news
مقالات

"لا تجزي نفسٌ عن نفسٍ شيئًا..." | إبراهيم طه

حين نشرت مقالي عن السيميائية الماركسية الثقافية في رواية هشام نفاع "لوزها المرّ" قبل أشهر اتّصل بي العمّ والصديق الذي أحبّه أبو إبراهيم، توفيق كناعنة، وسألني عن معنى السيميائية. حاولت الإجابة والتوضيح بقدر ما تسمح به محادثة هاتفية مستعجلة. شرّقت وغرّبت ومثّلت ولففت ودرت وقلت بالتالي هي علم المعاني والدلالات. فقال أبو إبراهيم: "ولماذا لا تقول من البداية المعاني والدلالات!!!" وفهمت من نبر جوابه أنه يلومني على هذه الفذلكة والفصاحة الزائدة... أمس اتّصل بي ليسألني عن الفرق في المعنى بين الآيتين 48 و 123 من سورة البقرة. فقلت في نفسي هي فرصة للإجابة عن ذاك السؤال، ومناسبة جيّدة لتقديم تعريف عملي أولي وسريع ومبسّط لمصطلح "سيمياء" بدون تعقيدات نحن في غنى عنها. وهكذا أضرب عصفورين بحجر واحد. والآيتان موضع السؤال هما:

وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (سورة البقرة: 48).

وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (سورة البقرة: 123).

الحديث في الآيتين على العموم عن يوم القيامة الذي لا يجزي فيه أحدٌ عن أحد، ولا يصلح للمحاسبة يومَ الحساب إلا ما قدّمه الإنسان من عمل في حياته الأولى في الدنيا. لا تُقبل من أحد لا شفاعة ولا فدية يفتدي بها نفسه... هذا هو المعنى غير المحتكم إلى ضوابط القراءة السيميائية. لكنّ السيميائية ستُظهر أنّ هذا المعنى تقريبي عامّ. ولأنه يتغافل عن التفاصيل ودقائق الأمور فهو غير دقيق. وفيه فراغات كثيرة تفتح المجال للتساؤلات التي تعبّر بصدق عن حيرة وارتباك في الفهم، وقد تفتح مجالا أيضًا لسوء الظنّ والاعتقاد بأنّ الكلام مكرور لا طائل من تكراره. دون أن يعني هذا الكلام أنّ التكرار في ذاته منقصة أو عيب. ولو أغفلنا التوجّه السيميائي في مقاربة الشبه بين الآيتين لظنّ بعضنا أنّ الآيتين تحملان المعاني نفسها بالضبط، رغم الاختلاف الكبير بينهما في الصياغة والسياق... والآن، ما هي السيميائية وكيف تقدّم معنى منضبطًا يراعي بدقّة كلّ الفروقات بين الآيتين؟ كيف نُفيد من السيمياء حتى نضبط المعاني وفقًا للاختلافات النصّية بين الآيتين؟ عدت إلى بعض التفاسير، وعلى رأسها تفسير الشعراوي، وأفدت منها في بعض المعلومات هنا وهناك. غير أنّ التوجّه السيميائي يضيف المزيد من الكشف ويرتّب النقاش بعلمية ويضبطه بأدوات إجرائية.

السيمياء:

هو علم يربط الوظائف بالأشكال والبنى. يربط المعاني بطرائق الكلام والأشكال والأساليب. معنى ذلك أنّ العلّة لا تنفصل عن معلولها والتعبير الكلامي غير مفصول عن معناه ودلالته. وإذا غيّرت في التعبير، في شكله أو عدد مفرداته أو ترتيب مفرداته أو زدت أو أنقصت، غيّرت في المعنى بالضرورة حتى لو كان الحديث عن تغيير "بسيط" في الشكل. وهكذا لا تستطيع أن تتحدّث عن معاني أيّ نصّ دون توثيقها نصيًا وربطها بالتفاصيل النصّية المختلفة وتسويغ هذا الربط. تحتاج السيميائية إذًا إلى معايير وضوابط أو منظومة من الأدوات المتنوّعة حتى تتحوّل من علم نظري إلى منهج إجرائي. وهي لذلك تشمل كلّ السياقات، الداخلية النصّية والخارجية الظرفية، وأركان الخطاب، هوية المخاطِب والمخاطَب، وما إليها...

والسياقات على نوعين: خارجية وداخلية. أما السياق الخارجي العام للآيتين فهو خطاب بني إسرائيل. وما هو السياق الذي قد يحدث فيه نوعٌ من "تكرار" الخطاب على النحو الذي نجده في هاتين الآيتين؟ على العموم، حين تعيد الكلام بأساليب مختلفة للمخاطَب نفسه، وتحذّره أكثر من مرّة بصيغ متعدّدة فمعنى ذلك أنّ المخاطَب ينكر الكلام أو يتنكّر له ولا يبالي. والاحتمال الثاني أنّ المخاطِب، لكثرة التجارب وتراكمها، لا يثق بقدرة المخاطَب على الفهم أو برغبته في الفهم والتطبيق. وإذا صحّ هذان الاحتمالان فيمكننا أن نفهم الحاجة إلى هذه الإعادة أو هذا "التكرار" العام بغضّ النظر عن التفاصيل الآن. إذًا هناك سبب منطقي لوجود آيتين متشابهتين في السورة نفسها يقرّه السياق. والحاجة إلى آيتين متشابهتين مختلفتين في نفس السورة مردودة إلى وجود سياقين مختلفين متشابهين. في الأول يحاول أحدهم أن يُقحم نفسه في مجرى الحساب لصالح غيره، وحين تفشل هذه المحاولة يقرّر المحاسَب أن ينجي نفسه بنفسه فيعيد الكرّة.   

ولماذا هذه التغييرات في صياغة كلّ من الآيتين؟ هذا السؤال يُحيلنا إلى السياق الداخلي لكلّ منهما. الاختلاف في بعض التفاصيل بين الآيتين يحصل بفضل بعض الآليّات: إعادة الترتيب، التقديم والتأخير، الإضافة والحذف والاستبدال، والتدريج والتصعيد.  في الآية الأولى (48) "وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ". الشفاعة أولا ثمّ العدل ثانيًا. وفي الآية الثانية (123) "وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ". العدل أولا ثمّ الشفاعة ثانيًا.  الترتيب عكسي وهو قائم على مبدأ التقديم والتأخير. في الآية الأولى (48) تثبّت لفظة "يؤخذ". أما في الآية الثانية (123) فقد حذفت منها واستبدلت بلفظة جديدة "تنفعها".  هذه هي التغييرات الوحيدة التي حصلت في الآيتين.  هذه هي التغييرات في السياق اللغوي الداخلي للآيتين. السؤال: كيف تساعدني هذه التغييرات بآليّاتها التي تقدّمت على فهم الفرق الدقيق والجوهري في المعاني بينهما؟  والسؤال ينعكس، كيف يساعدني الفرق في المعاني على تسويغ الفرق في الصياغات المختلفة بين الآيتين؟

قلنا إنّ الحديث في الآيتين عن استقلال الحساب يوم القيامة، فلا تستطيع أيّ نفس أن تُجزي عن الأخرى أو تحمل عنها شيئًا لا بالشفاعة ولا بالعدل (أي الفداء المماثل). وينبغي التأكيد على أنّ الشفاعة بالكلام والفداء بالفعل. الافتراض في الآية الأولى أنّ هناك إنسانًا فاضلا أو صالحًا يحاول أن يساعد صديقه عند الحساب. فيبدأ أولا بما هو متّبع في مثل هذه الحالات في الدنيا وهو الشفاعة بالكلام، فيقول له ربّه "لا تُقبل شفاعتك". فيحاول ثانية، وهذه المرّة يحاول التدخّل في الحساب بما هو عملي فعلي فيقترح أن يفتدي صديقه بفداء يعدل آثامه. وهذه محاولة مبنية على منطق التدريج والتصعيد. فيقول له ربّه هذه المرّة "لا نأخذ منك أيّ فدية". وهكذا تفشل محاولة الصديق في الشفاعة والافتداء.

أما في الآية الثانية (123) فمن يحاول التدخّل في مجرى الحساب هو المجزيّ عنه، هو المحاسَب نفسه. ولذلك تغيّرت الصياغة واختلف السياق اللغوي لاختلاف منطق الخطاب. إذا كان الله تعالى يخاطب في الآية الأولى كلّ من يحاول أن يساعد غيره عند الحساب فإنه في الآية الثانية يخاطب كلّ من يخضع للحساب ويحاول أن يفتدي نفسه بالفعل ثم بالشفاعة. إذا كان المحاسَب هو المخاطَب في الآية الثانية فمن المنطق السليم، وهذا هو المتّبع في دنيانا، أن يبدأ بأقصى وأغلى ما يملك حتى يخلّص نفسه من الحساب.  وهكذا كان لا بدّ أن تبدأ الآية بالفداء (العدل). وحين لا يُقبل منه فيلجأ إلى الرجاء: "ربّنا اشفع لي من أجل عبدك الصالح فلان!!!" وهذا آخر ما يبقى أمامه كمحاولة أخيرة كي يخلّص نفسه. أما قوله تعالى "وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ" في الآية الثانية (في مقابل قوله "وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ" في الآية الأولى) فهو مردود إلى الاختلاف في أركان الخطاب بين الآيتين على نحو ما ذكرنا. في الآية الأولى الخطاب للصديق "المحايد" وفيه تأكيد قاطع على أنّ محاولات الشفاعة لن تُقبل. أما في الآية الثانية فالخطاب لصاحب الشأن، للمحاسَب نفسه. ومن هنا كانت الصياغة تحمل تحذيرًا قبليًا لا تحاول فلن تنفعك المحاولة. وبما أنه هو صاحب الشأن فتلائمه لفظة "النفع" أكثر من لفظة "القبول". هو هو من ينتفع أو قد ينتفع بالشفاعة المحتملة والمرتقبة، أما صديقه فلا ينتفع بنفسه من محاولات الشفاعة... كنت أقول إنّ الفرق في المعنى بين الآيتين هو مثل الفرق بين "اللي إيده في المي" و" اللي إيده في النار". وهذا فرق هائل يحتاج إلى فرق يلائمه في الصياغة. ومن هنا اختلفت الآيتان في السياق اللغوي الداخلي. من يحاول مساعدة صديقه عند الحساب في الآية الأولى "إيده في المي". ومن يحاول المساعدة في الآية الثانية هو نفسه المحاسَب "وإيده في النار". وحين تفشل محاولات الآخرين لنصرتنا ومساعدتنا لا نجد بدًّا من تجنيد أقصى ما نملك للتهرّب من الحساب والعقاب. وهكذا ظهرت الآية (48) بصياغتها الخاصة أولا وقبلا. وكان ينبغي أن تظهر أولا. والآية (123) بصيغتها المختلفة يجب أن تظهر متأخّرة قليلا.  

في هذه المقالة السريعة قمت بما يلي: (1) تحديد الاختلافات في الصياغات والسياقات بين الآيتين، (2) تحديد الأدوات والآليّات التي بفضلها تحقّقت هذه الاختلافات، (3) ربط الاختلافات وأدواتها بالمعاني المختلفة في الآيتين، (4) وفي المحصلة الأخيرة، انتفى التكرار بمفهومه الضيّق والساذج.

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب