news-details
ملحق الجمعة

إميل توما والحل الديمقراطي للقضية الفلسطينية 1944-1947 (3-3)

ضرورة الانفتاح على الاتحاد السوفياتي والتصدي لحملات الهجوم عليه

لقد أكد إميل توما أن النجاح في تحرير قضية فلسطين من قبضة الاستعمار يتطلب انفتاح الحركة الوطنية العربية في فلسطين على الاتحاد السوفياتي وتعاونها معه على المسرح الدولي، معتبراً أن وجود الاتحاد السوفياتي هو "من أهم العوامل الرئيسية الجديدة التي لم تكن في الحرب الماضية"، وأن ما يقوم به وفده من نشاط في هيئة في الأمم المتحدة "في سبيل تأمين مستقبل جميع الشعوب" يزيد "في أمل الشعوب المستعمرة ويقوي عزيمة البلاد العربية التي ترنو الآن إلى أمانيها".

وكان إميل توما قد أشار، في أكثر من مقال، إلى أن الصهيونية، في سعيها إلى تهجير يهود الاتحاد السوفياتي إلى فلسطين، هي التي تتصدر حملات الهجوم على الاتحاد السوفياتي، وهي التي توجّه له "اتهامات طائشة"، مدعية "أن روح العداء لليهود قد تفشت هناك...وأن الاشتراكية لم تكن حلاً لقضية اليهود، وأن قضية اليهود لا حل لها غير فلسطين". واعتبر أن موقف الاتحاد السوفياتي من الصهيونية "لا لبس فيه ولا غموض؛ فالاتحاد السوفياتي هو الوحيد الذي يحظر هجرة اليهود من أراضيه إلى فلسطين، وهو الوحيد الذي أغلق أبواب البلقان أمام زعماء الصهيونية، ووضع برنامجاً ديمقراطياً إنشائياً في البلاد المحررة حيث ضمن اليهود هناك مصالحهم، وأثار في يهود فلسطين رغبة في العودة إلى بلادهم الأصلية". 

وبعد أن أشار إلى أن الاستعمار البريطاني لا يريد الخروج من فلسطين، وهو يسعى إلى أن يخلق في البلاد "أمة يهودية شكلية تحترب معنا وتبرر وجوده في بلادنا"، كما يريد "أن يستفيد من وجود معداته [العسكرية] هنا ليهدد فيها الاتحاد السوفيتي"، أعرب إميل توما عن أسفه من انسياق "نفر من الوطنيين الذين بدأوا يتخوفون من بعبع أحمر لا وجود له ولا كيان؛ فالاتحاد السوفياتي الذي يخيفنا به أعوان الاستعمار لم يعتدِ في تاريخه على الشعوب"، وقدّر أن الذين يتهجمون على الاتحاد السوفياتي "يخافون امتداد نفوذ الاتحاد السوفياتي ويرهبون دوره التحريري"، وأن الكيد ضده"فوق أنه يخدم الأماني الاستعمارية والرجعية، فهو يضر بقضيتنا العمالية والوطنية، لأن العداء ضد الدولة المحررة العظمى يصم حركتنا بالرجعية ويقربنا من الاحتكاريين الاستعماريين...[و] يضر بقضيتنا لأنه يؤيد سعي الصهيونية التي تعمل على اتهام حركتنا بالرجعية" (8).

رفض الحل المتمثّل بتقسيم فلسطين

حذرت عصبة التحرر الوطني، منذ صيف سنة 1946، من خطر تقسيم فلسطين، وأعلنت، في الاجتماع الجماهيري الحاشد الذي عقدته في حيفا في 2 تشرين الثاني 1946، في "يوم النضال ضد وعد بلفور وأصحاب هذا الوعد ونتائجه"، وتحدث فيه إميل توما، رفضها الحازم لـ "جميع الحلول الاستعمارية كحل التقسيم وسوريا الكبرى والدولة الاتحادية"، وأصرت على تحقيق "مطالب البلاد: إلغاء الانتداب وإنشاء حكومة وطنية ديمقراطية مستقلة وجلاء الجيوش الأجنبية". وناشدت العصبة من جديدالهيئة العربية العليا "أن تدعو إلى عقد مؤتمر وطني منتخب يجمع جميع العناصر الوطنية ويحشد جميع قواها ليضع السياسة الوطنية الصلبة التي يختارها ويختار من يقودها"، مؤكدة أن الحركة الوطنية العربية لن تكون قادرة على مقاومة التقسيم واكتساب تأييد القوى الديمقراطية في العالم لقضيتها العادلة إلا إذا أقامت بناءها "على الديمقراطية في التنظيم"، وقدمت"الضمانة العملية التي تؤمن بها القوى الديمقراطية في العالم، والتي تستطيع أن ترد على الاستعمار أضاليله، والتي في مقدورها عزل القيادة الصهيونية المتآمرة مع الاستعمار عن الجماهير اليهودية"، خصوصاً وأن الاستعمار والصهيونية "يبرران دعوتهم لتقسيم فلسطين بأن العرب لا يمكن أن يعيشوا في وئام مع اليهود في ظل حكم مستقل".

وعندما بدأت منظمة الأمم المتحدة والدول المشتركة فيها تستعد للبحث نهائياً في قضية فلسطين، وذكرت الأنباء أن المنظمة الدولية ستستمع لشهادة وفد الهيئة العربية العليا، لاحظت عصبة التحرر الوطني أن الهيئة العربية العليا تتخذ، منذ فترة، من المواقف "ما يساء فهمها من الرأي العام العالمي، وما يبتعد بنا عن حل نهائي ثابت للقضية الفلسطينية"، وطرحت السؤال الآتي: "أية سياسة سوف يحملها وفد الهيئة العربية العليا لإحباط مؤامرة التقسيم؟"، وأضافت: "هل يذهب إلى منظمة الأمم ليقف بين ممثلي الشعوب التي بذل أبناؤها دماءهم في سبيل القضاء على التمييز العنصري، ليعلن أن العرب إذا ما أحرزت فلسطين استقلالها لن يعترفوا بأي حق من حقوق المواطنين لسكان فلسطين من اليهود؟" وهل سيترك الاستعمار البريطاني "منشرح الصدر في المنظمة، معزز المكانة، ليقف في موقف الموفق بين اختلافات العرب واليهود؟"، مقدّرة أنه لن يكون هناك أحسن من هذا الموقف"لتأييد التقسيم لا لرده وإحباطه"، وداعية إلى الإعلان الصريح والواضح أن الشعب العربي الفلسطيني "ينشد جلاء جيوش الاحتلال عن أراضيه وإلغاء الانتداب وتحقيق الاستقلال التام؛ فذلك هو الطريق الوحيد لإحباط جميع مؤامرات المستعمر والصهيونية، لا مؤامرة التقسيم فحسب".

وفي 2 تشرين الثاني 1947، وبعد أن توضح المشهد السياسي داخل أروقة هيئة الأمم المتحدة، وتبيّن أن أغلبية أعضاء لجنة التحقيق الدولية التي زارت فلسطين تقترح حل التقسيم، كتب المحرر السياسي لصحيفة الاتحاد مقالاً مطولاً  بعنوان: "الآن نستطيع أن نكشف النقاب عما يجري في منظمة الأمم"، سأستشهد فيما يتبع، نظراً لأهميته الكبيرة، بفقرات مطولة منه:

"أكتب هذا المقال في مساء الخميس في 30 تشرين أول، ولا تزال اللجنتان الفرعيتان اللتان أنشأتهما لجنة فلسطين الخاصة لتبحث الأولى في مشروع التقسيم والثانية في مشروع الدولة  الفلسطينية الموحدة، تبحثان فيما بين أيديهما من مشاريع...

لقد كانت خطة الاستعمار البريطاني تهديد الجماهير العربية واليهودية بالفوضى التي سوف تعقب جلاء البريطانيين عن فلسطين، حتى يضطر العرب واليهود إلى الوصول إلى نوع من التفاهم يطلبان على إثره بقاء البريطانيين في فلسطين...هذا ما أراده الاستعمار البريطاني في فلسطين نفسها، من وراء إعلانه عزمه على الجلاء...

إن الولايات المتحدة والدول الواقعة تحت نفوذ الولايات المتحدة ستؤيد التقسيم، لأن الولايات المتحدة أمام ضغط الرأي العام الأميركي لا يمكن إلا أن تؤيد التقسيم، ولأن الولايات المتحدة تأمل أن تجعل من الدولة اليهودية ركيزة لها في الشرق الأوسط وموطئ قدم. 

أما الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية الديمقراطية، فهي تقاوم التقسيم من حيث المبدأ، وهذا معروف عنها من مضي وقت طويل.

وأما الدول العربية فهي تقاوم التقسيم طبعاً. 

فإذا وقفت بريطانيا على الحياد، وهو ما فعلته وجعلته موقفاً لها، فإن مشروع التقسيم لن يستطيع أن ينال ثلثي الأصوات حتى يصبح قراراً نافذ المفعول. وهكذا قدرت بريطانيا لمشروع التقسيم أن يفشل...

ولكن أمراً مفاجئاً حدث لم يكن إلا القلائل ينتظرونه، قلب الأوضاع رأساً على عقب، وأذهل البريطانيين والأميركيين سواسية، بل أذهل جميع من كان يعمل مع البريطانيين على بقاء الوضع الراهن في فلسطين على حاله، ذلك أن الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية أيدت مشروع التقسيم أيضاً، واشترطت لذلك جلاء البريطانيين عن فلسطين حالاً...

إن الاتحاد السوفياتي والقوى الديمقراطية التحررية في العالم تدرك أن مصلحة فلسطين، قبل كل شيء آخر، هو في تحقيق استقلالها وتصفية السلطة البريطانية عنها وجلاء جميع الجيوش الأجنبية عن أراضيها. وهي تدرك أن حل التقسيم هو أسوأ الحلول، كما صرح بذلك المندوب السوفياتي نفسه، ولكن مؤامرات الاستعمار والسياسة الصهيونية وموقف القيادة الوطنية التي لم ترد أن تتبيّن الحقائق المحيطة بها وما نتج عن ذلك من توتر في العلاقات بين العرب واليهود، كل ذلك هو الذي أوصل فلسطين إلى حل التقسيم. وكما قال المندوب البولوني في خطابه الذي أيّد به التقسيم: إن مستقبل فلسطين ليس بالتقسيم والتجزئة، ولكن في تفاهم أهلها جميعاً وعملهم السلمي الإنشائي...

وتجدر الإشارة هنا إلى أن السياسة غير العملية والبعيدة عن الواقع التي انتهجتها قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية هي مما ساعد على تبني عدد من الوفود الديمقراطية لمشروع التقسيم. ويعتبر هذا بحد ذاته دليلاً على فشل تلك السياسة القديمة، وموجباً لتغييرها واتباع أساليب جديدة في الحركة الوطنية الفلسطينية.

وهنا نذكر أن عصبة التحرر الوطني وجريدتها الاتحاد، نبهنا مراراً كثيرة إلى خطر الاستمرار على السياسة القديمة، تلك السياسة التي وصلت بفلسطين الآن إلى هذا المأزق الحرج الذي يتهدد مصيرها..." (9).

 

بمثابة خاتمة

وأود أن أنهي هذا المقال بتساؤل، من جانب، وباستخلاص، من جانب آخر. 

فأما التساؤل فهو: هل كان هو إميل توما نفسه هو كاتب المقال المذكور أعلاه، الذي حمل توقيع "المحرر السياسي"لصحيفة الاتحاد، وتضمن ما يشبه التبرير لموقف الاتحاد السوفياتي من قرار التقسيم، ومفاده أن الاتحاد السوفياتي وافق على هذا القرار، خلافاً لموقفه المبدئي السابق، عندما شعر أن الحكومة البريطانية لا تسعى إلى الجلاء عن فلسطين بل هي تناور كي تحافظ على وجود قواتها وأجهزتها في هذا البلد؟

مهما يكن، وبغض النظر عن حقيقة كاتب المقال، وعن صحة أو خطأ الموقف السوفياتي، من المعروف أن إميل توما، وخلافاً لمعظم رفاقه الذين وافقوا في شباط 1948 على قرار الأمم بتقسيم فلسطين،  بقي متسقاً مع موقفه المبدئي الرافض تقسيم فلسطين، وتحمّل فيما بعد، عن طيبة خاطر، تبعات موقفه هذا.

وأما الاستخلاص فمفاده أن بعض الوطنيين الصادقين ينتقدون الشيوعيين الفلسطينيين لأنهم وافقوا على قرار التقسيم، ويتجاهلون دور القيادة التقليدية للحركة الوطنية العربية في فلسطين التي تتحمل سياستها قسطاً كبيراً من المسؤولية عن تمرير قرار التقسيم في هيئة الأمم المتحدة، وهي السياسة التي بقي الشيوعيون الفلسطينيون يحذرون طوال سنوات من المخاطر التي تنطوي عليها على مستقبل فلسطين وشعبها.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب