news
ملحق الجمعة

الرفيق جمال موسى، أممية، عصامية، أرْيَحيّة

أتهيب من الكتابة عن الرفيق جمال، الحديث عنه اسهل، لذلك اكتفي بانتقاء القليل القليل، من مشوار تجربتي الشخصية معه، شذرات وسطور، لم يؤخذ حتى التواصل والترتيب الزمني بعين الاعتبار في هذه الكلمات.

عقود عديدة من التعرف عليه والعمل بقيادته، لم تساعده الظروف الحياتية والمعيشية في التحصيل العلمي. ثقّف نفسه وتعب عليها، حتى وهو يعمل في البناء – طوبَرجي - ، كان يستغل كل سانحة للقراءة، وليس فقط باللغة العربية بل والانجليزية على قدر الامكان.

كان اول سكرتير لمنطقة عكا الحزبية، بعد ان كانت قطاع الشمال ضمن منطقة الناصرة الواسعة.

لم يكن هناك مكتب، كانت اللقاءات والاجتماعات تعقد في بيته المتواضع قبالة البحر، وشريكة حياته الرفيقة سلوى تقوم بالواجب. أحب البيت وموقع البيت وكان شبه مدمن على السباحة.

تدرج في المسؤوليات الحزبية، من عضوية لجنة مركزية، الى سكرتارية المركز والمكتب السياسي، وقد يكون المجال النقابي هو ميدان نضاله، لكن ليس على حساب التنظيم الحزبي، كان ممثلا للحزب في الهستدروت، يعود من المؤتمرات والاجتماعات هناك مبحوحا وهو يجادل ويقاطع قيادة الهستدروت امثال كيسار وميشيل.

في معارك الانتخابات والتجنيد لأول أيار وجمع الحملة المالية وتوزيع جريدة الاتحاد، كانت تعقد في المكتب اجتماعات قصيرة للمحترفين، بعدها "يطرد" الرفاق من المكتب للعمل في الفروع وبين الناس، نعم "يطرد" الرفاق، احيانا يجر البعض من الكتف، روحوا على الفروع وبين الناس..

كان مكتب المنطقة عنوان للعمال، يسجل القضايا، ويكتب الرسائل. في تحالفات المجالس المحلية وتعقيداتها، كان ينطلق من الحفاظ على النسيج الاجتماعي والعلاقة مع الجمهور الواسع، وكم حدث من نقاش ضاج وصاخب في هذا الموضوع مع بعض الرفاق واهمية التحالف حتى مع رؤساء لا يحبون الشيوعية، ويُقنع، يُقنع بقوة.

وَجِّهوا النضال ضد الحكومة، حتى اذا لم تنبت الخبّيزِه في حواكير البعنة بكون الحق على الحكومة.

كان يطّلع على كل منشور من لجنة الإعلام في الانتخابات العامة، خوفا من ملاحظة، أحد الرفاق الشباب كتب منشورا قال فيه عن احد الوجهاء من مرشحي الحكومة: هذا مشهور بالطبخ الشرقي!! فمنع توزيع المنشور.

في واحد من خطاباته امام الشبيبة قال: السيد المسيح نبي كل العرب، النبي محمد نبي كل العرب، النبي شعيب نبي كل العرب، تآخوا وتوحّدوا..، كان حذرا ويقظا من أي مسّ برجال الدين، وأي مس شخصي بأي انسان، وكم من احداث مؤسفة وقعت في قرانا بعضها بإيعاز واضح وعلني من السلطة وعمل الكثير على حصرها وتطويقها.

لم يكن يطيق النشرات والمناشير تتكدس في المكتب، مكانها في أيدي الناس وليس هنا.

إذا نجح رفيق في عمله وجاء فرحا مسرورا، كان اولا يقدر العمل والرفيق بلا بخل ولا تحفظ، لكنه يلاحظ، نعم، وبالامكان ان يكون أفضل.

"سبحتُ" عدة مرات في نهر النعامين لأتناول جريدة الاتحاد الآتية من حيفا الى عكا!! قالها امامنا عدة مرات.

في بداية نشاطه السياسي وقبل ان يجري التعرف على لحن نشيد الأممية كهذه الايام، أنشد الأممية على لحن "المحوربة" والهتاف. الرفيق ماير فلنر سأل الرفيق توفيق طوبي: ما هذا النشيد!! فرد توفيق طوبي: هذه أممية جمال موسى.

رأى في سكرتير الهيئة والفرع عاملا هاما في النشاط او ضعفه ما له من دور فقال: اولا يجب ان نسأل: كيف حالَك يا سكرتير!!

تحدث وفاة او مرض لأحد الرفاق، كان اول من يقوم بالواجب ثم يعمّم الخبر على الفروع، كل الفروع، كانت صلته وتواصله مع الفروع والرفاق، متينة بلا انقطاع.

أولى اهتماما خاصا للشبيبة الشيوعية وجيل الشباب وضرورة التثقيف، والثقافة والفن، من اناشيد وغناء... بما يتلاءم وروح الشباب ولما لهذا المجال من أهمية كبرى، ابتهج جدا عندما أقمنا فرقة مسرح في المنطقة – وعرضت مسرحية "الفيل يا ملك الزمان" في قاعة سينما بستان، من تأليف سعدالله ونّوس وكذلك مسرحية "رأس المملوك جابر" لنفس المؤلف، ويشارك فِرق الدبكة ببهجة.

قدّر انتاجنا الأدبي من شعر ونثر، يقرأ القصيدة والقصة، ويكيل المديح والاطراء، مع بعض الملاحظات، كان ذواقا، وكتب عدة قصص، لم ينشر قصة "سعيد والقنبلة" بعد ان كتبها، يبدو انه رأى في مضمونها وهدفها ما لا يتلاءم مع خط الحزب والكفاح السياسي.

أهديته مجموعتي القصصية بعنوان "ريح الشمال" في غلافها الاحمر فتاة فلسطينية مع بندقية، شعرت انه تضايق، لماذا يدأب الرسامون على اظهار فلسطين بصورة فتاة مع بندقية!!

بعدها قرأت في المراجع اللغوية ان ريح الشمال لها معنى آخر، وهو كلمة نابية لا تسجل على الورق، وهات يا ضحك، كان يتقن الضحك ان صحّ التعبير.

وقعتُ في ورطة عندما سألني: كم عدد اعضاء لجنة منطقة الشبيبة!! نسيت العدد فقلت 25 بالتقريب فقال عاتبا: كما قال ستالين: أنتَ قائد بالتقريب!!

عندما انتخبتُ سكرتيرا لمنطقة عكا للشبيبة الشيوعية كان يرافقنا الرفيق نمر مرقس ويحضر اجتماعاتنا بما له من كفاءة وتجربة. جاء الرفيق جمال وقال له:

أتركهم لوحدهم، حتى لو اخطأوا، وجودك معهم يضعف ثقتهم بأنفسهم.

عندما شكلنا وفد منطقة عكا للمشاركة في المهرجان العالمي للشبيبة والطلبة، تحفّظ على رفيق واقترح رفيقا آخر، لكنني تمسكت برأيي وهددت بالاستقالة!!

بعتب وأمل ومحبة وغضب وتوجيه قال لي: 

يلّله اكتب ورقة استقالة، هكذا ترى عضوية الحزب وتحمّل المسؤولية!! بهذه السهولة، إخجل!! انا متأمل فيك.

ارتأى الحزب ان يرشح في قائمة المرشحين للكنيست وفي المكان العاشر الذي اعتبر متقدما، احد اثنين إما سميح القاسم او محمد نفاع، كان يبدو انه متضايق في سكرتارية المنطقة بسبب تباين آراء الرفاق فقلت أنا: الشاعر سميح القاسم هو الأنسب في هذا المجال الجماهيري مني أنا.

ارتاح جدا وقال: اسمعوا يا رفاق ما يقوله الرفيق محمد!! كل الاحترام لك أيها الرفيق.

امتشق السلاح مع آخرين دفاعا عن الجليل في مواجهة قوات "الهجانا" الصهيونية، عندما وقف قادة جيش الانقاذ ذلك الموقف الحقير وظل يفتخر ويعتز بذلك ولا يبخل ابدا في ادانة الرجعية العربية ومواقفها الخيانية بإمرة الاستعمار ومعها الصهيونية.

وعندما طلب احد قادة جيش الانقاذ في قرى الشاغور من السكان المكوث في البيوت وإطفاء الانوار لأن تعزيزات عربية آتية من الشرق سألوا هذا القائد: هل ستكون وجهتكم الى الغرب للدفاع عن قرى الشاغور او الى الشرق للانسحاب!!

وكان الانسحاب وتسليم فلسطين.

لن أتطرق الى فترات السجن للرفيق، ولا لدوره في تمثيل الحزب في المؤتمرات الدولية، هي سيرة ومسيرة مشرّفة تطول، لا أعرّج عليها.

عندما غزا المرض الخبيث جسمه السليم وقامته الممشوقة، وبان الطّفح على وجهه المعافى البشوش خاف ان يصل هذا الطفح الى عينيه ويُحرم من البصر، ومن القراءة، حتى عندما دبّت صُفرة المرض على وجهه ظل يقوم بواجبه الحزبي والاجتماعي بقدر الامكان.

في مستشفى الجليل الغربي في نهريا طلب مني ان أبقى، وقدم لي العديد من الملاحظات والوصايا حول مختلف القضايا، وتقدير بعض الرفاق ونقاط الضعف، حملتها أمانة دون ان أبوح بها، تعاملت معها، وكم كانت صائبة ودقيقة بمجملها.

منكَ سمعت لأول مرة عن النقابي الشيوعي فخري مرَقة، وعن الـ "سي جي تي" التنظيم النقابي في فرنسا، وعن معن بن زائدة، ومثل: رُبّ شانئة أحن من أم.

في اجتماع انتخابي في احدى قرى الشمال، الخطيب المحلي "لا خلّى ولا بقّى" لوجهاء القرية، تضايقت جدا وبدأت تهز رجليك على المنصة وتكلم نفسك وتقول: 

"هذا الحكي عمبخسِّرنا صْوات". في كلمتك حصرت التحريض على السلطة.

في اختيار الطلاب للدراسة في الاقطار الاشتراكية قلت: يجب النظر الى قرية يركا وفرع يركا كمنطقة تطوير -أ- لِما لها من مكانة وتأثير وأخلاقيات قيميّة، وفعلا سافر من يركا تسعة طلاب.

أنا الرفيق محمد نفاع كذبت ثلاث كذبات خفيفة بسببك وإلحاحِك، هي أقرب الى المزحات، قفرتَ منها كذبتن، ببسمة صفراوية كانت أشد علي من أية اهانة، أما الثالثة فاعترفتُ بها بعد وفاتك ولليوم نتندّر أنا والرفيق ضحية كذبتي.

عرفتَ الرفيق سليم القاسم في اجتماع قديم من اول جملة نطقها دفاعا عن العمال، قبل ان تتعارفا.

لُمت وأشفقت على الرفيق "علي يعطه" امين عام الحزب الشيوعي في المغرب – مراكش، بسبب ميله الى المهادنة مع الملك والنظام.

ومنكَ عرفت كيف قُتل الرفيق فرج الله الحلو، وأذابوا جسمه في الحوامض.

كنتَ أحد المبادرين لإقامة لجنة المبادرة العربية الدرزية، حيث ان غالبية القرى الدرزية وأهلها في نطاق منطقة عكا الحزبية.

يوم وفاة فؤاد نصار – دبّيت الصوت – على كل فروع المنطقة وحالا، لإقامة اجتماعات التأبين لهذا القائد الشيوعي الفلسطيني.

هي ذكريات، واقتباسات، وشهادات يا رفيق جمال، يا من خطبتَ للتّوتة في البقيعة، ويا من أطلقت لقب - الفيتكونغ – على احد الشباب عندنا في القرية واسمه سلمان.

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب