news
ملحق الجمعة

الذكرى الماجدة الرابعة والأربعون ليوم الأرض الخالد

مع حلول ذكرى يوم الأرض الماجدة وعشية كل ذكرى من كل سنة، تتوثّب ذاكرتي فتجمح من عقالها لتعود بي إلى الوراء، حيث ملحمة يوم الارض في آذار سنة 1976. وقد فرض هذا الواقع ان يكون هذا الحدث علامة فارقة في صنع مرحلة جديدة هامّة من تاريخ جماهيرنا العربية، وينقلها بدوره نقلة نوعية ذات واقع جديد، وان تلك الاحداث الأثيرة والمثيرة التي عايشتها في عرابة/ لحظة بلحظة وهجمة بهجمة وغارة بغارة وأنا ( كشاهد شاف حاجة) عادت بي الذاكرة فانتصبت امام ناظري ثلاثة مشاهد جديرة بالذكر.

 المشهد الاوّل كان في 76/20/5 عندما أبلغت السلطات الحكومية السلطة المحلية برسالة موجهة الى رئيس المجلس المحلي آنذاك السيد محمود نعامنة رحمه الله، تبلغه فيها حظر دخول المواطنين الفلاحين الى منطقة (9) حسب القاموس العسكري وهي أرض المل، وتنص الرسالة بفحواها الملغوم أن من يدخلها يعتبر كمن يدخل ثكنة عسكرية. حينها دعا رئيس المجلس الى جلسة طارئة أبلغ فيها الناس بهذا الفحوى الطارئ، فانتفض أعضاء كتلة الجبهة في المجلس المحلي، وبعد دراسة عميقة لفحوى الرسالة كان الاستنتاج ان السلطات الحكومية تبيت نية خبيثة لمصادرة الأرض. وقام أعضاء كتلة الجبهة في المجلس المحلي الممثلة بالرفيق فضل نعامنة وخالد موسى بدارنة محمود وكاتب هذه السطور بنقل القرار المجحف الظالم إلى هيئات الحزب الشيوعي والجبهة في القرية.

 وبعد دراسة عميقة لأبعاد هذا القرار وما في طياته من خطورة، تضافرت الجهود لصد هذه المؤامرة الخسيسة، فقرر الحزب ان تتخذ الخطوات التي تعمل على تجنيد الجماهير وتوحيد صفوفها مع أعضاء المجلس المحلي في وحدة صف متكاملة ووضع الخلافات التي نشأت في القرية في أعقاب حملة الانتخابات للسلطة المحلية في معزل خاص. وقد تفاعل رفاق الحزب بنشاط جارف وبهمة عالية وانتشروا بين الجماهير يرفعون راية الوعي والنضال، وكانوا مثل خلية النحل وقد أثمرت تلك الجهود عن تجلي وحدة الصف الشاملة في المجلس وبين الجماهير للتصدي لقرار المصادرة الرهيب.

 وبدأ بعد هذا النجاح العمل على رص صفوف رؤساء الثلاث مجالس محلية، عرابة، سخنين ودير حنا وبالفعل نجحت المحاولة، وكانت ضربة قاصمة للسلطات الحكومية التي دأبت على شق الصفوف والتفرقة واستعر النضال في مثلث يوم الارض ضد قرار المصادرة.

والمشهد الثاني في يومين كانا حاسمين ضمن معركة النضال يومي 28 و29 من شهر آذار ، الأول الذي وقف فيه محامي الارض الاستاذ حنا نقارة أمام الجماهير المحتشدة في نادي "الهستدروت" في عمارة السيد توفيق رباح ابو محمود وراح يزأر بصوته كالأسد، متناولًا سياسة حكام اسرائيل من قضية مصادرة الأراضي العربية الممنهجة منذ قيام الدولة، وسن قوانين المصادرة العديدة والمختلفة، والتي من ضمنها هذه السياسة التي خُطًت لمصادرة أرض "الملّ" بذريعة أنها أرض بور، أو أنها كانت منطقة تدريب للجيش البريطاني، حينها هبت الجماهير تعارض هذه ا السياسة الظالمة.

 وفي سبيل ردع السلطات عن مخططها المجحف أعلنت قيادة الجماهير العربية الاضراب في يوم الـ 30 من آذار 76، فجن جنون السلطات، راح نقارة يحرضّ الجماهير والشباب على التمرّد ضد اسلوب الترهيب، وأن يعملوا على تنفيذ الاضراب الذي عارضته السلطات واوضح انها سخّرت جميع وسائل إعلامها تنذر بالويل والثبور لمن يتجرّأ ويستجيب لدعوة اللجنة القطرية للدفاع عن الارض بتنفيذ الاضراب. 

 وأطنب أبو طوني بكلماته البتارة الحادّة التي تحوّلت إلى شحنة اججت في الحشد الحماس، لتكون الجذوة التي اشعلت لهيب الحمية عند الجماهير المحتشدة شيبا وشبابا لينتزع من داخلهم عنصر الخوف الذي زرعته وسائل الاعلام في النفوس. وما ان انتهى من خطابه الناري وانفضّ الاجتماع حتى تدافع الشباب لينتظموا وينطلقوا في مظاهرة حاشدة من ساحة النادي، تهتف بالروح بالدم نفديك يا جليل، على مرأى ومسمع من الجنود الذين كانوا يعبرون الشارع العام القريب من مكان الاجتماع بأرتال مجنزراتهم في طريقهم الى ارض المل غير مكترثين لتهديدات السلطات، مما حمل رئيس المجلس المحلي ومعه الأعضاء أن يسارعوا ليردوا جماهير الشباب المندفعة نحو المجنزرات خشية الصدام مع الجنود.

اما المشهد الثالث من ملحمة يوم الارض وهو يوم 29/3 وفي يوم ربيعي كانت السماء زرقاء صافية والشمس تسير ببطء نحو المغيب والأرض ترتدي حلتها الخضراء الجميلة ونسائم عليلة منعشة تهب بين الفينة والاخرى تحرك أفنان اشجار الزيتون الباسقة، كوكبة من فتيان وشباب القرية تواجدوا متحدّين كل وسائل الترهيب والتخويف والمجنزرات وناقلات الجنود التي تمر من هناك.

على الشارع الذي يربط قرى سخنين عرابة وديرحنا في طريقها الى أرض "الملّ" المستهدفة بالمصادرة، ومن هناك الى قمم الهضاب والجبال المحيطة بقرى مثلث يوم الارض صمت رهيب وهدوء مريب حطمه صراخ الراعي احمد خليل عيادة رحمه الله، العيّ المعروف باحمد (عبراني) الذي جاء من الشمال يقود قطيعه من الابقار والاغنام يصرخ ويلجلج هائجا غاضبا منفعلا شاتما ام اليهود، أخذوا الأرض وطردوني من هناك.

 تحركت الكوكبة بهتاف بالروح بالدم نفديك يا جليل، "وأرض الملّ لاصحابو مش لرابين وكلابو"، وليُطلق سراح فضل نعامنة عضو المجلس المحلي وعضو لجنة الدفاع عن الارض القطرية وكانت السلطات قد اعتقلته اعتقالا احترازيا فجر يوم 29/3 ، لم تتقدم الكوكبة عشرات الامتار حتى تدفق أعضاء الشبيبة الشيوعية من بيت سكرتير الشبيبة كمال محمد جراد نعامنة المحاذي للشارع ومع غزارة الهتافات وزخم الحماس اخذت الجماهير تنضم الى المظاهرة التي جابت الازقة والحواري مرورا بمركز القرية باب الزاوية لتلتف الى الجهة الغربية في طريقها الى مدخل القرية الشمالي، حيث انطلقت، فجن جنون الجنود وكانت الشمس قد افلت لتترك الظلام يغشو القرية حتى تكون فرصة سانحة لتسلل الجنود.

 وعندما وصلت المظاهرة بالقرب من محطة وقود "سونول" أخذ الجنود الذين ترجلوا يمطرون المتظاهرين بوابل من الرصاص الحي ومن جرّاء هذا الهجوم الأرعن على المتظاهرين أصيب عدد من الشباب، كانت جراح الشاب اسماعيل شحادة نعامنة -رحمه الله-في بطنه خطيرة، ونقل على أثرها للمستشفى. فتفرق الشباب وعادوا للتجمهر مع المئات من المواطنين باب الزاوية، فلم يكتف الجنود بهذا الاعتداء الخسيس حتى دفعهم صلفهم ان يواصلوا عدوانهم بملاحقة الشباب الى عقر دارهم في مركز القرية باب الزاوية، وعندما شاهدت الجماهير المحتشدة والتي كانت تدرك عدوانية الجنود المتربصين لهم بكل ما لديهم من سلاح، يتقدمون يطلقون الرصاص نحو الجماهير هبت الحمية من الرجال والنساء والشباب الذين كانوا مدججين بالفؤوس والمناكيش والشواعيب والمذاري والمناسيس والطواري والحجارة، وهجمت الحشود ليصدوا الجنود ويغمونهم على التراجع على اعقباهم خاسئين.

 تجيء هذه الذكرى في هذه السنة التي حققت فيه جماهيرنا انتصارا باهرا، فتبًا لوباء (الكورونا) الطاغية الذي جاء بعسفه الجبار ليحول دون تحقيق آمال الجماهير للتعبير عن فرحتها العارمة بفوزها المؤزر في معركة الانتخابات، الأمر الذي عطّل تنظيم مهرجان شعبي، بهيج وجبار تعبر فيه جماهير القائمة المشتركة عن وحدتها وانتصارها، ولإحياء الذكرى العطرة الرابعة والاربعين، وإيفاء منها احناء هاماتنا أمام أضرحة الشهداء إجلالا واكبارا لهؤلاء الذين روّوا الأرض بدمهم الطاهر.

 عاش يوم الأرض الخالد ولتبقى ذكراه وذكرى الشهداء خالدة.

(عرابة)


 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب