news-details
ملحق الجمعة

الخرافات الصهيونية – الشوفينية وبداية نهايتها

لا شك بان الصهيونية لها دور خاص في تدعيم العصبية العنصرية الشوفينية، وهذا الامر كان منذ بدايات الحركة الصهيونية واصبحت بارزة اكثر بعد حرب حزيران العدوانية الاسرائيلية ضد الدول العربية واحتلال كامل فلسطين عام 1967، ومع الزمن تزداد الخرافات الصهيونية لتبرير نفي الآخر ولتبرير استمرار الاحتلال الكولونيالي لفلسطين واعطاءه ابعاد دينية لحشد اوسع تأييد على مستوى الشعب في اسرائيل وعلى مستوى يهود العالم وحشد الصهيونية المسيحية لدعم اليمين الاسرائيلي الرافض لأي حل عادل للقضية الفلسطينية، وهذه السياسات والخرافات الصهيونية تزداد خاصة في الفترة الاخيرة، وما يجري من اعتداءات صهيونية يمينية عنصرية والتي تستند على الخرافات ضد المسجد الاقصى الآن لاكبر دليل على ذلك.

ولكي نقوم بنقد ورفض خلقي انساني سياسي ايديولوجي للاحتلال والحصار الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، لا بل ضد كل شعوب المنطقة، من المفيد استعراض التطورات داخل مفاهيم الصهيونية والتي لا تختلف كثيرا عن المفاهيم الفاشية التي تتبنى مفاهيم الشعب الارقى. ومع ان ثيودور هرتسل لم يكن اول من رسم خططا لهجرة اليهود من اوروبا الى فلسطين ولم يكن اول من اقترح انشاء دولة لليهود في فلسطين الا انه كان الشخص الذي خطط بشكل منظم للارتقاء بالفكرة ووضعها موضع التطبيق. شغل هرتسل نفسه بالمسألة اليهودية منذ عام 1881 وفكر مليا في اثناء وجوده في فيينا بتحويل اليهود بشكل جماعي الى الكاثوليكية حلا لمشكلة كون المرء يهوديا في مجتمع اوروبي، في عام 1895 حكم على الجهود المبذولة للقضاء على اللاسامية بأنها غير مجدية وهكذا وضع المسودة الاولى لكتابه "دولة اليهود" بين شهري حزيران وتموز عام 1895، وفي السابع عشر من تشرين الثاني شرح افكاره للدكتور ماكس نورداو في باريس الذي تفاعل معها بحماس، فالاذلال العلني لليهودي الالزاسي وعضو هيئة الاركان الفرنسية العامة الكابتن درايفوس الذي ادين خطأ بتهمة بيعه اسرارا عسكرية الى الالمان (في 5 كانون الثاني عام 1895) اومأت الى هرتسل لوضع حد لمشروع دمج اليهود في المجتمعات الاوروبية وثبتته صهيونيا، وبتاريخ السابع عشر من كانون الثاني عام 1896 نشرت مجلة "جويش كرنكل" مقالة "حل المسألة اليهودية".

وكانت افتتاحية المقال ذات طابع تشكيكي: "من الصعب ان تتوقع مستقبلا عظيما لمخطط ناتج من اليأس"، انطلق هرتسل من ان حل المسألة اليهودية يمكن ان يتحقق فقط من خلال "بعث الدولة اليهودية" كما أصر في العديد من كتاباته على ان اليهود يشكلون شعبا واحدا وتحدث عن القومية المميزة لليهود كشعب مختار واعتبر معاداة السامية كمسألة قومية اكثر منها قضية اجتماعية وحقوقا مدنية او دينية، وطرح بانه يمكن حلها فقط بجعلها مسألة سياسية عالمية، مع ان لجوء هرتسل للباعث الديني كان خفيفا مقارنة لما يجري الآن من قبل اليمين الصهيوني واليمين الديني، الا انه استعان بعبارة: "العام القادم في اورشليم" وقال "ان فلسطين هي وطننا التاريخي الذي نتذكره على الدوام، ان اسم فلسطين تحديدا سوف يجذب شعبنا بقوة دفع عجيبة".

 

"جزء من المتراس الاوروبي ضد آسيا"

من مواقف هرتسل العنصرية الخادمة للامبريالية العالمية قوله بان الدولة اليهودية ستكون "جزءا من المتراس الاوروبي ضد آسيا، ومحضرا متقدما للحضارة في مواجهة البربرية، وهذه الطروحات والمفاهيم جعلت الحركة الصهيونية وبعد ذلك دولة اسرائيل قاعدة امامية للامبريالية العالمية وطبقة رأس المال المالي والعسكري دولة تساعد الولايات المتحدة على التجارة بدم الشعوب من اجل النفط ومن اجل الهيمنة الامبريالية على المنطقة، ولكن التطور التاريخي وخاصة بعد حرب تموز عام 2006 التي شنتها اسرائيل ضد لبنان كانت نهاية مشروع الثالوث الدنس – امريكا واسرائيل والسعودية – في خلق ما يسمى شرق اوسط جديد، وهذا النصر أي سقوط غطرسة القوة الاسرائيلي في تموز عام 2006 كان بداية قيام شرق اوسط مقاوم ورادع ومستقبلا منتصرا على هذا الثالوث، ومن الخرافات التي كان يطرحها هرتسل من اجل تأسيس مفاهيم دينية عنصرية قوله: "سيبدو الهيكل مرئيا من مسافة بعيدة جدا، ذلك ان ديننا القديم هو الذي حافظ علينا وأبقانا معا"، ومن كلمات هرتسل الاخيرة: "اعتقد ان جيلا رائعا من اليهود سوف يبرز للوجود، ولسوف تبرز المكابية مرة اخرى، فاليهود الراغبون في دولة سيحصلون عليها، وسوف نعيش اخيرا احرارا على ترابنا ونموت بسلام في بيوتنا، بتحررنا سيتحرر العالم الذي سيزداد ثراؤه بثرائنا، ويمجد بعظمتنا وبمقدار ما نسعى من اجل تحقيق رفهنا، سوف يتفاعل بقوة وينفع لخير الانسانية" هذا الطرح هو قمة الشوفينية والعنصرية، واعادة للخرافات التاريخية وما جرى من اعمال ارهابية وتطهير عرقي للشعب الفلسطيني وارتكاب جرائم النكبة لا يمكن ان يجعل شعب اسرائيل يعيش بسلام، فمن يحتل شعب آخر لا يمكن ان يكون حر، لا يمكن ان يعيش بسلام ودور اسرائيل على مستوى عالمي في دعم الانظمة الرجعية ودعم سياسات الولايات المتحدة لم يجلب الخير للانسانية بل جلب الحروب والازمات ليس فقط في منطقة الشرق الاوسط لا بل حتى على مستوى عالمي، يكفي ان نذكر تعاون اسرائيل مع نظام الابرتهايد في جنوب افريقيا وتعاون اسرائيل مع نظام الشاه في ايران وتأييد اسرائيل لكل السياسات والحروب العدوانية التي تمارسها الولايات المتحدة على مستوى عالمي.

وخلال المؤتمر الصهيوني الاول الذي عقد ما بين التاسع والعشرين والحادي والثلاثين من شهر آب عام 1897 م في مدينة بازل السويسرية اعلن في خطابه، "ان هدف المؤتمر وضع حجر الاساس للبيت اليهودي الذي سيؤوي الامة اليهودية، والتعجيل في تقدم مصالح الحضارة". ولكن التاريخ اثبت بان لاسرائيل كان دور مركزي في ضرب حركات التحرر لشعوب الشرق، والصهيونية العالمية كان لها دور في تأجيج سباق التسلح بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وكان لها دور في تفكيك وفشل تجربة بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي، وهنا اذكر ما قاله لينين بانه "لا يمكن ان تنتصر الاشتراكية في دولة اوروبية واحدة بدون انتصار حركة تحرر شعوب الشرق"، ولاسرائيل كان دور اساسي في ضرب حركة تحرر شعوب الشرق من ايران الى مصر والآن المؤامرة على سوريا، فسياسات حكومات اسرائيل المتتالية والصهيونية العالمية لم تجلب الخير للانسانية بل كانت الخادم الامين والقاعدة الامامية للامبريالية العالمية، ولم تأت بالرفاهية لشعوب المنطقة بل العكس، جلبت الحروب والفقر والمآسي والاحتلال والاستيطان وارتكبت جرائم النكبة. 

 

خادم وداعم لمصالح الامبريالية العالمية

تصور هرتسل بان القوى الاوروبية سوف تؤيد الصهيونية من اجل مصلحتها الذاتية والامبريالية وبالفعل هذا ما قامت به بريطانيا من خلال اعطاء وعد بلفور، وهذا ما تقوم به الولايات المتحدة من دعم مطلق لسياسات اسرائيل العدوانية في المنطقة وحول هذا الموضوع كتب هرتسل بعد لقائه جوزيف تشمبرلن وزير المستعمرات البريطاني في الثاني والعشرين من شهر تشرين الاول عام 1902، بانه اوضح لتشمبرلن بان رعاية ومؤازرة المسعى الصهيوني في اقامة دولة يهودية في فلسطين سيجعل لدى الامبراطورية البريطانية عشرة ملايين عميل باستطاعتهم تقديم فوائد سياسية واقتصادية جمة بسبب نفوذهم في جميع انحاء العالم، وبموجب مثل هكذا مقايضة في المصالح تتعهد بريطانيا بحماية الدولة اليهودية بينما يقوم يهود العالم بدعم المصالح البريطانية وتكون الدولة الصهيونية زبونا لها، وفي اليوم التالي للقاء، كتب هرتسل بان اليوم السابق كان يوما عظيما في التاريخ اليهودي والتطور التاريخي اثبت بان اسرائيل التي قامت على اسس ومبادئ الايديولوجية الصهيونية العنصرية هي خادم وداعم لمصالح الامبريالية العالمية لا بل عميلة للرأسمال العالمي.

وعندما اكتب هذا اتذكر موقف بعض قادة الاتحاد السوفييتي الذين اعتقدوا بان اسرائيل ستكون "دولة اشتراكية"، واعترفت بدولة قامت بممارسة سياسات التطهير العرقي، وهنا اتذكر لقائي في مؤتمر حوار الحضارات في رودوس مع حفيد غروميكو ونقاشي معه حول هذا الموضوع، حيث اجابني بان البعض في الاتحاد السوفييتي كان يعتقد بان اسرائيل ستكون دولة "اشتراكية" فقلت له بان الصهيونية هي من تقيحات وافرازات المجتمع الامبريالي ولا يمكن ان تكون اسرائيل سوى عميلة وخادمة لهذا النظام الامبريالي العالمي.

وما تقوم به اسرائيل اليوم على الساحة السياسية العالمية تؤكد بان دورها هو زبون وعمالة لمصالح الولايات المتحدة، دوافع هرتسل لم تمليها رغبة متدين مشتاق يحن الى وطن قديم ولا استجابة للوصايا التوراتية للذهاب الى ارض الميعاد من اجل تنفيذ الشريعة، لقد كان وما زال وبشكل اعمق الآن قواسم مشتركة مع فكرة القومية الالمانية والشعب الآري الارقى بتوكيدها على الشعب! كل الاشخاص المنتمين الى العرق والدم والاصل الالماني، اينما اقاموا وتحت أي نظام سياسي كان، يجب ان يكون ولاؤهم الاول لالمانيا الوطن، وهذا ما تفعله الحركة الصهيونية العالمية وكل المؤسسات الصهيونية حول العالم من الولايات المتحدة الى الاتحاد السوفييتي سابقا وروسيا الآن حيث ولاء كل المنتمين للحركة الصهيونية من العرق اليهودي وغير اليهودي، ولاءهم الاول للصهيونية ولسياسات حكام اسرائيل العنصرية الشوفينية الكولونيالية مستغلين القصص الخرافية لتبرير الاستعمار الاستيطاني لفلسطين. من الجدير بالذكر بان طروحات هرتسل لم تبرز لا بل الغت حقوق الشعب الفلسطيني اطلاقا فمعالجته الخطابية تمت وكأن فلسطين ارض خالية موضوعة بتصرف القوى العظمى وخاصة بريطانيا في ذلك الوقت، وهذا ما تفعله الحركة الصهيونية العالمية واليمين الصهيوني المسيحي وادارة ترامب من خلال طرحها ما يسمى بصفقة القرن عندما تتعامل مع القضية العادلة للشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير كقضية اقتصادية تهدف الى تحسين الاوضاع الاقتصادية للشعب الفلسطيني الذي يقبع تحت اطول وأبشع احتلال، من خلال الحصول على الدعم المالي لهذه الخطة، أي صفقة القرن، بأموال الرجعية العربية مثل السعودية والامارات والبحرين.

وهنا لا بد ان نذكر حقيقة تاريخية وهي ان اليهود عند مواجهة الاضطهاد في روسيا واماكن اخرى هاجروا الى بلاد اخرى وليس الى فلسطين، ففي حين كانت التقديرات تشير الى هجرة ثلاثة ملايين يهودي من روسيا في الفترة الواقعة بين الاعوام 1882 – 1914 نتيجة للمذابح الجماعية وسياسات معاداة السامية لحكومة القيصر توجه واحد بالمئة فقط منهم الى فلسطين. 

 

الروح العلمية تحدّت الطروحات الصهيونية

لا شك بان اليهود، عبر تاريخهم أظهروا وحدة لافتة للنظر مستمدة من ارتباطهم القوي بالقيم والخرافات الدينية المشتركة، الا ان الروح العلمية التي روج لها كل من ديكارت ولوك ونيوتن في القرن السابع عشر، وماركس وانجلز في القرن الثامن عشر والتي انبثقت في البداية في عصر التنوير وبعد ذلك على اساس المفاهيم المادية التاريخية الجدلية لماركس وانجلز، تحدت الهوية الصهيونية التي تتبنى المفاهيم الدينية الخرافية بشكل علمي فلسفي موضوعي وجوهري، فقد تميز عصر التنوير وبعد ذلك الفلسفة المادية الجدلية التاريخية الماركسية بالاستفسار الذاتي النقدي الجدلي التاريخي ساعين وراء الحقيقة بشكلها المطلق او النسبي من خلال العقل، وان الملاحظة والتجربة لا تعرقلهما العقائد الدينية الجامدة او الخرافات. لا شك ايضا ان التمييز كان مشكلة في مناطق عديدة من العالم عبرت عن نفسها في الاضطهاد ضد الاقليات المختلفة ومنها اليهود، ولكن منذ تصويت الجمعية العمومية الوطنية الفرنسية لصالح الاعتراف باليهود مواطنين، وازالة العوائق والقيود القائمة (28 ايلول عام 1791) فقد تغيرت احوالهم نحو الافضل وبحلول عام 1860 قبلت مساواة اليهود في اوروبا بشكل عام، وفي الحقيقة كان القرن التاسع عشر افضل قرن مر على اليهود  افرادا وجماعات، منذ تدمير الهيكل، فبدل ان يكونوا جماعة هامشية في مطلع القرن، اصبحوا في خلال مئة عام اكثر المستفيدين من التنوير والتحرر والثورة الصناعية، وبدل ان تستفيد اسرائيل من هذه التجربة التاريخية وتدعم الفكر المتنور والمتحرر والثوري، تمارس حكومات اسرائيل المتتالية والتي ترتكز في ممارساتها على الايديولوجية الصهيونية العنصرية سن قانون القومية العنصري الذي ينفي وجود الآخر أي الانسان الفلسطيني في القرن الواحد والعشرين، وبهذه الاعمال اصبحت الصهيونية واللاسامية وجهان لعملة واحدة.

وهنا اذكر بان الاقليات اليهودية في تلك الفترة من القرن التاسع عشر سيطرت بين اليهود في اوروبا مفاهيم بانهم ليسوا أمة منفصلة بل جماعة دينية ترفض أي نية في العودة الى صهيون، وفي تلك الفترة اشتكى فلهلم مار الذي كان اول من استخدم مصطلح معاداة السامية، من ان النفوذ اليهودي قد ذهب بعيدا في توغله في الحياة الاقتصادية الاوروبية. لا شك بان للحركة الصهيونية منذ بدايتها كان لها الاطار الاستعماري الواسع ولذلك نرى وايزمن الزعيم الصهيوني الذي اصبح لاحقا اول رئيس لدولة اسرائيل يقول: "نستطيع القول بمعقولية انه في حالة وقوع فلسطين ضمن دائرة النفوذ البريطاني وفي حالة تشجيع بريطانيا الاستيطان اليهودي فيها، كمحمية بريطانية، سيكون لدينا في غضون عشرين الى ثلاثين سنة حوالي مليون يهودي هناك، وربما اكثر سيقومون بتطوير البلد واعادة الحضارة لها، وسنكون حارس قدير تماما لقناة السويس".

اليوم نستطيع ان نقول بان اسرائيل هي محمية الولايات المتحدة والامبريالية العالمية وتراهن على توسيع دورها "كحارس" في المنطقة حتى مضيق هرمز ولكن التطور التاريخي ووجود محور المقاومة سيفشل كل هذه الخرافات. بتاريخ 2 تشرين الثاني عام 1917 كتب سكرتير الدولة للشؤون الخارجية البريطانية آرثر جيمس بلفور رسالة موجهة الى اللورد روتشيلد، حيث تعهد فيما يسمى وعد بلفور بتوفير الرعاية الملكية بقيام وطن قومي يهودي طال انتظاره: "عزيزي اللورد روتشيلد: يسعدني كثيرا ان أنهي اليكم، نيابة عن حكومة جلالة الملك، التصريح التالي تعاطفا مع اماني اليهود الصهاينة، الذي رفع الى مجلس الوزراء ووافق عليه. 

تنظر حكومة جلالة الملك بعين العطف الى انشاء وطن قومي لليهود في فلسطين وسوف تبذل ما في وسعها لتيسير تحقيق هذا الهدف، وليكن مفهوما بجلاء انه لن يتم فعل شيء من شأنه الاخلال بالحقوق المدنية والدينية للجماعات غير اليهودية المقيمة في فلسطين، او بالحقوق او الاوضاع السياسية التي يتمتع بها اليهود في البلدان الاخرى، اني اكون مدينا لكم بالعرفان لو قمتم بإبلاغ هذا التصريح الى الاتحاد الصهيوني.

المخلص

آرثر جيمس بلفور"

بعد قراءة هذا الوعد نرى بانه لا ذكر للشعب الفلسطيني وحقوقه القومية والسياسية بل يجري الحديث "عن الحقوق المدنية والدينية للجماعات غير اليهودية"، وما قامت به الحركة الصهيونية بتعاون وتآمر الانتداب البريطاني في فلسطين يعتبر جريمة ضد الانسانية وتطهير عرقي مستمر حتى الآن، وهنا اذكر بان الاعتراف باسرائيل في هيئة الامم المتحدة كان مشروطا بعودة اللاجئين الى فلسطين، الامر الذي ترفضه اسرائيل حتى الآن وبدعم امريكي صهيوني عالمي.  ووفق ما قاله دوق أوف دفنشاير خليفة تشرتشل وزير دولة شؤون المستعمرات، فان وعد بلفور كان إجراء حربيا صمم لضمان الفوائد الملموسة التي يؤمل ان يكون بمقدورها الاسهام في تحقيق النصر النهائي للحلفاء عن طريق استخدام الدعم اليهودي الدول لصالح الحلفاء وتقديم موعد دخول الولايات المتحدة الحرب. 

ان وعد بلفور هو جريمة انسانية تاريخية وقحة قام بها الاستعمار البريطاني بتأييد انشاء وطن قومي لليهود دون موافقة السكان الاصليين – الشعب الفلسطيني – ففي هذه الوثيقة، أي وعد بلفور، وعدت أمة بكل وقاحة أمة ثانية ببلاد أمة ثالثة، ويمكن قياس وقاحة المشروع من حقيقة ان اليهود في فلسطين لم يشكلوا في عام 1919 سوى نسبة لا تزيد عن 9.7% من عدد السكان ويملكون 2.04% من اراضيه، وهنا اذكر بان استخدام البريطانيين لكلمة وطن عوضا عن استخدام كلمة دولة، كان مجرد تكتيك لثني المعارضة العربية الفلسطينية وهو ما بدا واضحا في مذكرة هربرت يونغ احد الرسميين في وزارة الخارجية في عام 1921 الذي كتب قائلا ان مشكلة التعامل مع المعارضة الفلسطينية كانت "واحدة من التكتيكات وليست استراتيجية، لأن الاستراتيجية العامة تقضي بهجرة اليهود التدريجية الى فلسطين حتى يصبح ذلك البلد بغالبيته دولة يهودية، لكن من المشكوك فيه ان نكون في وضع نستطيع فيه ان نخبر العرب ماذا تعني سياستنا فعلا".

 

وصولا الى صفقة القرن التصفوية

وهذا النهج الديماغوغي التكتيكي الخرافي الكاذب تستمر في فعله الامبريالية الامريكية التي تدعي بانها تسعى الى السلام في المنطقة من خلال صفقة القرن بينما في واقع الامر تسعى الى القضاء على القضية الفلسطينية القومية العادلة وتحقيق احلام وخرافات الصهيونية في اقامة اسرائيل الكبرى، وفرض الهيمنة السياسية والاقتصادية على الشعوب العربية لا بل استعباد هذه الشعوب، ولكن صمود الشعب الفلسطيني ودعم محور المقاومة سيفشل هذه المشاريع العنصرية الشوفينية التي تعتمد على غطرسة القوة، هذه السياسة التي كانت حرب تموز عام 2006 بداية سقوطها وليس نهايتها. في عام 1940 كتب يوسف فايتس مدير دائرة الاراضي التابعة للصندوق القومي اليهودي في مذكرته قائلا: "يجب ان يكون واضحا فيما بيننا ان لا مكان في هذا البلد لشعبين، اذا غادرها العرب ستصبح البلد شاسعة ورحبة لنا، الحل الوحيد هو ارض اسرائيل دون عرب، ولا مكان هنا للمساومات ليس هنالك من طريق آخر نسلكه سوى القيام بترحيل العرب الى البلاد المجاورة، أي ان نقوم بترحيلهم جميعا، مع ابقاء اولئك، ربما بيت لحم والناصرة والقدس العتيقة يجب الا نبقي على قرية واحدة، ويجب الا نبقي على قبلة واحدة، يجب ان يتم الترحيل (الترانسفير) باتجاه العراق وسوريا وحتى شرق الاردن، ومن اجل تحقيق هذا الهدف لا بد من تدبير الاموال، بعد الترحيل فحسب سيصبح هذا البلد قادرا على استيعاب الملايين من اخوتنا، عندها لن تبقى هنالك مشكلة يهودية قائمة، وليس هناك من حل آخر". هذا ما كتبه فايس عام 1940 وهذا ما تم ممارسته عام 1948 من خلال التطهير العرقي، وهذا ما تسعى اليه ادارة ترامب الآن واسرائيل من خلال القضاء على منظمة الاونروا ومن خلال توطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية، وما يجري في لبنان في الفترة الاخيرة ضد اللاجئين الفلسطينيين هي خطة مدروسة في هذا الاتجاه وايضا من خلال "تدبير الاموال" الخليجية والسعودية من اجل تحقيق صفقة القرن والقضاء على حق عودة اللاجئين العادلة والانسانية المطلقة.

ولكن كلي قناعة بان هذه المشاريع مصيرها الفشل وحق العودة لا بد ان يتحقق، ومن يرفض ذلك يستطيع ان يجد له مكان في بروكلين او سيبيريا او بيلوروسيا او خاركوف. لا شك بان اعلان اسرائيل دولة يهودية وتشريع قانون القومية الذي شرعته الكنيست في الفترة الاخيرة تؤكد وجود روابط متينة بين التعصب الديني والسياسي في اسرائيل، ومن ظواهر هذا التعصب تقديس ما يسمى بالهيكل عند اليهود، وهذه عقيدة وثنية قديمة كانت موجودة في الدول الوثنية القديمة في العراق وسوريا ومصر فكانوا يعتقدون ان الآلهة تسكن في السماء وانها اذا رغبت النزول الى الارض فلا تكون اقامتها الا في بيوت كبيرة (الهيكل). وقد ذهب العديد من الباحثين منهم احمد سوسة الذي اعتنق الاسلام بعد اليهودية، الى التشكيك في فكرة الهيكل كما جاءت في "الكتاب" عند اليهود، وذهب الى انها فكرة دخيلة على اليهودية وانها فكرة كنعانية وثنية.

بدأ اليهود وعلماء الآثار الاسرائيليون ومؤيدي الايديولوجية الصهيونية عمليات الحفر تحت المسجد الاقصى للبحث عن آثار وبقايا هيكل سليمان سنة 1968، وقد ذكر عالم الآثار اليهودي "اسرائيل فلنكشتاين وغيره من علماء الآثار بان علماء الآثار لم يعثروا على أي شواهد اثرية تدل على ان الهيكل كان موجودا بالفعل، واعتبروا ان فكرة وجود الهيكل هي مجرد خرافة لا وجود لها وان كتبة التوراة في القرن الثالث اضافوا قصصا لم تحدث، وكذلك يزعم رجال الدين اليهود بان حائط البراق والذي يسمونه حائط المبكى هو جزء من هيكلهم المزعوم، وهذا الزعم قد ابطلته وكشفت زيفه الدراسات العلمية الحديثة. وفي عام 1930 اوفدت لجنة دولية للتحقيق في احداث البراق التي وقعت سنة 1930، وكان عمل اللجنة علميا تاريخيا، وقد اثبتت اللجنة في تقريرها ان ملكية حائط البراق تعود للعرب (المسلمين). وصرح عالم الآثار الامريكي "غوردون فرانز" بانه لا توجد دلائل على وجود الهيكل في هذا المكان (اسفل المسجد الاقصى) ولما سئل اين موقع الهيكل اجاب: لا اعرف، ولا احد يعرف. ومنذ ان نادى الصهاينة باعادة بناء الهيكل ولليوم لم يتم تقديم دليل واحد أثري على وجود هيكل مزعوم في القدس.

 

التيارات الدينية الصهيونية تتنامى وتتعاظم

في السنوات الاخيرة تتنامى وتتعاظم التيارات الدينية الصهيونية وتيارات المؤسسة الاسرائيلية الاحتلالية الكولونيالية التي تدعو الى تسريع بناء الهيكل الخرافي المزعوم وتقسيم المسجد الاقصى وتصعيد الاقتحامات من قبل سوائب المستوطنين. ويتصدر عدد من اعضاء الكنيست والشخصيات السياسية قائمة حزب الليكود واحزاب اليمين واليمين الديني لانتخابات الكنيست القادمة منهم زئيف الكين، داني دانون، تيسبي حوطبيلي وغيرهم، من احزاب اليمين الصهيوني العنصري الشوفيني وهذا الامر يزيد من المخاطر التي تهدد وتستهدف المسجد الاقصى وكل الوجود الفلسطيني. ولذلك مهم جدا التصدي لهذه المؤامرات والخرافات بوحدة صف وطنية فلسطينية، وحشد دعم الشعوب العربية والاسلامية وكل قوى التحدي والصمود والتقدم والحرية على مستوى عالمي ضد هذه المشاريع التي قد تؤدي الى مواجهات عنيفة وحتى حروب يدفع ثمنها ليس فقط شعوب المنطقة بما في ذلك الشعب الاسرائيلي الذي يدعم حكومة اليمين التي تمارس هذه السياسات الخرافية العدوانية والتي تلغي وجود الآخر تاريخ حاضر ومستقبل. وفي احدى تصريحات اليميني العنصري فيغلين قبل عدة سنوات قال "بان انتخابه هذا (في قائمة الليكود) هو بداية الطريق الي ستقود الى بناء الهيكل في جبل المعبد".  وعضو الكنيست داني دانون شارك اكثر من مرة في اقتحامات المسجد الاقصى، وكذلك عضو الكنيست "القادم" من خاركوف في روسيا والذي يرافق نتنياهو في كل زيارة لروسيا ولقاءه مع بوتين تحدث اكثر من مرة عن قضية المسجد الاقصى والدعوة الى اقامة الصلوات اليهودية فيه. 

ان رؤية متعمقة لما يجري داخل حزب الليكود واحزاب اليمين الصهيوني الديني وغير الديني، وتصريحات نتنياهو المتكررة بان عمليات الاستيطان والتهويد لن تتوقف في القدس لا بل في كل فلسطين ليدل دلالة واضحة بان المسجد الاقصى في خطر داهم، والايام القادمة ستكون اخطر من الايام الحالية وهذا يجب ان يضع الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والاسلامية ومناهضي الصهيونية ومحور المقاومة عند مسؤولياتهم السياسية والدينية والانسانية لكي نحمي المسجد الاقصى وكل القضية العادلة للشعب الفلسطيني من المؤامرات والخرافات الصهيونية.

 وعلى مستوى داخلي ارى بان كل مشاركة في الانتخابات القادمة والتصويت للقائمة المشتركة هو صفعة مدوية لهذا اليمين الفاشي العنصري، ولكي نزيد من احتمالات سقوط حكومة اليمين برئاسة نتنياهو وحتى لا نبقى على هامش الخارطة السياسية داخل اسرائيل بل نصبح القوة السياسية الثالثة والحاسمة في الكنيست القادمة، وهذا سيكون له تأثيرات ايجابية لصالح القضية الفلسطينية والمنطقة، وطبعا يخدم صراعنا ضد الصهيونية العنصرية ويخدم حقوقنا القومية والسياسية هنا داخل اسرائيل.

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب