news
ملحق الجمعة

اجماع واسع غير مسبوق داخل الحزب الديمقراطي ضد المخططات الإسرائيلية| حسن مصاروة


مسألة دعم إسرائيل لم تكن يومًا، على الأقل بشكل أساسي ومركزي، محل خلاف حزبي داخل الولايات المتحدة، كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري يتسابقان دائمًا على دعم إسرائيل. في بعض الأحيان كان هدف المرشح الديمقراطي في أي انتخابات هو أن يثبت أنه أكثر دعمًا لإسرائيل وأكثر حرصًا على مصالحها الحيوية من المرشح الجمهوري-طبعًا في حالة اليوم فان ترامب يضع سقفًا غير مسبوق في الانحياز الكامل لإسرائيل. وبالإضافة لطبيعة المعسكر الحاكم في إسرائيل وعلى رأسه نتنياهو بالذات  يضطر منافسه بايدن أن يلعب لعبة أخرى غير هذه اللعبة المعهودة، وأن يصارع على ميدان أخر-ومن هذا المنطلق تجلت المهمة الاساسية لـ"ايباك"، اللوبي الصهيوني الأكبر في الولايات المتحدة، في المحافظة على هذا الدعم الدائم في السياسية الأمريكية لإسرائيل غير القابل للزعزعة والعابر للأحزاب والانقسام السياسي. الا أن ما يجري اليوم من انقسام داخلي بين الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري، حول صفقة القرن وبالأساس حول مخططات الضم المطروحة على الطاولة الآن بقيادة نتنياهو، تشكل مرحلة جديدة من هذه الحالة التقليدية من التوافق العابر للأحزاب الأمريكية حول إسرائيل ومصالح قيادتها.

 وقد هيأ لهذا الانقسام غير المسبوق بشكله الحالي عدة عوامل بالإضافة الى طبيعة الخطوة التي يحضر لها نتنياهو، في كونها تكسر بشكل جذري طبيعة الانتهاكات الإسرائيلية للوضع القائم المرعي أمريكيًا المتفاهم عليها ضمنيًا في العقدين الأخيرين. ومن تلك العوامل أولًا مراكمة العداء بين نتنياهو والحزب الديمقراطي في فترة حكم أوباما، وتصرفات نتنياهو التي اعتبرها الحزب وقحة في التدخل الفج والمباشر في السياسية الأمريكية والانحياز الواضح ضد سياسيات الحزب الحاكم ورئيسه المنتخب، خاصة في قضية الاتفاق مع ايران. والعامل الثاني هو طبيعة الاستقطاب غير المسبوق في تاريخ الولايات المتحدة بين المعسكرين الجمهوري والديمقراطي تحت رئاسة ترامب، والتفسخ السياسي الداخلي الذي غطى كثيرا من السياسات الداخلية والخارجية. والعامل الثالث هو الاختراق التقدمي لشخصيات وسياسات أكثر جذرية للحزب الديمقراطي في السنوات الأربع الأخيرة وتحرك فئات كبيرة من القاعدة الانتخابية التي يتكئ عليها الحزب يسارًا في السياسات الخارجية والداخلية. وقد تمثل هذا الاختراق أولًا بشخصية بيرني ساندرز الذي رفع سقف التوجهات النقدية تجاه الدعم الأمريكي للسياسات الإسرائيلية. وكذلك المرشحة السابقة في الانتخابات الرئاسية داخل الحزب اليزابيث وارن التي اتخذت توجهات نقدية ايضًا تجاه هذه السياسة. وكلاهما وصل الى المرحلة الأخيرة من الانتخابات مع جو بايدن. بالإضافة الى الكثير من أعضاء الكونجرس الشباب المنتخبين حديثا الذي يتخذون موقفًا نقديًا تجاه سياسات إسرائيل.

الصوت بدأ منخفضا وراح يعلو
حينما طرحت خطة ترامب المسماة صفقة القرن  في شهر يناير الماضي، في ذروة المعركة الانتخابية داخل الحزب الديمقراطي على بطاقة الترشح للرئاسة، بدأ الاعتراض داخل الحزب، الذي بدأ منخفض الصوت في البداية،  يتصاعد وينمو بشكل متزايد شيئًا فشيئًا، حينها  انتقد بيرني ساندرز، الخطة ووصفها بغير المقبولة، مؤكدًا أنها لن تؤدي سوى إلى استمرار الصراع. وقالت السيناتور إليزابيث وارن، المرشحة الثانية في حينه بعد ساندرز إن الخطة ليست إلا تثبيتًا لضم الضفة الغربية، كما أنها "لا توفر أي فرصة لدولة فلسطينية حقيقية". بالإضافة الى مجموعة من أعضاء مجلس النواب والشيوخ الديمقراطيين الأٌقرب للخط التقدمي مثل كريس مورفي وفان هولن. وتصاعد هذا الرفض في أوائل فبراير حينما  أعرب 107 نواب أمريكيين من الحزب الديمقراطي، في رسالة إلى ​الرئيس دونالد ترامب​، عن معارضتهم الشديدة لصفقة القرن.

وطبعًا الانقسام العميق غير المسبوق داخل الولايات المتحدة حول رئاسة ترامب وعدم الثقة الواسع بكل تصرف يصدر عنه هيأ لتكون معارضة واسعة داخل أمريكا لـ"صفقة القرن" في حينه، ناهيك عن عدم منطقية خطة ترامب وانحيازها غير المسبوق في فجاجته لا إلى إسرائيل فقط بل إلى اليمين الاستيطاني داخل إسرائيل، في كسر لكل الخطوط الحمراء حتى بمقاييس الانحياز الأمريكي التاريخي. وفي حينها قام أعضاء بارزون من الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ ومجلس النواب بالاعتراض على الخطة ومنهم من وصفها بكلمات قاسية، وكل مرشحي الرئاسة الديمقراطيين الذين كانوا يتسابقون على بطاقة الترشح على اتساع طيفهم أعلنوا رفض الضفقة حتى أقربهم لإسرائيل جو بايدن.. الا أن موضوع الصفقة ورفضها لم يأخذ في حينه، موقعًا مركزيا في النقاش العام والحملات الانتخابية ضد ترامب، لأن كل السياسية الخارجية اصلاً ليست مركزًا للصراع الانتخابي في أمريكا، والشعب الأمريكي لا يذهب للتصويت على أساس السياسة الخارجية بل المسائل الداخلية مثل التأمين الصحي والتعليم والمهاجرين... والاعلام الأمريكي كان  مشغولًا بقضية محاكمة ترامب في مجلس الشيوخ، مع أن مقابلات جاريد كوشنير التي هدفت لترويج الخطة داخليًا أضفت بعض الزخم على الاعتراض الشعبي والإعلامي على خطة ترامب، وجلبت نتائج عكسية عليه بسبب اهانته الواضحة واستحقاره الفج غير الخجل للجانب الفلسطيني إذ يُروج أن صفقته محايدة تجاهه. الا أن هذه المعارضة لم تأخذ شكلها الأوسع والأكثر وضوحًا الا في الأسابيع الأخيرة، أي مع اقتراب نتنياهو للتنفيذ الفعلي للضم.
صحيح أن جو بايدن المرشح الديمقراطي لمنافسة ترامب، لا يتحدث بشكل دائم ومباشر عن رفضه للضم، وهو اصلًا لا يتحدث ولا يحضر كثيرًا بالنسبة لمرشح رئاسي، لأنه يبدو مرتاحًا بما يقوم به ترامب بضرب شعبيته بنفسه بتعامله الفوضوي مع الأزمات الأخير، وهذا ما ظهر في الاستطلاعات الأخيرة التي تبين تفوق بايدن الواضح في سباق الرئاسة. الا أن بايدن حرص على أن تكون رسالته ضد الضم واضحة، خلال حديثه أمام اجتماع لمتبرعين من الأميركيين اليهود الأعضاء في الحزب الديمقراطي، قال "إن فرض السيادة الإسرائيلية على منطقة غور الأردن وأجزاء من الضفة الغربية سيضر بفرص التوصل إلى اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين". ولفت بايدن أن "الضم الإسرائيلي لمناطق في الضفة الغربية سيخنق أي فرصة للسلام"، مشيراً إلى أن الإجراءات أحادية الجانب ستقوض احتمالات حل الدولتين". وأضاف: "لا يمكن لواشنطن أن تحمي إسرائيل بشكل كامل بدون سلام، واسرائيل بحاجة الى الكف عن التهديد بالضم وعليها وقف البناء في المستوطنات لأنها ستقضي على الأمل في تحقيق السلام".

"صدمة" في الكونغرس الأميركي
كانت الضربة الأخيرة لنتنياهو داخل الحزب الديمقراطي والتي تشير الى مدى اتساع الاجماع ضد مخططاته، قد جاءت من أوثق حلفائه داخل الحزب، قبل عدة أيام،  وهم ثلاثة أعضاء بارزون في مجلس الشيوخ الأميركي: تشاك شومر، بوب مينينديز وبن كاردان. وقد ابدوا معارضتهم الواضحة للضم واعتبر الأعضاء، في بيان مشترك، أنّ خطوة كهذه "ستضرّ بأمن واستقرار المنطقة". وقد قوبل اعتراض هؤلاء بالذات بـ"الصدمة" في الكونغرس الأميركيّ، لأن لهم علاقات وطيدة مع لوبي "إيباك" الصهيونيّ في واشنطن، ولم يسبق لهم من قبل أن انتقدوا إسرائيل بشكل مباشر. ورغم أن الأعضاء الثلاثة ينتمون للحزب الديمقراطي، إلا أنهم صوّتوا في العام 2015 ضدّ الاتفاق النووي، وهاجموا الرئيس الأميركي حينها، باراك أوباما، بشدّة، بسبب "تردّي علاقاته مع إسرائيل". حتى أن مينينديز زعم في الماضي أن إدارة أوباما شرعت في تحقيق جنائي ضده لمعاقبته على معارضته الشديدة على سياسة الرئيس بشأن القضية الإيرانية والعلاقة مع اسرائيل.
يشير انضمام هؤلاء المشرعين الموالين لإسرائيل إلى معارضة الضم، إلى إجماع واسع للغاية في الحزب الديمقراطي حول هذه القضية. حيث انه  قد أعرب أكثر من 60 % من أعضاء مجلس الشيوخ من الحزب الديمقراطي عن معارضتهم للضم. وكذلك قام أكثر من 120 عضوًا في مجلس النواب باعلان معارضتهم للضم. وترجح التقديرات أنه في الأيام القادمة، سيكون عدد المشرعين من الحزب الديمقراطي الذين يعارضون الضم أكثر من 200 ، وهذا يعني أكثر من 90 %من ممثلي الحزب وللتحول في هذه المعارضة للضم التي كانت محسوبة حتى وقت قريب بشكل رئيسي على الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي، حيث هاجم أعضاء مجلس الشيوخ مثل بيرني ساندرز وإليزابيث وارن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال الأسابيع القليلة الماضية حول القضية، إلى أن باتت قضية اجماع واسع داخل الحزب. حيث أنه في الاسابيع الأخيرة توسعت هذه المعارضة لتصل إلى الجناح اليميني المؤيد لإسرائيل. حتى أن أحد الديمقراطيين الذين وقعوا رسالة هذا الأسبوع ضد الضم هو ستيني هوير، زعيم الأغلبية للحزب الديمقراطي في مجلس النواب، وهو الذي يرأس وفدًا من المشرعين إلى إسرائيل كل عامين بالتعاون مع إيباك. وكذلك وقعت على الرسالة عضو الكونجرس نيتا ليفي، رئيس لجنة الموازنة في الكونجرس والحليف "العريق" للوبي الصهيوني .
هذا الانقسام الواضح بين الجمهوريين والديمقراطيين حول خطة الضم وجد له تعبيرًا في تغيير غير مسبوق في سياسية لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية، ايباك، اللوبي الصهيوني الأكبر في الولايات المتحدة الذي يجد أن مهمته الأساسية هي المحافظة على الدعم العابر للانقسامات الحزبية لإسرائيل، حيث أعطى مسؤولون في “أيباك” الضوء الأخضر لمشرعين في الكونغرس الأميركي، لانتقاد مخطط الضم شريطة عدم المساس بالمساعدات الأميركية لإسرائيل  . وهي خطوة غير مسبوقة وغير معتادة في تاريخ المنظمة لكنها تعبر عن مدى الانقسام الداخلي.

بل يجد هذا الانقسام وهذه المعارضة الكبيرة داخل الحزب الديمقراطي لمخططات الضم الإسرائيلية  تعبيرًا عنه ايضًا في آراء الناخبين حيث اظهر استطلاع الرأي الذي نشرته صحيفة "واشنطن بوست"، قبل اسبوع، أن ثلثي الأميركيين يعتقدون بضرورة إجراء مراجعة جديدة للعلاقات القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وبيّن الاستطلاع أن 43 %من الأميركيين قالوا إنهم "يقبلون أن يشكك عضو في الكونغرس الأميركي بالعلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل" (42 % من الجمهوريين، 46 %من الديمقراطيين، 39% المائة مستقلون). وقال 24 % إنه "من واجب عضو الكونغرس التشكيك في العلاقات بين الدولتين". وقال 32 % فقط من المشاركين الجمهوريين إن على أعضاء الكونغرس الدفاع عن دعمهم لإسرائيل. وعندما سُئل المشاركون عن أهمية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني لمصالح الولايات المتحدة، أجاب 47 في المائة أنه من المواضيع الخمسة الأكثر أهمية، وقال 35 في المائة إنه غير مهم. وفقط 17 في المائة يعتقدون أن الصراع هو من بين المواضيع الثلاثة الأهم، أو الموضوع الأهم، بالنسبة لمصالح الولايات المتحدة.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب