news
ملحق الجمعة

أهي "مسمار جحا" في الشّرق، أم أكثر؟| إياد الحاج

     إنّ الدّور الذي قامت به الحركة الصّهيونيّة، مذ نشأتها وحتّى اليوم، يثير الأسئلة الكبيرة باستمرار، حول طبيعة هذه الحركة، والمهام المنوطة بها، على مستوى المنطقة خاصّة، وعلى مستوى العالم عامّة. فما نراه من تدخلات صهيونيّة في عدد من دول العالم بدءًا من دول الأميركيّتين، مرورًا بأوروبا، ولا ننسى أفريقيا، وانتهاء بآسيا، بشرقها وغربها، يجعل ما تقوم به أذرعها أكبر من حجمها الطّبيعيّ، وهو يتعدّى الشّأن اليهوديّ الذي تدّعي هي أنّها تمثّله.

     يقول إميل توما، في كتابه "الصّهيونيّة المعاصرة": "لقد زعمت الصّهيونيّة أنّ حلّ المشكلة اليهوديّة وإنقاذ اليهود من أخطار اللّاساميّة والاضطهاد وصيانة أمنهم يكون في الدّولة اليهوديّة... فهل تحقّق هذا الزّعم؟"[1]. وإذا قارنّا بين عدد الضّحايا من الشّعب اليهودي، نتيجة حروب إسرائيل العدوانيّة، مذ تأسيسها، وحتّى اليوم، مع عدد ضحايا اليهود في العالم، فأين يكون اليهوديّ أكثر أمنًا، في إسرائيل، أم في خارجها؛ على اعتبار أنّ قتلى الحروب الإسرائيليّة تجاوز الثّلاثة والعشرين ألفًا؟!

     وأوّل الأسئلة التي تطرح نفسها، لماذا أصرّت الحركة الصّهيونيّة على النّزعة الانفصاليّة عن الشّعوب التي كان اليهود يعيشون بين ظهرانيها، وخصوصًا في روسيا، حيث طرح الحزب الشّيوعيّ بقيادة لينين الحلّ الدّيمقراطيّ للمسألة اليهوديّة؟ يقول جورج طرابيشي، في مقدّمته لكتاب المسألة اليهوديّة، الذي يعتبر تجميعًا لما ذكره لينين في مختاراته عن المسألة: "لقد أدرك لينين، من جهة أولى، وبوصفه نصيرًا للمذهب الدّيمقراطيّ المنسجم مع نفسه والمتماسك حتّى النّهاية، أنّ حلّ المسألة القوميّة حلًا ديمقراطيًّا باتّجاه تصفية جميع مظاهر التّمييز والاضطهاد القوميّ وإقامة علاقات مساواة وتفاهم وتقارب بين الأمم هو المحور المركزيّ في عصر الإمبريالية"، وهو يتابع: "لم تكن المسألة اليهوديّة في نظر لينين إلّا جزءًا من المسألة الأكبر، المسألة القوميّة التي هي بدورها جزء من المسألة الأكبر، المسألة الاشتراكيّة" وهو يضيف: "إنّ لينين لم يكن ينفي خصوصيّة المسألة اليهوديّة، ولكنّه كان يناضل بكلّ الحزم الماركسيّ ضدّ إنزال هذه الخصوصيّة منزلة المبدأ وضدّ تحويلها إلى مذهب"[2].

     إنّ هذا الإصرار عشيّة ثورة العمّال المظفّرة في روسيا، والتي كان بإمكانها حلّ المسألة جذريًّا، وإعطاء نموذج تقدّميّ ديمقراطيّ إنسانيّ لباقي المجتمعات الإنسانيّة لتتبنّاه، أو تناضل من أجل تحقيقه، هذا الإصرار يخفي خلفه النّوايا الحقيقيّة التي تمثّلها الصّهيونيّة.

     ولأهميّة ما قامت به الحركة الصّهيونيّة، من ربط بين اللّاساميّة وبين الصهيونيّة، وكأنّ الأولى مبرّر وجود الثّانية، سأقتبس ما يقوله طرابيشي، لأهميّته: "مستوى اللّاساميّة: لقد كانت روسيا القيصريّة، المتخلّفة، الأوتوقراطيّة، المستبدّة آسيويًّا، سجنًا للشّعوب ومضرب المثل في اضطهاد اليهود وفي تنظيم مذابحهم. وليس من قبيل الصّدفة أن تكون الصّهيونيّة قد ولدت في روسيا تلك، فاللّاساميّة هي البؤرة الطّبيعيّة لانتعاش الصّهيونيّة، وهي تستدعيها كما يستدعي الفراغ الغاز. وبعبارة أخرى، إنّ الصّهيونيّة هي الوجه الآخر من ميدالية اللّاساميّة. ولينين الشّرس كلّ الشّراسة في التّنديد باللّاساميّة، لأنّها أوّلًا ظاهرة بربريّة ووصمة عار في جبين روسيا، ولأنّها ثانيًا، حاضنة الصّهيونيّة وقابلتها، لم يكن أقلّ شراسة في التّنديد بالصّهيونيّة، لأنّ الصّهيونيّة كانت تعمل بدورها، بحكم من قانون الفعل وردّ الفعل، على تأجيج المشاعر اللّاساميّة لدى الفئات المتخلّفة من سكّان روسيا. فهو يقول مع كاوتسكي إنّ مشاعر العداء تجاه اليهود لا يمكن أن تتلاشى نهائيًّا إلّا يوم يكفّ اليهود عن أن يكونوا جسمًا غريبًا في قلب الأمّة التي يحيون بين ظهرانيها. والحال أنّ الصّهيونيّين، ومعهم البونديّون، يعرقلون الحلّ الوحيد الممكن للمسألة اليهوديّة بعبادتهم الخصوصيّة اليهوديّة وبدعوتهم إلى تأييدها"[3].

     إنّ هذا الموقف الانفصاليّ، عن الحركة النّضاليّة العامّة التي كانت كفيلة بتحقيق الحريّة والمساواة والدّيمقراطيّة والعدالة الاجتماعيّة بانتصار ثورة العمّال من مختلف القوميّات، يوضّح الأهداف المبيّتة لهذه الحركة. وفي نفس الوقت هو مصلحة للحركة العمّاليّة النّضاليّة، كما يقول لينين: "وفيما عدا ذلك، فإنّ الاندماج الكامل والوثيق مع البروليتاريا الرّوسيّة ضروريّ لا غنى عنه لصالح نضال بروليتاريا روسيا بأسرها"[4].

     وقبل أن نتقدّم بالزّمن إلى فترتنا المعاصرة، لا بدّ من الإشارة إلى البعد الطّبقيّ الذي يعطيه لينين للصّراع مع الصّهيونيّة: "فالثّقافة القوميّة اليهوديّة هي شعار الحاخاميّين والبرجوازيّين، شعار أعدائنا"[5]. وبهذا التّصنيف تكون الصّهيونيّة جزءًا من البرجوازيّة، نقيض طبقة العمّال.

     ولينين يوضّح هذا التّوصيف كجزء من توصيفه للصّراع الطّبقيّ العام: "إنّ النّزعة القوميّة البرجوازيّة والنّزعة الأمميّة البروليتاريّة شعاران متعارضان مطلق التّعارض، يمثّلان المعسكرين الطّبقيّين الكبيرين في العالم الرّأسماليّ، ويعبّران عن سياستين اثنتين، (بل عن تصوّرين اثنين للعالم) في المسألة القوميّة"[6].

     وبعد أن تبيّن لنا وبوضوح، ومن خلال المنظّر الماركسيّ، والقائد الفذّ لثورة أكتوبر الاشتراكيّة، لينين، أنّ الحركة الصّهيونيّة ناهضت الحلّ الاشتراكيّ للمسألة اليهوديّة، بل وانتمت للمعسكر الآخر المعادي طبقيًّا، المعسكر الرّأسماليّ، رافضة الاندماج الدّيمقراطيّ والمتساوي مع باقي الشّعوب، واختارت تأجيج النّزعة الانعزاليّة، إلى درجة التّعالي القوميّ باسم الخصوصيّة اليهوديّة، نتساءل: ماذا يخفي كل ذلك، وهل يمكن فهم ما يجري اليوم، بدون العودة إلى الأساس التّاريخيّ والطبقيّ الذي تشكّل بناء عليه: موقع الحركة، طابعها، أهدافها ودورها؟

     لقد أجرى رفيقنا الرّاحل، الباحث والمؤرّخ المرموق، إميل توما، مجموعة من الدّراسات حول الحركة الصّهيونيّة، أصدرها في كتاب، عام 1982، باسم: "الصّهيونيّة المعاصرة"، وجاءت هذه الدّراسات، لكي تدحض مقولات الصّهيونيّة الجوهريّة، فما هي هذه المقولات الجوهريّة للصّهيونيّة، ولماذا نحتاجها الآن؟

     أعود وأكرّر بأنّ هذه المقولات ضروريّة لكي نستطيع فهم ما يجري، لكي نحدّد الدّور الذي تقوم به هذه الحركة، في العالم عامّة، ومن خلال إسرائيل خاصّة، وأنا أعتقد أنّه بدون إنعاش الذّاكرة بالأسس الفكريّة، يستعصي علينا الفهم الحرّ، والمستقلّ، والمنسجم مع فكرنا الماركسيّ اللّينينيّ؛ لذلك سأعدّد هذه المقولات كما يلخّصها إميل توما: "- يؤلّف اليهود أمّة عالميّة واحدة، فريدة! لا تسري عليها القوانين الموضوعيّة أو التّعريفات المختلفة! فهي تتجاوز في وحدتها الحواجز الجغرافيّة ولا تؤثّر في ترابطها المجتمعات الاجتماعيّة المتباينة!! (علامات الترقيم جاءت في النّص الأصليّ). – لا يمكن أن ينتهي اضطهاد اليهود، فتزول اللّاساميّة في الأقطار التي يعيش فيها أبناء الطّوائف اليهوديّة مهما تغيّرت الأنظمة الاجتماعيّة لأنّ اللّاساميّة خالدة! أبديّة! – ولهذا لن يتحقّق اندماج أبناء الطّوائف اليهوديّة بالشّعوب التي تعيش بين ظهرانيها!! – ومن هنا قرّرت الصّهيونيّة، وهي آيديولوجيّة البرجوازيّة اليهوديّة الكبيرة، أنّ حلّ القضيّة اليهوديّة يتمّ بتركيز اليهود كافة في إقليم واحد، هو فلسطين، أو "أرض إسرائيل"! على اعتبار أنّ فلسطين كانت إقليم الدّولة العبريّة القديمة!"[7].

ويتابع توما في مقدّمة الكتاب: "وفي الوقت نفسه أبرزت في بعض فصول هذا الكتاب أنّ إستراتيجيّة الصّهيونيّة أملت نهجًا تكتيكيًّا عينيًّا نفّذته المنظّمة الصّهيونيّة العالميّة. وهذا النّهج اعتمد على الصّعيد الدّوليّ على المقوّمات التّالية: - الارتباط العضويّ بالإمبرياليّة والرّجعيّة. - وتبعًا لذلك على مقاومة القوى الثّوريّة، الشّيوعيّة في الأساس، وفي الدّرجة الأولى "الإتّحاد السّوفييتي"، لأنّ تلك القوى طرحت بأسلوب علميّ سبل حلّ "القضيّة اليهوديّة" وأظهرت طابع اللّاساميّة الطّبقيّ، كما أوضحت ماهيّة الصّهيونيّة العنصريّة، الوجه الآخر للّاساميّة. - وعلى مقاومة حركة التّحرّر القوميّ عامّة وحركة التّحرّر القوميّ العربيّة خاصّة. - وعلى سلخ أبناء الطّوائف اليهوديّة في مختلف الأقطار عن القوى المكافحة من أجل التّحرّر القوميّ (السّياسيّ) والاجتماعيّ. أمّا على الصّعيد الفلسطينيّ فقد انتهجت القيادة الصّهيونيّة سياسة انعزاليّة شوفينيّة قوميّة قامت دعائمها على احتلال الأرض (أي "تخليتها" من أصحابها العرب)... واحتلال العمل (أي العمّال العرب من المنشآت والمزارع اليهوديّة!).. واحتلال السّوق (أي مقاطعة المنتجات العربيّة الصّناعيّة والزّراعيّة"[8].

     وبعد ذلك يحدّد توما هدف دراساته التي يعرضها في كتابه: "وتفنّد هذه الدّراسات الأسطورة التي اختلقتها بعض محافل القيادة الصّهيونيّة بزعمها أنّ "الحركة الصّهيونيّة" هي حركة التّحرّر اليهوديّة!! وتؤكّد ارتباط الصّهيونيّة تنظيميًّا وآيديولوجيًّا بالإمبرياليّة، منذ وعد بلفور البريطانيّ في العام 1917، حتّى اليوم، حيث أصبحت المنظّمة الصّهيونيّة العالميّة أحد أجهزة الإمبرياليّة الأمريكيّة، بخاصّة.. واندمجت إسرائيل بحكّامها الصّهيونيّين بالإستراتيجيّة الإمبرياليّة الكونيّة والمنطقيّة (في الشّرق الأوسط).."[9].

     سأكتفي بالتّعميم الذي ورد في مقدّمة الكتاب، ولن أخوض في عرض الإثباتات التي يسوقها توما للتّدليل على صحّة ادّعاءاته، ولكنّني أودّ التّشديد على الوصف الذي يحدّده توما للحركة الصّهيونيّة، والذي ينسجم مع تحديد لينين لطبيعة هذه الحركة، بأنّها حركة رأسماليّة شريكة للإمبرياليّة العالميّة، وهذه النّظرة الطّبقيّة هي التي تلائم التّحليل الماركسيّ الذي يعتبر القوميّة غطاء مخادعًا للحقيقة الطّبقيّة لهذه الحركة.

     ولا بدّ في هذا السّياق أن أذكر رفيقنا الرّاحل نمر مرقس الذي اجتهد على مدار سنوات في دراسة الحركة الصّهيونيّة، وقد جمّع العديد من المراجع من مختلف المصادر، المكتوبة والمسموعة والمرئيّة، مستندًا إليها لإثبات أنّ الحركة الصّهيونيّة هي جزء لا يتجزّأ من الإمبرياليّة الأمريكيّة، وهذه الدّراسة ما زالت مكتوبة بخط يده ولم تطبع، وهي مسؤوليّة الحزب في طباعتها، وتعميمها على الرّفاق، على الأقلّ، من أجل أن تعمّ الفائدة.

     وممّا أذكره من أقوال الرّفيق الرّاحل نمر مرقس، هو المثل الذي كان يمثّله، على أنّ هرتسل كان يمثّل مصالح رأس المال الكبير في العالم، فقد ذهب هرتسل، في نهاية القرن التّاسع عشر، أو بداية القرن العشرين، إلى السّلطان العثمانيّ، عبد الحميد الثّاني، وعرض عليه أن يسدّ ديون الإمبراطوريّة العثمانية، مقابل أن يمنح أرض فلسطين لليهود. وكان الرّفيق نمر يتساءل: من أين لصحفيّ شاب، مثل هرتسل، هذه المبالغ ليسدّ ديون الإمبراطوريّة؟!

     وما ادّعاه مرقس يثبته توما في دراسته، فهو يقول: "وإذا تذكّرنا أنّ الصّهيونيّين الأمريكيّين (ولا داعي للتّفريق ما بين المنظّمين منهم وغير المنظّمين) يؤلّفون الكتلة الكبرى، والمقرّرة بطاقتها الماليّة والسّياسيّة، في مجلس الوكالة اليهوديّة الجديدة،

أدركنا أنّ تضييع الفروق .. ومنح الجميع حقّ الاشتراك في عمليّة اتّخاذ القرارات بشأن إسرائيل، يضع في يدّ الصّهيونيّين الأمريكيّين القدرة على توجيه السّياسة الإسرائيليّة ..

     وليس خافيًا أنّ الصّهيونيّين الأمريكيّين يمثّلون أكبر تجمّع من الاحتكاريّين الأمريكيّين اليهود المتداخلين عضويًّا بالبناء الاحتكاريّ الإمبرياليّ الأمريكيّ.

     وهكذا تصبح مركزيّة إسرائيل في حياة الطّوائف اليهوديّة دعوة للتّماثل مع الإمبرياليّة الأمريكيّة .. أو هي دعوة للتّماثل مع حكّام  إسرائيل المتساوقين مع الإمبرياليّة الأمريكيّة بعد أن اندمجوا في إستراتيجيّتها المنطقيّة والكونيّة"[1].

     من لينين، إلى إميل توما، إلى نمر مرقس تحديد طبيعة الصّهيونيّة العنصريّة المنسجم مع الماركسيّة ورؤيتها الطّبقيّة للظّواهر والأحداث. هذه الحركة تكتسب عنصريّتها من تعريفها لنفسها، كما جاء في مقولاتها الأساسيّة التي طرحها توما في مقدّمة كتابه "الصّهيونيّة المعاصرة".

     إنّ الجزء المتواضع من تراثنا الفكريّ، الذي اقتبسته، والذي بحث في ماهيّة الحركة الصّهيونيّة، يضع هذه الحركة في موقعها المناسب في معادلة الصّراع الطّبقيّة الأساسيّة في النّظام الرّأسماليّ الذي يعيش أزمات مرحلة الإمبرياليّة، فيعدم الحلول لهذه الأزمات، فيحاول حلّها بالحروب، وباستغلال الشّعوب، والانقضاض على حقوق العمّال.

     إذا أردنا تطبيق فهمنا الماركسيّ للحركة الصّهيونيّة على مجريات الحاضر نطرح السّؤال: هل هناك مصلحة لهذه الحركة في تحقيق السّلام في المنطقة؟ هل يوجد مصلحة لهذه الحركة في الاستجابة لمطالب السّلام العادل، الصّادرة عن قيادة الشّعب الفلسطينيّ؟ أعتقد أن الوقائع أثبتت للقاصي والدّاني أنّ الجواب لا؛ بل وأكثر من ذلك، فقد أثبتت الوقائع أنّ المصلحة الحقيقيّة لهذه الحركة هي حالة الحرب مع كل من يخالف سياستها، وعقد السّلام مع من يرضخ لشروطها، فحالة الحرب هي وضعيّة مثلى لضمّ الأراضي، والتّوسّع، والاستيطان، وسرقة المياه، ورعاية مرتزقة من المتعاونين لحماية الحدود، والوصول إلى منابع النّفط العراقيّ والسّوريّ ... ، والقضاء على الحقوق الشّرعيّة للشّعب الفلسطينيّ، فماذا يقدّم السّلام بالمقابل؟

     إنّ أجواء السّلام لها أثمان، فهي تتطلّب حدود ثابتة وواضحة للدّولة، تحتاج إلى اعتراف بحقوق الشّعب الفلسطينيّ، تدعو إلى انسحاب من الأراضي المحتلّة، تفقد المبرّر العدوانيّ للتّدخّل الإمبريالي في المنطقة، تقيّد إسرائيل باتفاقيّات دوليّة ممّا يقصّر ذراعها العسكريّ والأمنيّ. إنّ الجلّاد مصلحته بالحرب، والضّحيّة من تحتاج السّلام، والجلّاد يمثّل مصالحه هو، وليس مصالح وحقوق الضّحايا.

     إنّ الطّبيعة العنصريّة، العدوانيّة، التوسّعيّة للحركة الصّهيونيّة؛ إضافة إلى أنّها رهينة للمصالح الإمبرياليّة الكبيرة في العالم، ممّا يعمّق من تبعيّتها للرّأسمال العالميّ ويفقدها استقلاليتها في تمثيل مصالح شعبها بأكثريته، هذا الشّعب الذي تدّعي تمثيله وحمايته هو ضحيّة لسياستها وتبعيّتها وعنصريتها، هذه الطّبيعة المتناقضة مع المصالح الحقيقيّة لشعبها ولشعوب المنطقة هي العائق الأوّل لتحقيق السّلام في المنطقة، فحركة هذه ماهيّتها لن تستطيع العيش بسلام، لا داخليًّا، ولا خارجيًّا.

     إنّ التّناقض الأساس في النّظام الرّأسماليّ يقوم على الهوّة بين طبقات المجتمع، وهي نابعة من ملكيّة وسائل الإنتاج التي تعود للقلّة، ويحرم منها الأكثرية السّاحقة، هذه الهوّة التي تتّسع باستمرار، ممّا يعمّق الظّلم الاجتماعيّ، ويزيد معاناة الأكثريّة لصالح القلّة القليلة من الرّأسماليّين الكبار؛ وهذا التناقض يُخضع النّظر إلى الحركة الصّهيونيّة كجزء من هذا الصّراع الطّبقيّ كما جاء في أدبيّاتنا الماركسيّة والفكريّة.

     بناء على ما تقدّم يجب علينا أن نبرمج عملنا على هذا الأساس من الفهم، وإذا أردنا التّمثيل للوضع القائم، فنمثّل له بحلقات أوسعها الأمميّة، ثمّ الوطنيّة، فالقوميّة ... وجميع هذه الحلقات مهما صغرت، أو كبرت تظلّ خاضعة للتّناقض الكبير في النّظام الرّأسماليّ. وسؤالي هو هل نحن كحزب نخطّط عملنا على هذا الأساس، نضع الإستراتيجيّات، ونفصّل التّكتيك بناء عليها؟ وهل نحن كحزب نملك البنية التّنظيميّة اليوم التي تمكنّنا من تنفيذ المهام التي نشتقّها من الأهداف؟ وهل علاقة الحزب اليوم بالجمهور بالمستوى الذي يمكّن الحزب من حشد الجموع وراء السّياسات والمطالب والأهداف؟

     بعد مائة عام من نضال هذا الحزب نحن نحتاج إلى انطلاقة جديدة لأعرق تنظيم في هذه البلاد، انطلاقة تجدّد طاقات هذا الحزب، وتعود إلى مصادر فكره وتنظيمه وعمله وقوّته السّياسيّة والشّعبيّة، فما نقدم عليه من ظروف قاسية على كلّ المستويات يحتّم وجود حزب قويّ يستفيد من تاريخه العريق، وينطلق بثقة ووعي ومسؤوليّة لمواجهة صفقة القرن، ومواجهة أخطر حركة عنصريّة عدوانيّة احتلاليّة توسّعيّة في المنطقة، إن لم يكن في العالم.

     إنّ مسمار جحا الذي دقّته الحركة الصّهيونيّة في القرن التّاسع عشر في بلادنا، يكاد ينفذ من فلسطين التّاريخيّة كلّها، وبلغ مزارع شبعا، ووصل الجولان، وهو في طريقه إلى المزيد من الأراضي، وما قامت به الإمبرياليّة في العالم، وفي المنطقة من تدمير للإتحاد السّوفييتي بالأساس، وللعديد من الدّول والمجتمعات سيصعّب المواجهة، وسيضعف النّضال، وهذا يحمّلنا مسؤوليّات جسام، لتطوير أنفسنا بما يلائم متطلّبات المرحلة وتجاوز "مسمار جحا" حدود فلسطين، ليصل إلى أراضي باقي الدّول العربيّة.   

مصادر

- لينين، فلاديمير. نصوص حول المسألة اليهوديّة، ترجمة وتقديم: جورج طرابيشي، مشورات صلاح الدين، القدس، 1980.

- توما، إميل. الصّهيونيّة المعاصرة دراسات، منشورات دار الأسوار، عكا، 1982.

 

الصورة: متظاهرون يهود ضد منظمة "ايباك" الصهيونية في واشنطن (تصوير: الشبكة اليهودية الدولية المناهضة للصهيونية)

 


[1] توما، 1982، ص17.


[1] توما، 1982، ص11.

[2] لينين، 1980، ص8- 9.

[3] لينين، 1980، ص12.

[4] ن. م. ص20.

[5] لينين، 1980، ص59.

[6] ن. م. ص60.

[7] توما، 1982، ص1.

[8] ن. م. ص2.

[9] ن. م. ص2.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب