news-details
ملحق الجمعة

الذاكرة الفلسطينية في المواجهة بين مفتاح ودبابة (2-2)

يطّلع القارئ، من خلال الراوي العليم، على أحداث هامة تتعلق بناحوم، فيما تبقى أم جاسر خارج إطار هذه المعلومات. يتساوى السارد والمتلقي في معرفة ماضي ناحوم وحاضره، وما حل بالقرية من دمار قبل أن تكتشف مريم ذلك. وكأنّ الكاتب يبحث عن مبرّرات ومسوّغات تبقيمريم في نقاء صورتها النابعة من صدق نواياها، وكي تحتفظ بهيبتها في عين المتلقي، خاصة وأن ناحوم يرتكب الجريمة تلو الأخرى بأمر من أسياده القادة، الذين يُحمّلهم الروائي والراوي، معا، وزر هذه الجرائم.

يشدّ الراوي، المشرف الكلي، الأحداثَ بخيط يراه القارئ ولا تراه الشخصية المركزية، أم جاسر، وفق ما أسماه تودوروف "الرؤية من الخلف"، كما جاء أعلاه، حيث السارد يعرف أكثر مما تعرف الشخصية الروائية. يرتكب الجندي الإسرائيلي الجريمة تلو الأخرى بأوامر عليا، ويقف القارئ وجها لوجه مع كل الجرائم والموبقات التي تُنفّذ بحق القرية وأهلها، فتطرح التساؤلات، في كل مرة هي نفسها: من المسؤول عن هذه الجرائم؟ هل هو الجندي (ناحوم)؟ أم الضابط؟ أم كلاهما؟

يرى القارئ الكثير من الأعمال التي يقوم بها ناحوم:يقتل، ويدمّر، ويحتلّ، ويهدّم بيوتا، ويمسح قرى عن بكرة أبيها، بأمر من أسياده، ويبدو في عين القارئ مجرد آلة كتلك الآلة العسكرية التي يُفعّلها، إذ ليس عفوا أنْ وَضع القائد يده فوق يد ناحوم التي كانت فوق مقبض التفجير، لا يقوى على اتخاذ الخطوة التدميرية، ضغط القائد على يد ناحوم وتطايرت حجارة البيوت حتى وصلت السماء. يتحول ناحوم إلى آلة قتل وتدمير يتساوى مع آلاته العسكرية، هم يفعّلونه وهو يُفعّل آلاته.

تقابل مريم ناحوم في ثلاث مراحل من حياتها؛ صغيرة، كهلة وعجوزا، ويمتد الزمن أربعين عاما، منذ فقدت بيتها وموطنها، ولم تتغير قناعاتها، فتمكنت من أن تكون النموذج الذي لا يلين في وجه الرياح والصعاب، رأى أبناؤها وأحفادها وأبناء قريتها بأم عينهم التحام أم جاسر بأرضها وقضيتها بعد أربعين عاما، فأورثتهم لا ذاكرتها فحسب، بل أورثتهم معنى الكرامة والإخلاص والشهامة والتحدي والصمود. هذا الصورة التي رسمتها الأحداث لأم جاسر هي التي تنطبع في ذهن المتلقي، كما انطبعت في ذهن الأولاد والأحفاد. بل إن المتلقي ليتعامل مع أم جاسر، في كل مواقفها، بنفس الطريقة التي يتعامل معها من يحيط بها من أبناء ومحبين، ويزداد التلاحم وينمو أكثر حين تدخل في مرحلة التوهج والهذيان.

يطّلع المتلقي على كل الأحداث، فتنتصب أمامه صورة سيدة عربية فلسطينية قوية ملتحمة بالأرض وبقضيتها الكبرى،هذه القوة وهذا الإيمان بصدق القضية أتاحا لأم جاسر أن تتمكن، اعتمادا على الذاكرة، من إعادة بناء القرية؛ محافظة على المفاتيح وظلالها.

تتقاطع الرواية في بعض محطاتها وأحداثها،وفي بعض رؤيتها، مع رواية "عائد إلى حيفا"، إذ بعد أن نجت المرأة اليهودية من المذابح النازية، أقنعتها الوكالة الصهيونية بضرورة ترك بولونيا والانتقال إلى "أرض إسرائيل"، "أرض الآباء والأجداد". يُحمّل كلا الراويين في الروايتين، وكلا الروائيين، غسان كنفاني وإبراهيم نصرالله كاملَ المسؤولية للذين ينظّرون، والذين يقنعون اليهوديّ أنّ له حقا تاريخيايقوم على رؤية مؤدلجة هي الرؤية الصهيونية. ويصبح الصراع بين رؤيتين متناقضتين، وبين أيديولوجيتين متناقضتين، فيها، وفْقَ رؤية الكاتب الفلسطيني، جلاد وضحية.

خلاصة

يجنّد الكاتب الذاكرة كتقنية، فلا يتعامل معها كعملية عادية تحدث لنا كل يوم، بل يوظّفها كفعل سيكولوجي ليدخل في أعماق القضية الفلسطينية، التي بدأت أصولُها تتفاعل حين فقدَ الإنسان الفلسطيني أهمَّ ما يملك: بيته وناسه، وما يترتب من انعكاسات نفسية وجراح لا تندمل مهما طال الزمن. إنّ "ظلال المفاتيح" هي رواية الذاكرة الحية التي تتفاعل يوميا، فينتقل الجرح من جيل لجيل، لتبقى القضية حية.  

وظّف الروائي إبراهيم نصرالله الراوي المشرف الكلي، الذي يحرّك الأحداث ويعلّق عليها، من الخارج والداخل.أما توظيف الحوار والمونولوج والاسترجاع والذكريات فلم يقلّل من هيمنة صوت الراوي المشرف الكلي، فبدا يتحرك إلى جوار الشخصيات؛ خلفها وأمامها، خارجها وداخلها. أما الحوارية الأساسية في الرواية فهي تتمحور حول الرؤية الفلسطينية والأيديولوجيا المؤمنة بالحق التاريخي، والرؤية الصهيونية والأيديولوجيا المؤمنة ب"أرض الميعاد". فكان الصدام بينهما حادا عبر مواجهات مؤلمة أدّت إلى قتل الفلسطيني وتدمير قريته وتهجيره من وطنه، وانتصار الآلة العسكرية الصهيونية، في مقابل انتصار الفكر الفلسطيني في تحقيق نصر "عجائبي" لا يحدث مثيل له في الأساطير. وبدت الأيديولوجيا الصهيونية مبنية على خرافات.

إن العنوان،"ظلال المفاتيح"، ذو أبعاد دلالية، سيميائية وعاطفية. فالمفتاح يرتبط ارتباطا مباشرا بالإنسان الفلسطيني دون غيره من الشعوب قاطبة وبات رمزا لوطن كامل. والظلال تشير، في دلالتها، إلى شيء موجود لا نراه ولا نلمسه، لكنه في الوقع هو ظل لشيء موجود، مرئي وملموس. هذه الظلال انعكاس للفضاء، بكل ما تعنيه الكلمة في المفهوم الأدبي، وفي البعد السيكولوجي. وبما أنّ للحجر، مهما صغر، ظلاً، فإنّ ظلال الوطن باقية في الذاكرة. 

يحقق إبراهيم نصرالله في ثلاثية "الأجراس" مشروعا نهضويا فكريا، حين يواجه المحتل الإنجليزي والإسرائيلي مواجهة فنية بالرسم والنحت والتصوير والغناء، وبالتصرف الإنساني العفيف، لتُلغى فكرة تشويه صورة الفلسطيني الذي صوره الآخر قاتلا، ومتخلفا فكريا، يعيش خارج إطار الحضارة.

إن توظيف الفانتازيا خاصة في نهاية الرواية، لهو وسيلة ذكية من الكاتب كي ينقذ فكرته الرئيسية التي بنى عليها روايته: قوة الفلسطيني، في مقابل الضعف الإسرائيلي. من شأن هذه الثنائية أن تضعف عصب الرواية، وقد تبدو ساذجة في طرحها، حين تنتقل الفكرة إلى المتلقي الذي يعيش الواقع بعيدا عن الحلم، وهو يرى غلبة الآلة العسكرية الإسرائيلية على أرض الواقع. جاءت الفانتازيا لتنقذ الحلم الفلسطيني، والذاكرة الفلسطينية. فإن كانت آلة الحرب قادرة على قتل الجسد وتهديم البيوت والقرى لكنها ليست بقادرة على قتل الحلم ووأد الذاكرة.

اختار الروائيُّ أن تكون بطلة الرواية امرأة فلسطينية وليس رجلا مقاتلا، وبنى شخصيتها بشكل ممنهج ثابت، بحيث جعلها لا تتبدّل مواقفها ولا تتغير مع مرور الزمن، فتحولت إلى رمز لكل أم فلسطينية لا تتنازل عن مشاعرها الإنسانية رغم القتل والتدمير والتهجير والهجيج، مع الإبقاء على صرامتها وإيمانها العميق بهويتها وإرادتها، في مقابل أم يهودية تنازلت عن إنسانيتها إثر ما تعرض له شعبها من قتل وتدمير في موقع آخر، وعلى يد شعب آخر، فجاء انتقامها من شعب لم يكن عدوَّها في يوم من الأيام. وبالتالي تصبح المواجهة بين فكرين متناقضين وشخصيتين متضادتين تمثلانه امرأة فلسطينية تؤمن بقيم العدالة والإنسانية، وأم يهودية تؤمن بمبدأ المصلحة الخاصة على حساب القيم الإنسانية.

بدت الأم الفلسطينية صلبة في مواقفها تحتفظ بالمفتاح معلقا في جيدها لا يبرحها، وبدا الجندي مترددا مهزوزا ومُقيّدا، غير قادر على مواجهة الفكر بالفكر. ينتصر الجندي بدبّابته، التي ترافقه حيثما سار، بكل ما تحمله من دلالات سلبية تهديمية، وتنتصر الأم الفلسطينية بمفتاحها، بكل ما يحمله من معان ودلالات إيجابية عمرانية. فبدت قادرة على تجاوز القيود نحو الخلاص واجتراح المعجزات؛ فينتصر المفتاح على الدبابة.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب