طبَقت الثلاثين سنة وأنا عزّابي، رغم إلحاح أهلي خاصة وأنا وحيد، ثم هجم النصيب، وتقرر العرس بعد اسبوع، سأنتقل الى مرحلة جديدة، وانهمكَ الأهل بفرح، والاقارب والجيران والاصدقاء، ورحت أعيش ذكريات ماضية. منذ طفولتي وأنا أحب ديوان الكبار، وكل الكبار رجال دين، يعيشون على الزراعة، وموسم العنب، هو مصدر الرزق، ولديهم الوقت للسهرات والحديث، يمزحون ويتجاقرون عن ايام الشبوبية، والصّحْبه ولقاءات الغرام، ينبشون كل شيء، ولا يبقون بورَة مطْمورة، عنهم وعن غيرهم، كل واحد ولِبْقُه "لقَبه"، كانت التلابيق دارجة، حتى سجلت بعد ذلك مئتين واثنين وستين لِبِقا، للرجال والنساء، ولأن الجهل مْبدّا على العقل، والمحبة مش منكورة، ولا تقطع من الدين ما عدا اللي حرّمه الله... فهات يا ربي هات من خوابيك الملانات، والرب مْسامح كريم، لقاءات غرام، وفي اية امكنة!! في الخُص، تحت التين الغزالي والبقراطي والشحماني، في ذروة الحِلّة، في الرفاريف، في خلّة الغُز والمساق وملّ فراش ورْويس العين وكروم الحسَنِه، درب العقبة والمعراضَه، كل واحد متهوم وملْتوخ في مكان، وكل الامكنة ملايمة، في وعر البلد، بعد نبش البور يقولون بورع: الله يعاملنا بالسماح. لو استطيع نشر التلابيق والمشاوير، في ساعات رحمانية، سجلتها كلها، ولا ادري ماذا سيكون مصيرها... نشرها مْصيبه.

حول البلد أربعة جبال عالية، مع وعر غزير من السنديان والملّ والبطم والسويد والعبهر والشبرق والبَرْزَه، الجرمق وجبلة عروس وجبل القلعة تطل على البلد من بعيد، أما حيدر والدّيدبه فهي قريبة، لكل جبل ريح، بحسب موقعه، والرياح شرقية وغربية وقبلية وشمالية، ولكل ريح جبَلها، الشمالي يحكر حيدر والديدبة، والقبلي يحكُر الجرمق، وهل الرياح القوية تقصد هزّ الجبال!! وهي المحمّلة برشقات الغيث والثلج والبرَد ورشفات الندى والغيم، تلقّح نور الزعرور والقبريش والقاتل والنجاص والعبهر والبطم.. لتكثير النسل والبقاء، تعايشتْ بمحبة ووحدة حال من سالف الدهور، والجبال ترد الجْميلة والمعروف، تنعف الشذى والعبير في النسائم الربيعية اللطاف، آن الاوان لوقف هذا التدخل الفظ بين الجبل والريح ويا جبَل ما يهزّك ريح!! الأقوياء بكرامة وشموخ لا يتاعدون ولا يتباغضون، وأية أنغام وترانيم يعرِضها وعر الجبال مع دغدغة ورشق الرياح، ولماذا لا أنشغل ببعض الذكريات قبل ان أدرج الى مرحلة جديدة في الحياة، رغم كل الصعاب المتوقعة، ماذا تقول صاحبة الشأن، والزوجة المقبلة، والأولاد والاحفاد، وكل من يقرأ هذا الكلام: بتْشَبّع!!

 

زتون فراضة مْهيشِر، تتعربش عليه قضبان اللجينة الشائكة، بورقها على تفصيل القلب، وحوله طبابيق الحسك الواسعة بحبّاتها البيضاء المنمنمة، وجْباب السّريس مثل زتون فِرْعم والجاعونة والعمّوقة، كله مجرّح ولا مقتول، الزتونة سوقيّة والعِنبِه مُدَنيّة، العنب مدلل، الزتون قروي بِحمل دعْك، وقد تكون قضبان اللجينة الشائكة وورقها بتفصيل القلب تحميه من عوادي الدهر ومرارة وقسوة الانتظار، وتغيير الاحوال من حال الى حال، الرياح لا تقصد هزّ الجبل

 

شايب وعايب، بعد الكَبْرة جِبّه حمرا، كله كِذب في كذب، بطعمي حالُه جوز فارغ، الله نادى في السّترة، هناك من يتربص ليصطاد في المياه العِكرة، وهل تلك الايام وتلك الذكريات عكرة!! هي أصفى من ميّة بير الجرمق، وزيت المونة من قَطعة مْكارم ومن زتون وادي الضحيّة وزتون سوسْيا في الرامة، وأنقى من الندى على الاقحوان والنّفَل وزهر الريحان في عريض الريحان وشُبُرق مَلّ فراش، وبرقوق رْباع العُرش ورموش سبَل القمح في موارس الحرية ومرج الغزلان والوقّاص في ارض الخيط. والوقاص يحمل هذا الاسم من يوم ما دفن هناك سعد بن أبي وقّاص كما جاء في كتاب "المؤلف" "عمدة العارفين" للأشرفاني ابن حي الأشرفية في الشام.

في المرج وسرطبا وخلاَت العِنق وعميرة والشمالية، والنّقرة والغدير يغرّق الندى قطوف العنب المدوّر والصّفدي وصُبعين العَروس والمَرواني والسرطباني والمْعطّر والقرقشاني وأكواز التين البقراطي والغزالي.

كان عمري خمِستَعشر سنة، عنّ على بالي أروّح من زتون درب المغار تحت الريف وعين ام قطيش طَفاش في الوعر الى شارع فرّاضة، في الوعر هناك سرّيس وقندول وبطم وسنديان وجَعساس، وصدفة، وكل صدفة خير من ميعاد، لحقتها هناك، على نفس الطريق، والدنيا قبل الغياب بنتفه، ورياح تشارين طرية، وايام الزيت قصيرة، ايام الزيت ما أصبحت تأمْسيت، تونّست فيها، ويمكن تونّستْ فيّ. لأنها خفّفت من مشيتها، وقبالنا جبل "أبو الشِّبا" في فراضة، وفيه الكثير من الغزلان.

طرحت عليها الوقت، ردت بهمس خفيف لطيف متموج متقطع كنسيم الفجر الربيعي، البَرّ كْحيل، يوحي بأفكار وهواجس وأحلام معطرة كالعنب المعطّر ومِسك خلّة نَشوان.

  • لبان إيش بتُنُضغي!!

بهتت وتفاجأت من السؤال، لكن لكل سؤال رد جواب.

  • لبّيت لْبان بطم، ليش!!

لا يوجد أزكى من لْبنات البطم، حبيبات من السموخ على شواهين البطم، نعمل منها علكة ذات نكهة طيبة، أين منها علكة الحُمّر والمستكى!!

  • أعطيني قُطمِة!!

فكيف لا تتعجب وتظهر الدهشة على وجهها!! ويُحمرق!

تلف رأسها بحطة سوداء باهتة، وشعرها يردح على الاكتاف، جْبين حنطي وخدود وافرة تميل الى البياض.

أرادت ان تقطم قطمة لبان من بين شفافها الشهية.

  • استنّي!! مِش من إيدك من ثِمّك.

  • إي!! شو هلحكي!! كِنّك إخْوث!!

  • إي ولاّ ما إي!! أحكي لِك الذْبابينِه!!

حتى اليوم لا اجرؤ على هذا الاسلوب، بلا مقدمات وأخذ وردّ وتلميحات وصد..

نكهة نفَسها وريقها وعلكة البطم وملاوصَتها ودهشتها ومقاومتها ورهقتها لا تزال حلاوتها في الذاكرة حتى اليوم.

نلتقي ونغضّ النظر كأن ما عند قْريش خبَر.

مرة واحدة لمّحت عن علكة البطم فردّت:

  • عَوّي!! طويلة عرَقْبتك!

ليس عن زعل، هذا الوجه لا يعرف الزعل، وقد تطل عليه مشحة ناعمة من تلك الايام..، بسمة يا دوب بحقِّقها.

زتون فراضة مْهيشِر، تتعربش عليه قضبان اللجينة الشائكة، بورقها على تفصيل القلب، وحوله طبابيق الحسك الواسعة بحبّاتها البيضاء المنمنمة، وجْباب السّريس مثل زتون فِرْعم والجاعونة والعمّوقة، كله مجرّح ولا مقتول، الزتونة سوقيّة والعِنبِه مُدَنيّة، العنب مدلل، الزتون قروي بِحمل دعْك، وقد تكون قضبان اللجينة الشائكة وورقها بتفصيل القلب تحميه من عوادي الدهر ومرارة وقسوة الانتظار، وتغيير الاحوال من حال الى حال، الرياح لا تقصد هزّ الجبل، ولا هدير بحر عكا يهدف الى تخويف اهل عكا وعكا العتيقة المعمرة.

عكا يا محبوبِه

فيكي الخوخ والرّمان

وفيكي عْبيد الرحمن

نغني ونحن ندرس القمح على بيادر الربيعة والغَرز والصفاية والسّماط، وبيادر الخيط على البقر والخيل:

يا داير يا داير

يا حْصان الغايِر

يا غايِر في جْلالُه

حوالي البيّادِر

في بحر عكا ترى الاجساد السمراء والحنطية والغبساء تطوش وتنساب على وجه المي، ناس من عكا وجوارها ومن الجليلين وما بعد الجليلين، شعر غرقان يانع منفوش وصدريّات حمراء تستر النهود الناهضة كفراخ الحمام المستعدة للطيران، وتبّنات ملونة تغطي – اللي حرّمه الله – وتلك المواقع، وأعناق غزلانية تجلب الارزاق، ومجموعات الصبايا والشبان متلقحه تتشمّس، وحبّات الرمل المحظوظة وجدت لها مكانا ممتعا على النحور والصدور والأعجاز والظهور.

السلام على ذلك الشاعر الذي هزج من قراقيح القلب:

كأن مجامِع الأرداف منها

نقًا درجَت عليه الريح هارا

وخِدنُه الذي لحظ الورعات،

يُخمّرن اطراف البنان من التُّقى

ويقتلن بالألحاظ مقتدرات

واليوم عندنا الكثيرات منهن، يقتلن بالألحاظ بقدرة عجيبة وعلى الحارِك بلا مقدمات، مثل لمح البصر.

جاءوا أغرابا واسرابا الى عكا من بلاد الراين والرّون وبلاد البولون، بدفعات مدفوعة الأجْر لقصور القبة وبسمان، من تطوان، وأنهر النيل الأزرق والابيض، ربع الاكليز والامريكان، من اليمن السعيد وما بين النهرين وكل بلاد العُرب اوطاني...

ولماذا لا أتسلّح بالذكريات الرايحات، والجايات اكثر من الرايحات في وجه شاويش المهمات الخاصة الذي جاء من بلاد "لجنة تحرير القدس" ورئيسها!! حتى لو كانت ذكريات مشعّثة ومهشمة كزيتون فراضة وياقوق وفِرعم والعموقة، مجرّحة وليست مقتولة، من مئات وألوف السنين، وتظلّ حية ترزق!!

سهيل الفلسطيني وصالحة السورية وفاطمة السودانية وألِنْ الاسترالي وداريغا الروسية وسِرفولا الفنلندية، وكروجينا البولونية يرقصون على اغنية سهيل وصالحة من حي الصالحية:

يا بو بنطلون احمر

ثوبِ العسكر لَويشي

كل الشباب جنود

وشوقي عليهُم شاويشي

شاويشهم غير أبو سرور المروكي من عند لجنة تحرير القدس. وعلى رمل ساحل بحر عكا وفي الفجر المبكّر، ينفد علينا الرفيق رمزي، كنا أربعة من الجنسين بالتساوي، وموجات البحر الخفيفة تبغم وتنغّم على الصخور المغسولة.

كنا متبَطّحين على الشط وما عند قريش خبر، لكن الرفيق رمزي أخبر من قريش وأدرى من اهل مكة في شِعابها، همْهَم باسما، بسمة ذات معنى واحد لا غير، الرفاق جمال ورمزي، يؤمان البحر للسباحة، وليس لنصب الشباك، لا للسمك ولا لحوريات البحر، وكم سأعود لهذه الجموع من الرفاق الأخبر من قريش والأدرى من اهل مكة في شِعابها.

  • ما شاالله – مْبكّرين!! مبكرين كثير.

وبسمة أبوية عطوفة حنونة على وجهه المرتاح.

نزلت عالبحر تأطْرَح شباكي

لقيت الموج شي ضاحِك شي باكي

سْألت موجِه عمْتِبكي شوباكي

قلتْ لي مْفارقة أغلى لِحباب

نديم ورمزي وكمال يسمون حنا لِبْراهيم الشاويش، شاويش الشاغور اصطدم مع شاويش مرّاكش، أحنّ الى قصته "يوم العيد" وقصيدته "اكتوبر أقوى من عنتر"... ذكريات شي ضاحك شي باكي...

 

 

;