل الحاصل في فهم الدور المنوط بمن يمثّل القائمة المشتركة في منصب نائب رئيس الكنيست، حيث يجب أن تكون المهمة الرئيسية تمثيل النهج والخط السياسي للقائمة ومحاولة التأثير باتجاهه في عملية إدارة أعمال الكنيست، وليس تمثيل رئاسة الكنيست بما تحمله من عفنٍ وعنصريةٍ أمام الجمهور، مقابل تعزيز العلاقات الشخصية مع ممثلي الائتلاف على أمل تحصيل بعض الإنجازات الشخصية أو الفئوية الحزبية لا أكثر.

3. في معرض مقابلات أجراها الزميل منصور عباس ادّعى أن مواجهة نتنياهو وحكومته وفضح عنصريتهم من على منصة الكنيست والكشف عن وجههم الحقيقي، هي شعبوية لا يتبعها هو وأن أسلوبه مختلف، مما يجعلنا نتساءل حول ما هو المطلوب منا في وقوفنا كبرلمانيين على منصة الكنيست، نمثل أقليةً مقموعة يتم التمييز ضدها وتمارَس ضدها مخططات تحارب وجودها وصمودها، وفي ظل واحدة من أخطر الحكومات التي مرت على هذه البلاد.

هل "قول كلمة حق في وجه سلطان جائر" أصبحت شعبوية؟ وهل الفتات الذي من الممكن تحصيله أصبح أهم من فضح المخططات ومواجهتها؟!

مقولة النائب عباس تتضمن اختلالاً واضحًا في التوازن الذي يجب أن يحكمنا في عملنا: بين العمل السياسي الساعي إلى قلب موازين القوة في البلاد وإلى فضح سياسات التمييز وشحن جماهيرنا بالطاقة والوعي السياسي الّذين من شأنهما إبقاء جذوة النضال مشتعلة، وبين السعي لتحصيل الحقوق اليومية والمدنية لجماهيرنا وناخبينا والمواطنين عامة. وأي اختلال في التوازن يأتي فيه اليومي والمدني على حساب السياسي والوطني لا بد أن ينبع من مصدرين اثنين تحديدًا: الأول عدم وعي وفهم أن اليومي والمدني هو تحصيل حاصل للمخططات والسياسات العامة التي يقرّها فكر سياسي يتحكم بمقاليد الحكم، وأن التغاضي عن فضح السياسات لن يغيّر المعادلة جوهريا بل يكرّسها.

أما المصدر الثاني لهذا النهج فهو الخضوع والتسليم بالواقع السياسي المهيمن، وفي هذه الحالة حكومة اليمين المتطرف بقيادة نتنياهو، ويشكل تماهيًا واضحًا ومتعاونًا مع هذه الحكومة ونهجها مقابل الفتات، وهنا علينا الانتباه لتصريحات النائب منصور سابقًا والتي من شأنها أن توضّح العديد من التصرفات، بأنه "على استعداد للتعاون مع أي حكومة مستعدة للتجاوب مع مطالبنا".

هذه المقولة بشكلها المجرّد وبدون ربطها في السياق العام الإسرائيلي وطبيعة وطابع الحكومة الوحيدة الموجودة والمطروحة أمام الجمهور، تسطّح مهام المرحلة المقبلة والتي نرى جميعًا أنها مرحلة سياسية خطيرة، وهذا في الوقت الذي تتصاعد فيه أجواء التحريض ضد القائمة المشتركة وضد جماهيرنا العربية الفلسطينية؛ وفي الوقت الذي يعاني فيه نتنياهو من انخفاضٍ حاد في شعبيته ومواجهته حركة احتجاج غير مسبوقة للإطاحة به؛ وفي الوقت الذي تتساقط الأنظمة العربية الرجعية في هرولتها للتطبيع مع نتنياهو وسياسته الاستيطانية الكولونيالية – وأمام هذا كله لا يمكن أن يكون الرد بالتطبيع أيضًا من طرفنا مع هذه السياسة والبحث عن مصالح ضيقة لشرعنة هذا التطبيع.

4. نحن نقول ما نقوله ليس فقط لأن الأمور تقع في باب التحليل السياسي والاختلاف في وجهات النظر وإنما لأنها بدأت تظهر وتطفو في التصرف والفعل السياسي. فالمشهد الذي تمثَّل في اقتراح نزع الثقة عن الحكومة يوم الاثنين باسم القائمة المشتركة أضاء أكثر من إشارة تنبيه يجب عدم تجاهلها.. فعندما يتم استعراض أهم أربع قضايا تواجه الجماهير العربية في البلاد: العنف والجريمة، المسكن، القرى غير المعترف بها، الخطة الاقتصادية 922، يجب أن يتم استعراض نتائج سياسة عنصرية يمينية يقودها نتنياهو عن وعي وسابق إصرار، ويكون الأمر بفضح السياسة وليس بالتوجه وكأن هناك خللاً إداريًا لا علم للمسكين نتنياهو به، ونريد منه فقط أن يتفضّل ويتدخل ليصلح ما أفسده أداء الموظفين! لا، إن القضايا الحارقة جدًا في مجتمعنا هي نتاج سياسة رسمية لن تتغير سوى بالمواجهة والنضال، ونتنياهو يجب أن يُحاسَب على سياسته الإجرامية وليس أن يتحول هو إلى الملاذ لحل القضية.

من الواضح أن مرحلة الشعور بالقوة تحت شعار الوحدة لم تعد كافية في هذه المرحلة الحساسة، والأمر يتطلب خوض نقاش جدي داخلنا حول مهام المرحلة المقبلة والصورة الأمثل ليس فقط للمحافظة على وحدة القائمة المشتركة، وإنما لسكب مضمون سياسي واضح في هذا الإطار الجماعي الانتخابي، الذي أردنا وما زلنا نريد أن يتجاوز البعد الانتخابي والقوة التمثيلية وصولاً إلى تطوير أداء سياسي وبرلماني يرفع من مكانتنا ومن حقوقنا.

كما يبدو، فإن البعض داخل القائمة المشتركة لم يع بعد أن الحديث عن التأثير وتحصيل الحقوق لجماهيرنا كان مرتبطًا بالأمل في تغيير سياسي عام في الدولة لم يحصل بعد، وأن القضية الوطنية الفلسطينية لا يمكن أن تغيب عن رأس جدول أعمالنا من باب تغليب المدني بزعم أنه "نزولاً عند رغبة الجمهور"، مع أن الحقيقة هي أن جماهيرنا وطنية وملتزمة بحق شعبها. هذا النوع من التأثير لا يمكن له أن يحصل بشروط كهذه، لأنه أولاً لن يحقق إلا إنجازات موهومة ولأنه سيحيّدنا في المعركة الوطنية في أحلك مراحلها.

نعم، إن المشهد يوم الأربعاء في الكنيست أثار نقاشًا صاخبًا حول مفاهيم الديمقراطية البرلمانية الإسرائيلية عمومًا، ولكنه أيضا بما تلاه يجب أن يثير نقاشًا عقلانيًا صريحًا وشجاعًا حول مستقبلنا، نهجنا في القائمة المشتركة وكيف بإمكاننا أن نصون وحدتنا كي لا نقع في فخ الشرذمة مجددًا.

 

حقوقنا ننتزعها بالنضالات وليس بالمهادنات والمداهنات

 

حقوقنا ننتزعها بالنضالات وليس بالمهادنات والمداهنات.

 

الصورة من المظاهرة لمناهضة العنف والجريمة|

تشرين الأول 2019، مجد الكروم

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب