لغاية منتصف القرن العشرين كان التدين سموحًا يسيرًا معتدلًا في العالم العربي، وكانت دول الإقليم إضافة إلى الدول العربية تجتهد لبناء مؤسسات الدولة الحديثة وفق أسس ومعايير مدنية. وشهدت تلك المرحلة انتشار التعليم بصورة نسبية، وقيام الدول العربية إرسال البعثات التعليمية إلى أوروبا. تم تأسيس الجمعيات السياسية والثقافية والعلمية والأدبية في عدد من العواصم والمدن العربية، وتوسعت حركة الطباعة والصحف والنشر. انتشرت المساجد والأندية والأحزاب السياسية، فكانت الدعوة للدين تتم عبر الموعظة الحسنة من قبل الأسرة والمجتمع، والمساجد أماكن للعبادة والعلم والتعليم، ورجال الدين كانوا يسهمون في النشاط والحراك الثقافي والسياسي. لقد كانت المنطقة العربية في ذاك الوقت تشبه بقية العالم.

في الربع الأخير من القرن العشرين ظهرت جماعات وحركات الإسلام السياسي التي رفضت ما أسمته "التغريب"، وعبّرت عن رغبتها في العودة إلى أمجاد الماضي. بعد وصول البرجوازية العسكرية إلى سدة الحكم في معظم الدول العربية وتحولها إلى أنظمة استبداد وقهر للشعوب، توسعت الحركات الإسلامية وقدمت نفسها كبديل بشعارات ملتبسة. ومع قرب انتهاء القرن العشرين أصبحت هذه القوى الإسلامية تمتلك امتدادًا ونفوذًا فيما اصطلح على تسميته "الصحوة الإسلامية" حتى أصبحت الأقوى تنظيميًا بعد فشل المشروعين القومي واليساري.

 

فشل المشروع السياسي الإسلامي

لكن المشروع الإسلامي السياسي فشل أيضًا كبديل لأنه أخفق في إحداث مقاربات مختلفة للتراث، وفشل في قراءة الراهن العربي، ولأنه مشروع يتبنى الفكر الإقصائي ولا يقبل التعدد والمشاركة، فشعاره الشهير إما أن تكون معي أو إنك ضدي، وهذه أصبحت قاعدة فلسفة فكر الإسلام السياسي خاصة لدى الجماعات المتشددة.

 

أثبتت التجربة التاريخية في معظم الدول العربية أن قوى الإسلام السياسي تعاني من محدودية شعاراتهم، فهم لا يمتلكون سوى شعار وحيد يتلخص بأن الإسلام هو الحل، دون أن تتمكن هذه الجماعات من تقديم وشرح رؤية واضحة في أدبياتهم حول كيفية إخراج الأمة العربية من هذا الانسداد السياسي والفشل الاقتصادي والتمزق الاجتماعي والإخفاق العلمي الحضاري، التي كان نتيجة عقود من التسلط والاستبداد والتخبط والعشوائية والفساد الإداري والمالي في معظم الدول العربية.
لقد عجز الإسلام السياسي عن تطوير مشروع سياسي يخاطب عقول الناس، ولا يتوجه نحو غرائزهم وعواطفهم الدينية، ويكون موجهًا لجميع المواطنين وليس فقط لمناصريهم، خطاب يتبنى مشاريع تنموية لتطوير كافة قطاعات المجتمع والدولة وليس خطابًا للتعبئة والدعاية، خطاب وشعارات تدعو إلى التسامح والمحبة والتعايش بين الأعراق والأديان والمذاهب والطوائف، ولا يدعو إلى الكراهية والإقصاء والتناحر والصراعات الإثنية.

 

المفارقة المرعبة أن جميع هؤلاء الإسلاميين المتشددين قد عانوا الويلات والأمرين من استبداد بعض الأنظمة العربية، حيث جرى اقصاؤهم وتهميشهم وعدم السماح لهم بالمشاركة السياسية ولا العمل العلني، وقامت هذه الأنظمة بزج هؤلاء الإسلاميين في السجون والمعتقلات لسنوات عديدة، وحين انتقل البعض منهم إلى دول غربية ديمقراطية وفرت لهم القوانين في مكانهم الجديد بعض الحرية ليقولوا ما يشاؤون، أصبحوا يمارسون الإقصاء والقمع الفكري الذي كانوا يعانون منه

لم تهتم جماعات الإسلام السياسي لا بمحاربة فساد الأنظمة ولا عملت على تكريس مفهوم المواطنة وحقوق الإنسان وبناء الدولة المدنية التي يتساوى فيها جميع المواطنين بالواجبات والحقوق. كل ما فعلته هذه الجماعات هي محاولتهم تغيير أنماط المجتمعات العربية والتركيز على الهوية، وأهملوا كافة القطاعات الأخرى، فوجدوا أنفسهم يعومون في بركة مغلقة أدت إلى تداعيات أمنية خطيرة وانهيارات اقتصادية، كان المواطن العربي هو أول ضحاياها.

من أبرز الأسباب التي تقف خلف الفشل السياسي لهذه الجماعات يظهر غياب الخبرة في العمل السياسي وإدارة شؤون المجتمع، فلا تكفي الشعارات وحدها لإدارة الدول. ثم بروز حالة الغرور والاستعلاء والعنجهية التي طبعت تفكير ورؤية وسلوك ومواقف قادة هذه الجماعات ومعظم كوادرها، والاستخفاف بالآخرين واستصغارهم، حيث اعتقدوا بغباء أنهم يمتلكون الحقائق المطلقة وحدهم. أيضًا من الأسباب هو نكث هؤلاء لعهودهم وشعاراتهم التي قطعوها على أنفسهم ووعدوا بها الجماهير.

ولكل من يشير إلى التجربة التركية الناجحة أقول إن تركيا دولة علمانية مدنية بدستورها وقوانينها ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية، وإن حكمها حزب سياسي ذو توجه إسلامي. علينا أن نعلم أن من أهم أسباب نجاح النموذج التركي هو إدراكهم المبكر أن إدارة الدولة شأن دنيوي تركه الله للعقل والتدبير البشري يديره بحسب الأزمنة والأمكنة. لكن ما يحث عليه الدين في شؤون الحكم هو إقامة العدل والشورى، وهي وإن كانت أمرًا ثابتًا إلا أنها تتغير من عصر لآخر.

 

تحولات دينية خطيرة

هذا الفشل والسقوط للإسلام السياسي في الواقع الحقيقي الراهن عربيًا، جعلها تلجأ إلى الإنترنت، حيث قامت جميع المنظمات وجماعات الإسلام المتشدد بتوظيف العالم الافتراضي بصورة واسعة ومعقدة، إن كان لغايات دعائية وتعبوية وتواصلية، أو لأهداف تنظيمية تشمل تحريك وإعادة هيكلة المجموعات كافة بسرعة قياسية. ثم تم تطوير هذه التكنولوجيا لتتحول إلى تقنيات قتالية تضمن سرعة وفاعلية التمويل اللوجستي لهذه المنظمات. أيضًا تعتبر هذه المنصات في العالم الافتراضي خزانًا لرفد المجموعات المتطرفة بنهر لا ينضب من المقاتلين الجدد على امتداد الجغرافية الكونية، ويمكن اعتبارها كذلك أعشاشا وأوكارا لتبييض الأعضاء والمنتسبين الجدد وللمتعاطفين مع هذه الأفكار المتشددة والذين لا يرغبون في الانتساب الحزبي أو في مشاركة قتالية حقيقية. هذا التوظيف لمنجزات الثورة الرقمية في الغرب من قبل مجموعات سياسية ودينية متطرفة يضعنا أمام سؤال وتحدّ كبير وهام حول حقيقة وطبيعة ونوعية وشكل التحولات والتغيرات التي تحدث في الدين الإسلامي وفي علاقة الدين بالمؤمنين.

أعتقد أن منابع ومرجعيات الدين الإسلامي كنصوص وممارسات، أخذت تتحول من العالم الواقعي إلى العالم الافتراضي، لذلك نستطيع القول إنه أصبح لدينا ليس فقط إسلام النصوص أو إسلام التاريخ، بل صار لدينا أيضًا إسلام افتراضي يديره ويشرف على خطابه إسلاميون متشددون متطرفون لا يقبلون بأي نقد ولا أية ملاحظة ولا يرتضون وجود أي فكر مخالف. لذلك فقد أضحى الدين الوسطي المعتدل بكافة مقدساته وعباداته مقيدًا بأيديولوجية عصبية حزبية متزمتة ينشرها رجال دين يتسلحون بفكر متصلب لا يقبل المرونة ولا السيولة ويرفض الحوار مع الآخر، قاموا بتحويل منصات التواصل الاجتماعي وبقية التطبيقات الذكية إلى ميدان قتال لخوض صراعات وحروب، بل وصل الأمر حد قيام هذه المجموعات المتطرفة في إحداث مقابر افتراضية للمجاهدين المسلمين الذين قضوا في المعارك القتالية.

المفارقة المرعبة هنا أن جميع هؤلاء الإسلاميين المتشددين قد عانوا الويلات والأمرين من استبداد بعض الأنظمة العربية، حيث جرى اقصاؤهم وتهميشهم وعدم السماح لهم بالمشاركة السياسية ولا العمل العلني، وقامت هذه الأنظمة بزج هؤلاء الإسلاميين في السجون والمعتقلات لسنوات عديدة، وحين انتقل البعض منهم إلى دول غربية ديمقراطية وفرت لهم القوانين في مكانهم الجديد بعض الحرية ليقولوا ما يشاؤون، أصبحوا يمارسون الإقصاء والقمع الفكري الذي كانوا يعانون منه، وهذا دليل دامغ وبيان جازم وبرهان حاسم وحجة قاطعة على النفاق الفكري والاجتماعي والثقافي الذي تمارسه هذه الفئات والجماعات والفرق، في استخدامها الدين والتدين والشعارات الإسلامية لتحقيق مآرب سياسية ومنفعية لا علاقة لها بالإسلام والعبادات.

 

الدانمرك نموذجًا

كان الدفاع عن المسلمين ومصالحهم في الدانمرك مبرر تشكلها وتأسيسها، أصبح تكفير غالبية المسلمين هو معتقدها، وصار خطاب التطرف ما يميزها، ورفض وإقصاء كل من يختلف معها وسيلتها للاستمرار. إنها جماعات ومنظمات وأحزاب الإسلام السياسي المتطرف الذين باتوا يشكلون ظاهرة خطيرة تتفاقم وتستخدم خطاب الغلو والتشدد.

 "تعاونوا على البر والتقوى" و"أنت تسأل ونحن نستفيد" هذه العناوين ليست لكتب أو لبرامج تلفزيونية، بل هما اسمان لمجموعتين في برنامج التواصل والمحادثة الشهير "واتساب". المجموعتين تضمان رجال دين وأئمة متشددين وأعضاء متطرفين سلفيين معظمهم يقطنون في الدانمرك وبهما منتسبون من السويد وألمانيا واسبانيا وإيطاليا وبريطانيا والمغرب ومصر وموريتانيا ولبنان وسورية والسعودية واليمن، ويدير هاتين المجموعتين ويشرف عليمها بصورة رئيسية المتطرف الإسلامي السوري المقيم في الدانمرك المقاتل السابق في صفوف حركة الإخوان المسلمين قبل أن ينفصل عنهم ويعمل "لحسابه الخاص" "م. ا" المكنى الشيخ أبو بشار، وكذلك الشيخ المغربي "م. خ" الداعية المؤسس.

لقد تمكنت هذه المنظمات والجماعات الإسلامية المتشددة من دس أفكارها في العديد من المجتمعات العربية والغربية، واستطاعت التأثير على شريحة واسعة من الشباب في الدانمرك. فقد أسهم العالم الافتراضي ومنصات التواصل الاجتماعي في إجراء مقاربات افتراضية وتبادلها عبر شبكة الانترنت، وهو من أفضل الأسلحة التي تلجأ لها المجموعات المتطرفة، التي تقوم بتحويل العالم الافتراضي إلى منصات ومنابر لترويج أفكارها المتشددة في هذه المواقع، أو عبر التطبيقات الذكية الأخرى، وتحويل شبكة الانترنت برمتها إلى مجموعة من المنتديات الفكرية والأيديولوجية المتفرقة. يمتلك الدعاة والمشايخ والأئمة المتعصبون الكلمة الفصل في هذه المجموعات، حيث يقومون بطرح أفكارهم المتطرفة وتصوراتهم ومقارباتهم التي في مجملها تتضمن العنف والتشدد والمغالاة والشطط الفكري، ونشر الثقافة المذهبية والتشجيع على تبنى الخطاب العنصري لدى الشباب المسلم، ومحاربة الأفكار المعتدلة، وإقصاء المخالفين في الرأي.

كثير من الدراسات الاجتماعية والأمنية توصلت إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات الذكية الأخرى مثل برامج المحادثة، كان لها الدور الأكبر في التأثير على آلاف الشباب المسلم من مختلف البلدان، وخاصة في الدول الغربية ومنها الدانمرك، والزج بهم في محارق الإرهاب عبر خطاب الكراهية التي تتبناه هذه المجموعات، وبواسطة الأفكار المغلقة التي تخاطب عواطف الشباب وحماسهم ووجدانهم الديني، ولا تخاطب عقولهم. ولهذا السبب أقدمت عدة دول غربية قبل حوالي الشهرين على الإعلان عن ضرورة عقد قمة أوروبية تجمع القادة السياسيين ورؤساء شركات التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، بهدف التصدي ووقف استخدام المجموعات المتطرفة لهذه المنصات كوسيلة لترويج الفكر المتطرف والتشدد الديني كما تفعل المجموعتان سابقتا الذكر.

ومن أبرز المخاطر التي تترتب على نشاط وخطاب هذه المجموعات الإسلامية المتشددة هو ظهور خطاب يميني متشدد في الشارع الدنماركي كرد فعل على أفكار وشعارات الحركات الإسلامية التي يعتبرها اليمين الغربي تهديدا للثقافة الغربية والدولة المدنية. إن الفكر الذي تروج له بعض المجموعات الإسلامية المتزمتة أدى إلى انتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا في الدنمارك ودول الغرب عامة، ومنح الأحزاب اليمينية الدنماركية والأوروبية ذريعة للهجوم على المسلمين والمهاجرين، وتوظيف خوف المواطنين الغربيين المتزايد من الوافدين من دول إسلامية في العملية الانتخابية. (يتبع)


 

;