news
ملحق الجمعة

العظماء 17| سبارتاكوس المصارع الثّائر (1)| علي هيبي

المقدّمة أحيانًا ليست هامّة بل ضروريّة:

يحقّ لنا كعرب ننتمي إلى حضارتنا العربيّة الّتي نهلنا منها معارفنا، وفيها ومنها تشكّلت شخصيّاتنا الثّقافيّة، وعلى سطوع بدور علومها وانبثاق نور معارفها انبنت النّهضة الثّقافيّة في أوروبا في العصور الحديثة بعد أن كانت غارقة في ظلام وجهل دامسيْن. وأنا أحبّ أن أسمّي حضارتنا أو نعتها بالعربيّة لتكون أشمل إنسانيًّا وقوميًّا وأعمق مجدًا واعتزازا عربيًّا، مع أنّ الإسلام كدين وثقافة ولغة قرآن مركّبات أساسيّة في حضارتنا العربيّة وفي شخصيّتنا القوميّة. يحقّ لنا كعرب أن نعتزّ بالعظماء من علمائنا وفلاسفتنا وأدبائنا وهم كثر، والعالِم والمؤرّخ والفيلسوف "ابْن خلدون" (1332 – 1406) من أشهرهم وهو واضع الأسس العلميّة لكثير من العلوم الحديثة كعلم الاجتماع وعلم التّربية وعلم النّفس، ولكنّه برز في وضع الأسس العلميّة لمناهج بحث التّاريخ وكتابته، لتكون الحقيقة قد استوطنت فكرتنا ومعلومتنا تلك عنه استيطانًا جميلًا، وليس كاسْتيطان احتلاليّ ظالم وقذر كالاحتلال الإسرائيليّ في فلسطين ومن على شاكلته من قاذورات.

وهي حقيقة مجد وفضل جاء على ذكرهما الفيلسوف "فريدريك أنجلز" (1820 – 1895) أحد أقطاب الفكر الماركسيّ فقال: "إنّ اكتشافات العرب في القرون الوسطى ولو كانت متقطّعة فإنّها بالغة الأهميّة في مجال الفلسفة الطّبيعيّة والتّاريخ"، وأظنّ وبميل إلى التّأكّد إنّه يقصد "ابن خلدون" الذي سبق "ماركس" (1818 – 1883) بخمسة قرون تقريبًا في وضع أسس المادّيّة التّاريخيّة، وتخليص الحقائق من الخرافات وجعل العلّة التّاريخيّة ترتبط جدليًّا مع معلولها، وهما أساسان علميّان لكتابة التّاريخ لخّصهما في مقدّمته الشّهيرة لكتابه الكبير، بعنوان "المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السّلطان الأكبر". وتظلّ "المقدّمة" هي مؤلّفه الأهمّ والأبرز علميًّا، دون إغفال للحضارات الإنسانيّة التي نهلت منها الحضارة العربيّة أيضًا، ولا شكّ أنّ للفكر الهيلينيّ: اليونانيّ والرّومانيّ أثرًا بارزًا في حضارتنا وقد شكّلت الهيلينيّة مركّبًا أساسيًّا من مركّبات الثّقافة الإسلاميّة مع بداية تكوّن المجتمع العبّاسيّ وتبلوره في القرون الوسطى، كما وصف "أحمد أمين" في كتابه الشّهير "ضحى الإسلام". لا ننكر أثرهم وبصماتهم كما حاولوا أن ينكروا أثرنا العظيم ويمحوا بصمات ثقافاتنا العصيّة على التّغييب والمحو، المحفورة في صفحات علومهم ومعارفهم كنقوش على أخشاب وصخور.

 

الفكرة لا تولد من فراغ:

إنّ المصادر التي تستمدّ منها الأفكار ومضامينها كثيرة ومن أشهرها ستّة: الأسطورة والتّاريخ والواقع والخيال والتّجارب الشّخصيّة والعقل الباطن. في كتابتي عن العظماء قد اعتمد على جميعها ولكن بتفاوت ما في استخدامها وفي أهمّيّتها، لأنّني أرى في هذه الكتابة ثلاثيّة الأبعاد والأشكال والمضامين، ففيها موضوعيّة الدّراسة ونزاهة توخّي الحقائق والتي تتشابك مع فكريّة المقالة ومعطياتها الدّلاليّة العامّة ومن ثمّ تمتزجان مع ذاتيّة الخاطرة وما فيها من آراء ومواقف خاصّة، كلّ ذلك يدخل في ((mixer خلّاط وجداني أنا الدّاخلي وعقليّتي ولا شعوري كذلك، وليكن بعد الخلط والخفق ما يكون من خلق أدبيّ، واضعًا أمامي كالعادة وككلّ كاتب غايتي بتوصيل الإبداع إلى القارئ ساعيًا لإحداث الفائدة عنده وخلق الإمتاع فيه.

فالتّاريخ ودقّة أحداثه أهمّ عندي من الأسطورة دون إغفال أنّ الأسطورة كذلك قادرة أن تكشف عن حقائق وأوضاع ومعطيات على غاية من الأهميّة، والواقع أهمّ من الخيال في اكتشاف الأحداث كالحروب والثّورات والانتصارات والانكسارات، ولكنّ الخيال هو الآخر قادر على رفد صور ومعطيات مأمولة أو مخيفة، أمّا التّجارب الشّخصيّة سواء كانت للكاتب أو للمكتوب عنهم فهي مصدر على قدر هائل ومفيد لتلمّس التّميّز والعظمة التي جعلت العظيم متألّقًا في الأمجاد والأفعال والمشاريع والإنجازات. فهناك كثير من المسيحيّين المؤمنين الملاحقين ولكنّ "المسيح" الذي صلب واحد، وهنالك كثير من المسلمين المعذّبين والمنتصرين ولكنّ "محمّدًا" صاحب الكهف والنبوءة واحد، وكثير من السّود المضطهدين والمناضلين ولكنّ "مارتن لوثر كينغ" القائد واحد وَ"نيلسون مانديلا" أعظم السّجناء واحد، وكثير من الرّؤساء والملوك العرب ولكنّ العروبيّ حتّى الموت "جمال عبد النّاصر" واحد، وعبيد روما الثّائرون كثيرون ولكنّ "سبارتاكوس" المصارع المتميّز الثّائر واحد.

ولقد قضت التّجارب التّاريخيّة والنّظريّات الدّيالكتيكيّة بأنّ الصّراع واحد، وأنّ أحد أبرز قوانينه "وحدة الأضداد وصراعها"، الجمهوريّة الرّومانيّة وفقا لبعض الروايات ظالمة ومنذ قيامها امتازت بالتّوحّش نحو الخارج ونحو الدّاخل بالأساس. ماذا تريد من جمهوريّة تقول أسطورتها: نشأ مؤسّساها، "روموس" (771 – 753 ق.م) وتوأمه "رومولوس" (771 – 717 ق.م)، على رضاعة ذئبة، وأبوهما كما يذكر في الأسطورة "مارس" إله الحرب، وبعد التّأسيس تخلّص "رومولوس" من أخيه الضّحوك والمستهزئ الذي لا ينفع لشيْء وحكم البلاد لمدّة أربعين سنة وبدأ بتوسيع الحدود وزراعة المحاصيل وتطوير العمران. هذه بدايات روما، فماذا سنشهد في نهاياتها! وإذا عاش الظّلم الرّومانيّ في دائرة الواقع الاجتماعيّ والسّياسيّ، فلا بدّ من نقيض يعايشه ويصارعه، كما يقضي ديالكتيك التّاريخ والحياة، وينسحب ذلك على المجتمع والطّبيعة والوجود الإنسانيّ. إذا كانت روما محتلّة وظالمة فلا بدّ من مواطنين مظلومين في الدّاخل وأعداء متربّصين في الخارج، وإذا كان أسياد روما يمارسون ظلمهم واستغلالهم الفعليّ كسلوك دنس، فلا بدّ من عبيد مستغَلّين سيحسّون بالظّلم والاستغلال وسيسلكون في طريق النّقاء والطّهارة والثّورة وسيقاومون وسينصرون.

 

تجربة معرفتي بالبطل:

سمعت بالاسم "سبارتاكوس" لأوّل مرّة وأنا في الصّفّ العاشر، كنت في الخامسة عشرة من عمري، عندما كان جزءًا من مادّة دروس تاريخ الممالك والشّعوب القديمة كاليونان والفرس والرّومان، كنت أجد متعة في طريقة سرد المدرّس لسيرة ذلك البطل الّذي استطاع أن يقاوم دولة عظمى امتازت بقوانينها الظّالمة واستعبادها للبشر. لقد كان العبيد لعبة مسلّية عندما يتصارعون في الحلبة مع الأسود والنّمور الشّرسة فينتصرون وفي الانتصار نشوة، أو عندما يتحوّلون إلى إرب من اللّحم الممزّق والممتزج مع الدّم، وفي ذلك متعة ملوكيّة منقطعة النّظير، وقد يكون موت الإنسان "المصارع العبد" أقلّ خسارة وتكلفة من موت أسد أو نمر، لأنّ الرّقيق في روما كانوا بكلّ الاختصار والدّقّة "لا شيء"، كانوا أقلّ من سقط متاع.

في سنة (1986) طرت بأوّل رحلة جويّة في حياتي، لأوّل مرّة أركب الطّائرة بلا خوف، فنقلتني إلى "بوخارست" عاصمة "رومانيا"، لم أخف على العكس كان الرّكوب في الطّائرة ووجوه المضيفات الجميلات المبتسمات دائمًا والطّعام والشّراب وركوب السّحاب، كانت كلّها جزءًا من متعة السّفر. كان أخي "د. خالد هيبي" يدرس موضوع طبّ الأسنان في سنته الأخيرة، وكان من الطّبيعيّ أن يكون مضيفي مع مجموعة من أصدقائه الكرام من بلادنا، ويكون أحدهم "ع الفضاوة" في كلّ يوم دليلي ومرشدي السّياحيّ أيضًا. كانت إحدى الفقرات السّياحيّة زيارة مدينة "براشوف" ومنطقة "سينايا" اللّتيْن تتربّعان على أعلى القمم الرّومانيّة، وفي ذاك المكان الشّاهق والرّائع الجمال والطّبيعة الخلّابة دار للسّينما، ولأوّل مرّة أرى دارًا للسّينما بلا صالة، بل كان الجلوس إلى طاولات وتقدّم طعام الغداء أثناء العرض كمطعم كبير، وكان الفيلم المعروض ذلك اليوم لمحاسن الصّدف "سبارتاكوس" الذي أنتجته "هوليوود" سنة (1960) وهو من قصّة للكاتب "هوارد فاست"، وأمّا الإخراج فهو للمخرج "ستانلي كوبريك" وقام بدور البطولة، بدور "سبارتاكوس" الممثّل الشّهير "كيرك دوغلاس"، أمّا الممثّلة "جين سيمونز" فقامت بدور "فارينيا" الحبيبة، وقام بدور القائد الرّومانيّ المستبدّ "كراسّوس" الممثّل "لورانس أوليفييه". كان الفيلم رائعًا وناجحًا فنيًّا، ويقال إنّ تكلفة صناعته بلغت 12 مليون دولار أميركيّ بينما حقّق أرباحًا بمقدار 60 مليون دولار، وهذا وحده يدلّل على عظمة الفيلم وعظمة بطله العبد الثّائر. هذه هي المرّة الثّانية التي أتعرّف فيها على هذه الشّخصيّة العظيمة. لا يقلّ الفنّ عن التّعليم بل قد يزيد عنه في إكساب الفائدة العلميّة والمتعة الفنيّة. منذ كنت طالبًا في الخامسة عشرة تعلّقت بهذه الشّخصيّة المثيرة من التّعلّم في درس التّاريخ، وفي سنّ الثّلاثين تعلّقت بها أكثر من خلال الفنّ السّينمائيّ، والآن أكتب عنها بإعجاب وبحبّ وبشعور بالاعتزاز والانتماء إلى مشروعه الكفاحيّ ومسيرته الثّوريّة كمعذّبيْن في الأرض، وأنا في سنّ الخامسة والسّتّين.   

ولذلك عندما قرّرت أن أتناول شخصيّة هذا المستعبد كأحد عظماء التّاريخ في العقد الكفاحيّ النّظيم وفي سلسلة الأفاضل المؤمنين بالإنسان وحرّيّته وكرامته كأعلى قيمة في الوجود، كان لا بدّ من البحث والتّنقيب عن تفاصيل سيرته وحلقات مسيرته النّضاليّة التي امتدّت على مدى ثلاث سنوات، وعلى ما فيها من أحداث دراماتيكيّة مصيريّة وإنجازات بطوليّة وانكسارات جدّ ماحقة لثورة اجتماعيّة وطبقيّة، ما زال أثرها الكفاحيّ يمتدّ منذ القرن الأخير قبل الميلاد حتّى القرن الحادي والعشرين بعد الميلاد، استطاع فيها الرّقيق في الجمهوريّة الرّومانيّة بقيادة العبد المصارع العظيم "سبارتاكوس" من زعزعة أركانها كدولة ظالمة ونظام حكم مستبدّ وقياصرة متجبّرين وطبقة قليلة من الأسياد المستغِلّين والأغنياء الفاحشين. لقد رأيت في شخصيّته العظيمة كلّ عظماء التّاريخ منذ بدء الخليقة حتّى يومنا الرّاهن.

 

الرّقّ ليس قدرًا:  

كانت الجمهوريّة الرّومانيّة في القرنيْن الثّاني والأوّل قبل الميلاد تحت نظام حكم أوليغاركيّ، ينحصر بيد أقليّة تستأثر بالسّلطة السّياسيّة وتتميّز بالقدرة الماليّة أو النّسب لعائلات عريقة أو بيديْها السّلطة العسكريّة. وماذا بعد! سلطة تتركّز بيديْها قوّة الاقتصاد وقوّة العسكر وقوّة السّياسة، ألن يكون الظّلم والاعتداء والاستغلال والرّقّ نتيجة طبيعيّة! هذه هي الفترة نفسها التي نتحدّث فيها عن "سبارتاكوس" وثورته الطّبقيّة. كانت معاملة الرّقيق تحت شبح حكم هذه السّلطة أشبه ما يكونون كالحيوانات ولهم نفس المصير، وليس لهم من الحقوق شيئًا لا بانتماء لأحد ولا بزواج وعائلة ولا بمُلك ولا بحرّيّة، كان العبد منهم مسلوب الإرادة، مملوكًا لسيّده، يفعل به ما يشاء، يؤجّره، يرهنه، يبيعه، يشغّله، يضربه وقد يقتله. لقد كان الرّقّ بالمفهوم الاجتماعيّ في الجمهوريّة الرّومانيّة في هذه الحقبة التّاريخيّة صورة بشعة لاستغلال الإنسان القويّ للإنسان الضّعيف. لقد تجذّر الرّقّ ورسخت مفاهيمه في المجتمع الرّومانيّ، بحيث صار بعض العبيد يرى بأنّ العبوديّة جزء عضويّ من كيانهم ووجدانهم، ولا يشعرون بأنّهم مظلومون. عبيد ويزيّنون عبوديّتهم!       

في بعض حقب التّاريخ الرّومانيّ، كانت ثمّة عمالة مقايضة متمثّلة في شكل عبيد، وكانت أحد أهمّ أسس الاقتصاد، وكان شراء العبيد يتمّ بوسائل عديدة مثل: الشّراء من تجّار أجانب أو استعباد أجانب بعد أسرهم في الحروب، ولذلك هناك من قدّر أنّ ثلث سكّان الجمهوريّة الرّومانيّة من العبيد، وكان السّيّد من هؤلاء يتفاخر وهو يصطحب في موكب حاشيته 400 عبد. في القرنيْن الأوّل والثاني قبل الميلاد، اهتمّت روما اهتمامًا واسعًا بالغزو العسكريّ، وأدّى ذلك إلى تصدير مئات الآلاف من العبيد العاملين في النّواحي الاقتصاديّة في روما، جُلبوا من المناطق الأوروبيّة والشّرق الأوسطيّة التي استولى عليها الرّومان. قليل منهم عملوا خدمًا أو حرفيّين، أمّا الغالبية فعملت في المناجم وأراضي صقلية الزّراعيّة. على الغالب أنّ "سبارتاكوس" وزوجته كانا من أسرى الحروب واقتيدا كغنائم وبيعا كعبديْن في سوق العبيد، ولأنّ القانون الرّومانيّ يمنع زواج العبيد فقد فرّقت العبوديّة بينهما فرحلت الزّوجة "سورا" وكانت كاهنة مع تاجر سوريّ وبقي "سبارتاكوس" في روما.  

عامل الأسياد عبيدهم بقسوة وظلم كبيريْن، وقد نصّ القانون الرّومانيّ على أنّ العبد ليس شخصًا قائمًا بذاته بل ملكًا لغيره، ويحقّ لسيّده حتّى قتله دون أن تطاله أيّ تبعات قانونيّة. كان العبيد على درجات وأنواع، أقلّهم في المستوى وأكثرهم انتشارًا هم الّذين كانوا يعملون في الحقول والمناجم، معتمدين على قوّة أبدانهم في أداء الأعمال الشّاقّة. هل قبل الرّقيق الرّومانيّ هذا الواقع المرّ والظّلم الوحشيّ كقدر مكتوب، تفرضه أقدار الآلهة وقوانين الجمهوريّة! لا! كان لا بدّ من مقاومة.  

أدّى ذلك الظّلم والقمع العنيف إلى حركات تمرّد، فكانت ثورة العبيد الأولى سنة (135 ق.م) وثورة العبيد الثّانية في سنة (104 ق.م) بدأت كلّ من هاتيْن الثّورتيْن في "صقلية"، حيث شاركت مجموعات صغيرة من المتمرّدين المستعدّين للهرب من حياة العبوديّة الرّومانيّة المتوحّشة. لقد أخذ مجلس الشّيوخ الرّومانيّ هذه الحركات على محمل ما من الخطورة، وتدخّل سريعًا لقمعها، إلّا إنّها لمّا تشكّل تهديدًا خطيرًا. أيّ انتفاضة للرّقيق مثّلت قلقًا للنّظام الظّالم، إنّ أهمّيّة هاتيْن الحربيْن ليس فيما أنجزتاه من مكاسب يسيرة فقط بل في كونهما شكّلتا أرضيّة صلبة لاندلاع حرب العبيد الثّالثة سنة (73 ق.م) بقيادة العبد العظيم "سبارتاكوس"، وقد شكّلت فعلًا تهديدًا للجمهوريّة الرّومانيّة، لما كانت تنطوي عليه من مضامين ثوريّة وطبقيّة لعبيد أبوْا قبول الظّلم كأمر واقع من نظام روما أو كقدر محتوم من جبل "الأولمبوس". لقد مثّلت هذه الحرب الثّالثة منظورًا جديدًا، فكانت ثورة المستضعفين للحصول على الحرّيّة وضدّ نظام إقطاعيّ لدولة مستبدّة تقوم على استغلال الرّقيق واستعبادهم كالحيوانات، لذلك كان هدفهم هذه المرّة وهدف قائدهم إنهاء الرّقّ والعبوديّة في الجمهوريّة الرّومانيّة التي ارتكب نظامها الوحشيّ بحقّ هؤلاء المعذّبين أبشع الجرائم وأفظع المجازر.

       

من هو سبارتاكوس:

عظيم آخر يموت صغيرًا في سنّ الأربعين، ولد سنة (111 ق.م) ومات سنة (71 ق.م) كانت ثورته العظيمة في السّنوات الثّلاث الأخيرة من عمره العريض، فقد بدأت في سنة (73 ق.م) فماذا كان قبلها؟ وما هي جذوره؟ ومن أين منشأه؟ وكيف عاش هذه السّنوات السّبع والثّلاثين قبل ثورته؟ هل من علاقة بين ما كان في البدايات الطّويلة والنّهايات العريضة؟ لا بدّ من وشائج! لا نعرف الكثير عن طفولته وصباه إلّا أنّه ينتمي لقبيلة "مايدي" التي سكنت في "تراقيا" في الشّمال الشّرقيّ لمقدونيا، ولا نعرف شيئًا حتّى عن شبابه المبكّر وتكوينه الفكريّ، وقد نركّز في الكتابة عنه ليقتصر الموضوع على ثورته المجيدة: بداياتها ومسوّغاتها وأحداثها الجسام ونهاياتها المأساويّة بجرائم ارتكبها النّظام الرّومانيّ، أقلّ وصف يليق بها أنّها وحشيّة وهمجيّة بلا حدود.

تعود جذوره إلى دولة "تراقيا" القديمة جاء إلى روما وصار عبدًا من رقيق الجمهوريّة الرّومانيّة، لا ندري إذا أدين بالعبوديّة لذنب ما أو صار عبدًا لأنّه أسر في حرب أم كان سلعة في صفقة مقايضة تجاريّة. لقد أحسّ "سبارتاكوس" بالظّلم وذلّ الاستعباد وبدأ يعي بفطرته الإنسانيّة معنى الحرّيّة وقيمة أن يعيش الإنسان حرًّا كريمًا، بعد أن فرّقت العبوديّة بينه وبين زوجته، وأدرك شيئًا فشيئًا أنّ الحرّيّة والكرامة لا تنزلان هبة من السّماء، ولا بالإيمان الكسيح بالقدرات الوهميّة الغيبيّة، لكنّه اقتنع في مرحلة متقدّمة بأنّ العبوديّة تأتي في ظروف اجتماعيّة وسياسيّة موضوعيّة يفرضها الظّالمون والأسياد على المستعبدين من الناس لاستغلالهم والكسب المادّيّ والسّلطويّ من كدّ أجسادهم وعرق جباههم، والرّجل العبد حالة موضوعيّة ناتجة عن تلك الأوضاع والظّروف، ولكنّ العبد العظيم مثل "سبارتاكوس" هو ذلك الذي لا يقبل بعبوديّته ولا يزيّنها بالطّبع ويسعى ضدّ ظالميه ومستعبديه، ومن أجل نيل الحرّيّة ولو كانت بشقّ الأنفس أو بالكفاح الدّامي، للوصول إلى الانتصار أو الموتُ دونه، وهذا هو المسار الذي سلكه العبد العظيم ورفاقه رقيق الجمهوريّة الرّومانيّة.

كان "سبارتاكوس" وسيمًا قويّ البنية وافر الجسد واللياقة والقوّة البدنيّة، وكان يملكه تاجر فباعه لتاجر آخر، ومن ثمّ باعه الثّاني لمدرسة العبيد في "كابوا" حيث تعلّم المصارعة وصار مصارعًا من الوزن الثّقيل ومعه عدد كبير من العبيد المصارعين الأقوياء. ففي القرن الأوّل قبل الميلاد من تاريخ الجمهوريّة الرّومانيّة، كانت ألعاب المصارعة الرّومانيّة أحد أشكال التّرفيه والتّسلية في حلبات القصور وأكثرها شعبيّة بين النّاس، فأنشئت مدارس التّدريب في مختلف أنحاء الجمهوريّة لتأمين المصارعين للمباريات. في هذه المدارس/ السّجون احْتُجز أسرى الحرب والمجرمون المدانون من العبيد وتمرّنوا وتعلّموا المهارات المطلوبة للقتال حتّى الموت. كان "سبارتاكوس" أحد هؤلاء العبيد، وكان محاربًا قويًّا في حلبة المصارعة، وفي عام (73 ق.م) خطّط 200 مصارع للهرب من مدرسة "لينتولوس باتياتوس" في "كابوا"، فاكتشفت خطّتهم، استولى حوالي 70 منهم على أدوات المطبخ وقاتلوا في طريقهم للهرب من المدرسة واستولوا على عدّة عربات من الأسلحة والدّروع. كانت هذه الحركة نواة حرب العبيد الثّالثة، وكانت بداية لبروز أحد أهمّ قادتها "سبارتاكوس" والّتي اعتبرت أكبر انتفاضة كفاحيّة تقوم على أساس التّفاوت الاجتماعيّ والطّبقيّ، قام بها رقيق الجمهوريّة الرّومانيّة على مدى ثلاث سنوات.  (يتبع)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب