news
ملحق الجمعة

الإله شمس العربي

ثمة صنم عربي يدعى شمس. وهو صنم شهير، وإن كنا لا نملك صورة له. وقد تسمت باسمه قبائل وبطون عربية من بينها بنو أمية بن عبد شمس: «شمس: صنم قديم. وعبدُ شمس: بطن من قريش، قيل: سموا بذلك الصنم» (لسان العرب). وقد ورد اسم هذا الإله في النقوش الصفائية العربية الشمالية المنقوشة على الصخور بأبجدية قديمة غير الأبجدية العربية الحالية. مثلاً، ورد الاسم في النقش الصفائي C 25: «فها شمس وها جدعوض وها لات عاقب بحرم ذي سلف وعوّر». والنص يطلب من الإلهة شمس وجدعوض واللات معاقبة من يخرب الكتابة.

والكل مجمع على أن «شمس» هو إله الشمس وأنه يمثلها. لكنني أختلف مع هذا الإجماع بشدة وأعاكسه. فالإله «شمس» ليس لها علاقة بشمسنا، شمس النهار. والدليل أن اسم الشمس لا يرِد إلا بأل التعريف في حين أن شمس يأتي بلا أل التعريف: «ليس أَحد من العرب يقول هذه شمسُ فيجعلها معرفة بغير أَلف ولام، فإِذا قالوا عبد شمس فكلهم يجعله معرفة» (لسان العرب). شمس في الاسم «عبد شمس» وحده يأتي من دون أل التعريف، ويكون معرفة. وهذا ما يثير الشك في أن الإله شمس هو الشمس ذاته.

وقد ورد ذكر شمس ممنوعاً من الصرف في بيت شعر شهير:

كلا وشمسَ لنخضِبنهم دَما

لّما عَرَفْنا أنهـم آثـارنـا

وكما نرى فالاسم شمس مُنع من الصرف وجعلت نهايته مفتوحة بدل أن تكون مجرورة : «قال ابن الأَعرابي في قوله: كَلاَّ وشمسَ لنَخْضِبَنَّهُمُ دَما/ لم يصرف شمس لأَنه ذهب به إِلى المعرفة، ينوي به الأَلف واللام. فلما كانت نيته الأَلف واللام (يقصد الشمس). لم يَجرّه وجعله معرفة» (لسان العرب). بالتالي، فقد مُنع من الصرف على العلمية والتأنيث. فالشاعر قصد الشمس، شمس نهارنا التي هي مؤنثة. وأنا لا أقتنع بتاتاً أن كلمة «شمس» في البيت كانت في الأصل غير مصروفة. لقد منعها اللغويون اعتقاداً منهم أن الشاعر يقصد الشمس. أما في الأصل، فهي مصروفة في أغلب الظن (كلا وشمسٍ)؟ ونحن نعلم بالطبع أن الحركات وضعت لاحقاً ولم تكن موجودة في الأصل. لقد افترض أن شمساً في الاسم عبد شمس هو ذاته الشمس، فمنع من الصرف.

بناء عليه، فحين نقرأ الكلمة بالكسر (وشمسٍ) يعتدل كل شيء. وفي هذه الحال، يكون شمس نظير الإله الأكادي شاماش. وهو إله مذكر.

شاماش

لكن المشكلة هي أن الباحثين، والغربيين منهم على وجه الخصوص، ليس لديهم شك في أن الإله «شاماش» الأكادي- البابلي- الآشوري هو إله الشمس. هذه قضية محسومة تماماً بالنسبة لهم. وكيف يُشك في هذا مع وجود اسم «الشمس» المتطابق معه في العربية والعبرية؟ هذا رغم أن الشمس العربية أنثى وشاماش الأكادي ذكر.

والحال أن شاماش يبدو في الحقيقة كما لو أنه يتمثل بنجم سماوي لا بالشمس. هذا ما تشير إليه الأسطورة البابلية عبر الصور وليس بالكلمات فقط. فهي تصور لنا «شاماش» وهو يقسم ثلاث دوائر بسيفه إلى قسمين: واحد بدائرتين، والآخر بدائرة واحدة. الدوائر الثلاث هذه تمثيل لحزام الجوزاء في ما يبدو لي. القطعة العليا في الصورة قطعة مكونة من نجمي النطاق والنيلام، أما القطعة السفلى فمكونة من نجم المنطقة.

أما النطاق والنيلام فهما نجما الصيف والفيض الصيفي، في حين أن نجم المنطقة يمثل الشتاء واللافيض. الأولان يمثلان النغمة العليا الفياضة للكون. أما المنطقة فتمثل النغمة القارة الهادئة الشتوية. من أجل هذا، يسمى حزام الجوزاء عندنا، وحتى الآن، باسم «الميزان». فهو الذي يحدّد الفصول وانقلاباتها. إنه ميزان الكون.

والحق أن أسطورة شاماش أعلاه تبدو على علاقة مع أسطورة سهيل اليماني العربية. فالعرب تقول إنّ «سهيلاً ركض الجوزاء فركضته برجلها فطرحته حيث هو، وضربها هو بالسيف فقطع وسطها». يضيف الآبي: «يزعمون... أن سهيلاً خطب الجوزاء فركضته برجلها، فطرحته حيث هو، وضربها هو بالسيف فقطع وسطها» (الآبي، نثر الدر(.

إذن، فقد حدث شجار ما بين سهيل والجوزاء فركلته برجلها، فرمته حيث هو. أي على طرف برج الجوزاء، أو على طرف سُكّان السفينة، كما يقول الفلكيون: «يسمون النير العظيم الذي على طرف السكان الثاني سهيلاً على الإطلاق» (الآبي، نثر الدر). أما لِمَ يكون الحديث عن سفينة، فلأن برج الجوزاء كان يصور عند اليونان على شكل سفينة، هي سفينة آرغوس. بالتالي، فالجملة تصف وضع سهيل مع برج الجوزاء. فهو يعد من ضمن برج الجوزاء، بشكل ما، لكنه مقذوف على طرف هذا البرج، كما لو أنه خارجه.

لكن الجملة الأهم في القصة هي جملة: «وضربها هو بالسيف فقطع وسطها». ووسط برج الجوزاء هو «حزام الجوزاء»، الذي يسمى أيضاً «فقار الجوزاء»، والمكون من النجوم الثلاثة التي تحدثنا عنها. بالتالي، فالجملة تعني أنّ سهيلاً قطع بسيفه حزام الجوزاء إلى قسمين. أي أنه فعل ما فعله شاماش بسيفه. عليه، يمكن الحكم أن سهيلاً اليماني يتماهى مع شاماش. وبناء على فرضيتي، فسهيل أيضاً يجب أن يتماهى أيضاً مع الإله «شمس»، ما دام شمس يتماهى مع شاماش.

بهذا، فالأسطورة العربية والصورة البابلية يوضحان بعضهما بعضاً، ويربطان شاماش بالجوزاء وحزامها لا بالشمس. هذه حقيقة بالصورة والكلمة معاً.

دليل من العصر الحجري

أكثر من هذا كله، فلدينا تشكيل بالحجر من شمال الجزيرة العربية، ربما يعود إلى العصر الحجري، أو العصر البرونزي على الأقل، يبدو أنه يكرر بالحجر الأسطورة ذاتها، أسطورة شاماس أو سهيل الذي يقسم حزام الجوزاء إلى قسمين.

وكما نرى فثمة إلى يميننا صورة لما يبدو أنه حزام الجوزاء يقسمه مستقيم خط منطلق من دائرة- نجمة إلى قسمين بنسبة اثنين إلى واحد. الخط في ما يبدو لي يمثّل سيف شاماش الأكادي. إن صح هذا، فأسطورة شاماش- شمس- سهيل اليماني موغلة في الزمن. وفي الميثولوجيا القديمة، فإن برج الجوزاء هو برج الصيف الفيضي. أما نظيره الشتوي فهو الدب الأكبر وبنات نعش في شمال السماء. ولأن الجوزاء برج الفيض الصيفي، حيث تفيض الأنهار صيفاً مثل نهر النيل، فإن اسمها يشير إلى المياه. فكلمة «جوزاء» تعني «الساقية»، أي التي تسقي. وهو من جذر جوز الذي يشير إلى الماء والسقي: «الجَوازُ: الماء الذي يُسقاه المال من الماشية والحَرْث ونحوه. وقد اسْتَجَزْتُ فلاناً فأَجازني إِذا سقاك ماء لأَرْضك أَو لماشيتك... وجَوَّز إِبلَه: سقاها. والجَوْزة: السَّقْية الواحدة... وفي المثل: لكل جابِهٍ جَوْزَةٌ ثم يُؤَذَّنُ أَي لكل مُسْتَسْقٍ ورد علينا سَقْيَةٌ ثم يمنع من الماء... ابن السكيت: الجواز السّقي» (لسان العرب).

ويمكن القول بأن شاماش الأكادي وشمس العربي على علاقة بشمشون التوراتي. لكن شمشون هنا بنون الجمع. بذا فشمشون في الأصل إله تحول إلى بطل أسطوري.

(شاعر وباحث فلسطيني – عن "الأخبار" اللبنانية)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب