news
ملحق الجمعة

ابو طوني لا يمكن نسيانه

قبل ايام وخلال تصفحي ما يُكتب على الفيسبوك واذ بمقال للرفيق الكاتب شاكر فريد حسن يكتب عن رحيل الرفيق محامي الأرض والوطن والشعب وفي اليوم نفسه اقرأ المقال في جريدة "الاتحاد" في كانون الثاني من سنة 1984. وهذا المقال أعادني الى ذكريات قديمة جدا عن هذا الانسان الشيوعي الاصيل المتميز جدا في انسانيته وصدقه وتفانيه في الدفاع عن شعبه الذي بقي في وطنه بعد نكبة شعبنا العربي الفلسطيني في سنة 1948 هذه الجماهير التي بقيت كالأيتام على موائد اللئام. وكان لهذا الانسان وحزبه الشيوعي دورا خاصا ومميزا في تلك المرحلة في الدفاع عن هذه الجماهير والمحافظة عليها من اجل بقائها في وطنها، وطن الآباء والاجداد.

اقول بكل صدق شكرا جزيلا للرفيق شاكر فريد حسن اغبارية الذي ذكّرني بهذه الذكرى لرحيل هذا الشيوعي الاصيل والعريق والمحامي الذي لم يفكر بالسيارات الفاخرة ولا في بناء المباني الفخمة، بل فقط كان همه شعبه وما جرى له من مآسي وويلات. وكان يجوب البلاد من نقبها الى مثلثها وجليلها للدفاع عن المظلومين والمضطهدين.

ان مثل هذا المحامي ربما لم يولد من امثاله حتى الان خاصة في عطائه وتضحيته من اجل شعبه في مرحلة من اصعب المراحل التي مرّت على جماهيرنا العربية في هذه البلاد. المقال اعادني الى ذكريات في سنوات الخمسينيات الاولى من القرن الماضي عندما كنت في اول شبابي عندما اقيم فرعا للحزب الشيوعي في عرابة في اواخر سنة 1951 بعد الانتخابات التي جرت في اواسط تلك السنة، حيث بدأ يأتي الى عرابة للتكلم في الاجتماعات الشعبية التي يعقدها فرع الحزب الشيوعي في عرابة وفي احيان كثيرة كان ينام في بيتنا لأنه كان لا يملك السيارة في ذلك الوقت وفي تلك المرحلة اقيم اواخر سنة 1952 فرعا للشبيبة الشيوعية واصبحتُ عضوا في الشبيبة.

في تلك المرحلة كانت قد تعمقت علاقاته مع والدي وجميع اخواني ونتيجة لذلك هناك ذكريات لي بالرغم من صعوبتها ولكنها جميلة جدا مع الرفيق طيب الذكر الرفيق حنا نقّارة والذي سُمي بكل جدارة بمحامي الارض والشعب والوطن وكان بالنسبة لي القائد والرفيق. وفي سنوات الستينات والسبعينات وحتى رحيله ايضا الصديق بالرغم من انني في جيل ابنائه.

ذكرياتي عن هذا الرفيق المميز كثيرة منذ ان عرفته في سنوات الخمسينات الاولى من القرن الماضي، بالاضافة الى حضوره للاجتماعات الشعبية كانت هناك له مهمة هامة جدا وهي العمل الجاد من اجل الدفاع عن الذين اخذوا الاقامة المؤقتة أي ما عُرف في ذلك الوقت "الهويات الحمراء" وكان الرفيق شاكر فريد حسن ذكر الاغنية التي تقول "طارت طيارة من فوق اللية الله ينصركو يا شيوعية، حنا نقارة جاب الهوية غصبِن عن رقة بن غريونا"، والتي غنت هذه الاغنية طيبة الذكر الرفيقة فاطمة بكري من البعنة.

أذكر انه تبنى قضية عدد من سكان عرابة الذين كانوا قد اعتقلوا وقت احتلال عرابة او الذين لم يتواجدوا في القرية وقت تسجيل السكان في سنة 1949، واذكر منهم الرفيق طيب الذكر محمود شاكر خطيب وطيب الذكر السيد محمد علي الشيخ يوسف وكان هذا على ما اذكر في سنة 1952.

في سنة 1954 اعلن اضراب شامل في مدرسة عرابة الابتدائية ضد ما كانت تُسمى في ذلك الوقت "ضريبة الرأس" المفروضة على الجماهير العربية فقط وكانت ضريبة مجحفة حيث كان كل حامل هوية عليه ان يدفع مبلغ عشر ليرات لا فرق بين غني وفقير وفي تلك المرحلة كانت صعوبة على الاكثرية المطلقة من جماهيرنا دفع مثل هذا المبلغ، ونتيجة لهذا جرى الاضراب في 1954/03/09 ضد هذه الضريبة وكنا خمسة رفاق في المدرسة اعضاء في الشبيبة الشيوعية حيث قدنا هذا الاضراب مع عدد من الاصدقاء في المدرسة بتوجيه من فرع الحزب الشيوعي والشبيبة الشيوعية في عرابة.

بعد هذا الاضراب فرض على عدد من آباء الطلاب وعدد من قادة فرع الحزب الشيوعي اثبات الوجود يوميا في مركز بوليس مجد الكروم في ذلك الوقت.

لقد تبنى الرفيق حنا نقارة الدفاع عن جميع هؤلاء الذين حُكم عليهم بإثبات الوجود وكان والدي من بينهم الذي كان قد تخطى السبعين من عمره ولكنه رفض الحكم، ومن ثم حُكم عليه بالسجن لمدة شهرين وعدد كبير من الاخرين الغي الأمر ضدهم وبقي فقط ثلاثة رفاق هم اخي سليم ابراهيم كناعنة الذي كان سكرتيرا لفرع الحزب في ذلك الوقت والرفيق ابراهيم شكري شمشوم الذي كان سكرتيرا لفرع الشبيبة ايضا والرفيق طيب الذكر محمد شاكر خطيب الذي كان عضوا للجنة المحلية لفرع الحزب.

في احدى الجلسات لمحاكمة هؤلاء الرفاق في المحكمة العسكرية في عكا ضد هؤلاء الرفاق حيث كان محامي الدفاع عنهم الرفيق حنا نقارة وفي هذه المحكمة احضرت الشرطة بعض الشهود من القرية وخلال ادلائهم بشهاداتهم كان من بينهم احد مخاتير القرية فتناقضت شهادته مع شاهد اخر من اقارب المختار، فسأل المحامي حنا نقارة المختار "قُل لي من هو الكذاب انت والا قريبك؟" فإحتجّ المختار على هذا السؤال ولكن الحاكم رفض احتجاجه، وكان قد سأل هذا المختار ماذا كنت تعمل في زمن الانتداب البريطاني؟ فأجابه "مختار" عندها قال له حنا نقارة "خدمتهم بإخلاص طبعا" قال "نعم"، والان ماذا تعمل؟ فأجاب "مختار" والان ايضا تخدمهم بإخلاص فأجاب بنعم. بعد هذه الجلسة أقسم هذا المختار يمين بأن لا يقف بأي محكمة يكون فيها المحامي حنا نقارة، وحتى ان سلوكه تغيّر تجاه رفاق الحزب في عرابة وكان هذا على ما اذكر في اوائل سنة 1955.

هناك ايضا قضية اخرى اذ ان السلطات ارادت ان تسجل قطعة ارض تعود للرفاق محمود ومحمد شاكر خطيب فأقاما دعوى ضد هذا وكان المحامي هو حنا نقارة، وفي يوم المحكمة استطاع الرفيق حنا ان يسجلها بأسماء اصحابها حيث قال للحاكم ان هذه الارض مزروعة بالصبر وأصحابها بالنسبة لهم مصدر رزق، فسأل الحاكم "كيف؟" اجابه الرفيق حنا "يا حضرة الحاكم انت ألم تشتر صبرا لتأكله؟" قال "نعم" وهم يبيعون الصبر ويعتاشون منه، فحكم الحاكم لصالح اصحاب الارض.

من الامور التي اذكرها جيدا ايضا في اواسط سنة 1955 جاء الرفيق حنا نقارة الى عرابة من اجل التحدث في اجتماع شعبي دعا اليه فرع الحزب وقبل الاجتماع كان في بيتنا مع والدي واخي مصطفى وخلال تواجده واذ بمجموعة من المحرضين وقسم منهم عملاء يهجمون على بيتنا، ولكن قبل دخولهم البيت استطاع والدي واخي ان يخرجوا الرفيق حنا من شباك جانبي الي بيت الجيران وهكذا لم يستطيعوا النيل منه. وفي هذا الوقت لم نكن في البيت انا وباقي اخواني ولكن الرفيق حنا كان قد رأى بأم عينه هذا العدوان البشع على بيتنا، بعد هذا قدمت شكوى ضد عدد من هؤلاء المعتدين وكانت المحكمة تجري في عكا والمحامي شاهد العيان الرفيق حنا نقارة، وفي هذه المحكمة اراد الرفيق حنا ان يعلم هؤلاء درسا لن ينسوه في حياتهم، حيث بدأ في تعيين موعد للمحكمة وعندما يحضرون في الموعد يطلب من المحكمة تأجيلها وهكذا عمل ما يقارب العشر مرات، وكانت في ذلك الوقت النقود شحيحة الامر الذي جعل احدهم، الذي كان متزعما وقاد الهجوم في ذلك الوقت ان يقول 

"ماذا يريد منا حنا نقارة ان نبيع...." وفي النهاية حُكم على كل واحد منهم بمبلغ عشر ليرات وفعلا ربّاهم بهذه الطريقة ولم يتجرأوا بعدها على مجابهة الشيوعيين في عرابة.

كانت لدى الرفيق حنا كلمة جميلة يقولها لجميع الرفاق الذين أعتقلوا بأن يكونوا صامدين حيث كان يقول لهم خلال المحكمة "خشّب" وكان يعني كُن صامدا.

في الاحداث التي سميت اول انتفاضة لجماهيرنا العربية سنة 1958 حيث اعتقل في ايار من تلك السنة حوالي اربعمائة رفيق وصديق وكنت احد هؤلاء المعتقلين وكان محامينا الرفيق حنا نقارة.

لقد جرت لنا محاكمات عسكرية في مدينة عكا وكانت السلطات تأخذنا من الجلمة مكان الاعتقال الى المحكمة في عكا مجموعات وكل مجموعة كانت مكونّة من عشرة رفاق واصدقاء.

عند ذهابنا الى المحكمة، وكنت انا المتهم الاول في فرقتي وقبل دخولنا الى المحكمة تقدم الينا الرفيق حنا نقارة وقال لنا بأنه لن يدخل معنا الى هذه المحكمة لأن حكمهم اصبح موجود في "الجارور" ولذلك من المفضل ان نقول لهم اننا لا نعترف بهذه المحكمة واضاف كلمات اخرى حفظتها عن ظهر قلب كما يقال، وعندما دخلنا الى المحكمة كان الجو ارهابي بكل معنى الكلمة اذ انه في داخل المحكمة جلس الى جانب كل واحد منا شرطيين.

عندما بدأت الجلسة بدأ الحاكم معي اولا وبدأ بقراءة التهم الموجهة ضدي وقال لي ماذا تقول؟ قلت للحاكم ما علمني اياه الرفيق حنا حيث بدأت بالقول له انا لا اعترف اصلا بهذه المحكمة ولا اعترف بصلاحياتك كحاكم واطالب ان أحاكم امام محكمة مدنية وخلال حديثي كان الشرطيان اللذان جلسا بجانبي يشداني من ثيابي كي اجلس ولا اتكلم ولكن بالرغم من هذا واصلت الحديث حتى النهاية.

بالرغم من هذا فقد حُكم عليّ أقسى حكم حيث حكمت لمدة ثلاث سنوات وسنة اخرى او دفع مبلغ اربعمائة ليرة في ذلك الوقت.

وانا في داخل السجن جرى اعتداء عليّ حيث كسر كتفي هناك ونتيجة لذلك ازدادت المطالبة الجماهيرية بإطلاق سراحي وكنت السجين الاخير في سجن الدامون من سجناء اول ايار والرفيق محمد الشريدي في سجن شطة وخرجت من السجن بعد قضاء مدة عشرين شهرا والرفيق محمد الشريدي سنتين كاملتين.

من الجدير بالذكر ان الرفيق حنا نقارة كان يزورنا مرة كل شهر واحيانا مرتين بالشهر. وبعد الحكم الجائر الذي حكمت به بادر الحزب الى اقامة هيئة شعبية للمطالب بإطلاق سراح سجناء اول ايار وكان الرفيق حنا نقارة من المبادرين الاساسيين ومعه الرفاق اميل توما وصليبا خميس حيث أقيمت الجبهة الشعبية برئاسة طيب الذكر يني يني رئيس مجلس محلي كفرياسيف في ذلك الوقت واستمر عمل هذه الجبهة حتى الغاء الحكم العسكري في سنة 1966.

من الذكريات الاخرى مع الرفيق حنا نقارة انه في سنة 1973 جرى حل المجلس المحلي من قبل وزارة الداخلية وكان حاكم اللواء في ذلك الوقت في منطقة الناصرة سيء السيط "اسرائيل كينغ" صاحب الوثيقة المشؤومة وكان فرع الحزب الشيوعي في عرابة قد قرر اقامة دعوى قضائية ضد وزارة الداخلية وأوكل لهذه القضية الرفيق طيب الذكر عبد الحفيظ دراوشة صاحب الضحكة المميزة.

في اليوم الذي تقرر عقد جلسة في محكمة العدل العليا في مدينة القدس ذهبنا مع الرفيق عبد الحفيظ الرفاق عمر السعدي وخالد موسى بدارنة وانا وعند وصولنا الى ساحة المحكمة واذ بالرفيق حنا هناك من اجل قضية اخرى، فوقفنا معه نتبادل اطراف الحديث واذ بحاكم اللواء كينغ يحضر الى هناك من المحكمة وعندما رآنا نتحدث مع الرفيق حنا بدأ يروح ويجيء وطلب التحدث مع الرفيق حنا، وبعد حديثه جاء الرفيق يقول لنا ولكو يا شباب هذا بدو "صُلحة"، قلنا له اعمل يا رفيق الذي تراه مناسبا وبعدها جاء الرفيق حنا ليشاورنا وقال لنا "هذا يريد ان يجري انتخابات المجلس بعد سنة من تاريخ حله" فكان قد تبقى ما يقارب الخمسة اشهر وأتخذ القرار على هذا الاساس، من المعروف انه كان للرفيق حنا نقارة هيبته الخاصة في جميع المحاكم. بعد المحكمة اقترح علينا الرفيق حنا ان نذهب لتناول وجبة الغداء وخلال جلستنا اخبرنا نكتة جميلة:

يا رفاق هاي قضيتنا كانت "مثل اللي حامل بارودة ما فيها فشك" عمليا بتخوّف اثنين اللي حاملها واللي على قبالها، لأنه حامل البارودة بخاف يعرف اللي على قباله انها ما فيها فشك واللي على قباله بخاف لأنه البارودة فيها فشك. 

بعد الغدا قمنا انا والرفيق عمر سعدي لنحاسب (ندفع ثمن الغداء) عندما رآنا، نهرنا وقال ولكو يا رفاق انتو تدفعو وانا معكم؟! ما انتو محترفي حزب بكفي تضحيتكم هذه، اجلسوا على السكت عيب، وفي النهاية هو الذي حاسب عن الجميع. كانت لي جلسات كثيرة مع الرفيق حنا الذي كان دائما يتمتع بروح النكتة الجميلة وجميع من عرفه كان يحب الجلسات معه لأنه كان دائما يخلق جوا طيبا.

لقد كان الرفيق حنا بالإضافة الى انه محامي الارض، الشعب والوطن والشيوعي المبدئي المثابر والعريق في عمله وعطائه كان ايضا، وهذا هو الطبيعي، انسانا اجتماعيا مميزا أحبه واحترمه كل من عرفه نتيجة لصدقه وطيبته وانسانيته. ان مثل ابو طوني لا يمكن ان يُنسى وستبقى ذكراه خالدة الى الابد وعلى مر الاجيال.

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب