news-details

العظماء (26): عليّ بن أبي طالب الثّائر والعالم والمظلوم (5)| علي هيبي

عليّ رجل إدارة:

على أساس هذا كان التّقاطب بين الفريقين: فريق أنصار الثّورة وضرورة الحفاظ على إنجازاتها ومكتسباتها، وهو الفريق الّذي يتزعّمه "عليّ"، ومن قبله "عمر" وفريق أنصار الثّورة المضادّة الأغنياء الّذين أرادوا تسلّم سلطة الدّولة وإدارتها بالاعتماد على ثرواتهم المتراكمة واستعباد النّاس من جديد بعد القضاء على ثورة الفقراء، وكان هذا الفريق بقيادة "معاوية". منذ خلافة "عمر" اتّضحت معالم الإدارة في الدّولة الإسلاميّة ومسؤوليّات كلّ موظّف ومهامّه ومجال إدارته، من الخليفة نفسه وحتّى أصغر الموظّفين، واتّضحت الأسس والقوانين والمعايير الّتي قامت عليها هذه الإدارة، وكان أبرز ما في أُسسها اعتبار الإنسان في الدّولة صاحب المقام الأوّل ومحلّ الرّعاية الأهمّ، ولذلك يجب العمل على خدمته بإنسانيّة ونزاهة وبدافع من المسؤوليّة الدّينيّة والأخلاقيّة والمهنيّة، فالإداريّ خادم والمواطن مخدوم، وكلاهما إنسان بالأساس، وقد ترسّخ هذا الاتّجاه الأساسيّ خلال خلافة "عمر"، وكان من الممكن له أن يستمرّ لو حكم "عليّ" بعده، لأنّه آمن بنهج "عمر" الإنسانيّ والشّامل والعامّ والمنفتح، ولكنّ فترة الانكسار الكبيرة والمؤثّرة سلبيًّا الّتي ألمّت خلال خلافة "عثمان" الطّويلة نسبيًّا، أدّت إلى تراجع هائل بعد تحوّل حادّ في الاتّجاهات والأسس، فتزعزعت الإدارة وعادت لتخدم الخاصّة وتنزع إلى الانغلاق والانحصار في فئة دون أخرى، وبإعطاء امتيازات في الحكم والنّفوذ والتّأثير وتراكم الثّروات والميل إلى الاستغلال والاستعباد عند "بني أميّة" الّذين انتمى لهم الخليفة الثّالث والضّعيف "عثمان"، وقد اسْتخلِف "عليّ" بعده، ولكنّ الظّروف السّياسيّة والخلافات بين معسكر الخليفة الشّرعيّ "عليّ" ومعسكر المارق على الخلافة الشّرعيّة "معاوية" الّذي استغلّ مقتل "عثمان" لمآرب استرداد الحكم لبني أميّة وانقلاب المفاهيم وتردّي القيم والابتعاد عن الدّين والدّولة بالمعنى الإنسانيّ ممّا جعل الأمور تسير نحن هاوية شاملة لكلّ الأسس والمعايير، ومنها الأسس والمعايير الإداريّة، الأمر الّذي لم يمكّن "عليّ" من الإمساك بشؤون الدّولة المضطربة وتطبيق ما يؤمن به من إدارة سليمة ونزيهة تسير وفقًا للمفاهيم الإنسانيّة السّامية والطّهارة بكلّ تجلّياتها وفي جميع مجالات الحياة السّياسيّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة والسّلوكيّة، خدمة للإنسان في الدّولة سواء كان مسلمًا أو معاهدًا.

كان "عليّ" على احترامه للثّوابت الدّينيّة الأصيلة والسّمحة يميل فكريًّا إلى الانفتاح ويؤثر الاجتهاد على التّقليد، ولذلك تراه وافق الخلفاء الّذين سبقوه في أساليب الإدارة وخالفهم في أساليب أخرى معتمدًا على رؤية خاصّة أملاها عليه فكره الطّبقيّ الخلّاق والمنفتح وكراهيّته للمال والدّنيا ومقته لتراكم الثّروات لأنّها تشكّل دافعًا قويًّا لاستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، وانهدام العدالة الّتي جاء بها الإسلام لإنصاف الفقراء والمستضعفين والعبيد وغير المسلمين من أهل الذّمّة. ولذلك كان "عليّ" قريبًا من فكر "عمر" في الإدارة، بعيدًا عن مسار "عثمان"، أمّا في زمن النّبيّ وفي خلافة "أبو بكر" فلمّا تكن معالم أساليب الإدارة وأسسها والأدوار والمؤسّسات والمهمّات والمراكز والوظائف الإداريّة أو الحكوميّة محدّدة وواضحة.

وقد بيّن "عليّ" هذه الأسس الإداريّة في رسائله ووصاياه إلى ولاته في الأمصار، وقد جُمع معظمها في كتاب "نهج البلاغة"، وأبرزها رسالته ووصاياه لابنه "الحسن" والّتي نشرها الكاتب "عبّاس محمود العقّاد" في كتاب له بعنوان "عبقريّة الإمام"، حيث أظهر أنّ "عليّ" مسلم لا يعتمد التّقليد، بل يميل إلى الاجتهاد الفكريّ ويبتكر رؤيته بالاعتماد على بصيرة ثاقبة كحكيم مجتهد عاش الإسلام منذ بعثته الأولى وتربّى في حجر النّبيّ فنما على نقاء الأخلاق والقيم الدّينيّة وسار على نهج من السّلوكيّات السّويّة والرّغبة في تحصيل كلّ مجالات العلوم في عصره، وكان له ذلك فنال صفة "الإمام العالم" باستحقاق، وبتقدير خاصّ ومميّز من النّبيّ فسمّاه "بوّابة العلم" ومن قائد فذّ وخليفة عارف وحاكم عادل مثل "عمر". ولعلّ أبرز وصاياه إلى ولاته تلك الّتي قال فيها: "ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ، مِمَّنْ لاَ تَضِيقُ بِهِ الأُمُورُ، وَلاَ تُمَحِّكُهُ الْخُصُومُ، وَلاَ يَتَمادَى فِي الزَّلَّةِ، وَلاَ يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْءِ إِلَى الْحَقِّ إذَا عَرَفَهُ، وَلاَ تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَع، وَلاَ يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهْم دُونَ أَقصَاهُ، أَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ، وَآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ، وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُّفِ الأُمُورِ، وَأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُكْمِ، مِمَّنْ لاَ يَزْدَهِيهِ إطْرَاءٌ، وَلاَ يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ".

وأنا أفكّر في الكتابة عن هذا الجانب من شخصيّة "عليّ" الحاكم وحسن رؤيته الإداريّة أمدّتني الكاتبة الصّديقة "روز اليوسف شعبان" مشكورة بكتاب مفيد، يتناول هذا الموضوع بالذّات بعنوان "خصائص الإدارة عند الإمام عليّ بن أبي طالب" للباحث العراقيّ "محسن باقر محمّد صالح القزوينيّ"، ففتح أمامي هذا الكتاب الكثير من المصادر الّتي تناولت هذا الموضوع.

إنّ أبرز مزايا الإدارة بنظر "عليّ" هي الصّفة الإنسانيّة، فعمّال الإدارة على كافّة مناصبهم ووظائفهم ومراكزهم هم أناس، أولو أحاسيس وميول يخدمون أناسًا في مجتمع إسلاميّ يقوم على العدالة وعلى تقدير الإنسان ومكانته بشكل عامّ وشامل، وليس فئة أو مجموعة بتوفير الامتيازات والتّسهيلات لها على حسب الدّولة والمجتمع وعامّة النّاس البسطاء، والموظّفون ليسوا آلات جامدة بلا مشاعر، ولذلك كان الأوْلى بهم التّميّز بالمزايا الإنسانيّة وهم يؤدّون مهامّهم، لأنّهم ينتمون إلى مؤسّسة إداريّة هي في الحقيقة صورة مصغّرة عن مجتمع إنسانيّ، يحتوي على كلّ المقوّمات الحياتيّة والعلاقات الاجتماعيّة المتشابكة، وهذه المؤسّسة جهاز منظّم يقوم على أخلاق وقيم منبثقة من الإسلام كدين يسعي من أجل تحقيق أهداف سامية وعظيمة، أبرزها العدالة وخدمة الإنسان بعدالة ومساواة. ولكي يستطيع هذا الجهاز أن يؤدّي هذه المهامّ الجسام ويحقّق الأهداف السّامية لا بدّ للعاملين فيه من التّمتّع بالمهنيّة العالية والدّراية الواسعة بشؤون الدّولة والمجتمع، ليتمكّنوا من معرفة مواطن القوّة والضّعف في الدّولة، ولتحريك القدرات لاستنباط الموارد بالاعتماد على العقل، ولذلك سنجد للإمام "عليّ" مئات الأقوال حول أفضليّة العقل، فالعقل أساس التّنظيم ومصدر الأفكار والنّظريّات ومنبع الخطط والبرامج، فلن يتيسّر تطبيق عمليّ بلا هذه الأسس النّظريّة العقليّة الخلّاقة. ولعلّ في رسالته إلى واليه في مصر، "مالك الأشتر" (585 – 658) حول إدارة شؤون الزّراعة ما يبيّن الجانب العقلانيّ بين الأسباب والنّتائج، أو بين أهمّيّة استصلاح الأرض لتزيد المحاصيل والإنتاج، فقد أوصاه: "وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلاَبِ الْخَرَاجِ، لأَنَّ ذلِكَ لاَ يُدْرَكُ إِلاَّ بَالْعِمَارَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَة أَخْرَبَ الْبِلاَدَ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلاَّ قَلِيلاً".

وإلى جانب ذلك لا بدّ وفق نظرته الإداريّة من تحقيق انسجام بين الحقوق والواجبات وفق قوانين اتّفق عليها بالشّورى وحقّ المعارضة بين السّلطة والرّعيّة، إذ لا بدّ أيضًا من توضيح العلاقات بين الوالي والرّعيّة وتبيان حقّ الوالي على الرّعيّة وحقّ الرّعيّة على الوالي، كي تنمو شبكة علاقات إنسانيّة واجتماعيّة متعادلة ومتساوية، لأنّ النّظام الإداريّ عامّة وبالأساس يجب أن يقوم على مصالح جماعيّة لمجتمع متكامل ومنسجم وليس على مصالح فئويّة وفرديّة تستدعي التّنافر الاجتماعيّ وتهدّد بناءه وتضع الانسجام في شبكة العلاقات الاجتماعيّة السّليمة، وعليه من الضّروريّ أن تعمل الإدارة على انسجام مصالح الفرد وأهدافه مع مصالح الأمّة وأهدافها. ولا بدّ للإداريّ المسؤول أيًّا كانت رتبته كي يحافظ على مجتمعه الإسلاميّ من أن يكون أمينًا على مصالح الأمّة، لأنّه سيحاسَب أمام النّاس في الحياة وأمام الله بعد الموت. وقد بيّن "عليّ" شروط هذا المسؤول الّذي ينبغي أن يكون قدوة: "مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَامًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ، وَلْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ، وَمُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَمُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالإِجْلاَلِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ وَمُؤَدِّبِهِمْ".

فكلّ ما سبق من نظريّات وأفكار وبرامج وتطبيق لا ينفع برأي الإمام "عليّ" بلا استرخاص للدّنيا ومادّيّتها وثرواتها وأطماعها وشهواتها، لذلك كان يرشد المسؤولين بضرورة ما أوصى وقال: "خذ من قليل الدّنيا ما يكفيك"، وكذلك قال وهو القدوة في التّخويف من معصية الله: "والله لو أُعطيت الأقاليم السّبعة على أن أعصي الله في نملة أسلبها لبّ شعير ما فعلت". وكان بغيته من إدارة الدّولة إنصاف الفقراء ليحسّوا بالانتماء لمجتمعهم الّذي يكفل لهم الحرّيّة والعدالة والحياة الكريمة، ولا تحرمهم الدّولة من ذلك فينمو فيهم الإحساس بالاغتراب والنّفور واضطراب النّفوس، فقال "عليّ" في ذلك: "الغنى في الغربة وطن والفقر في الوطن غربة". ولذلك صبّ اهتمامه في السّياسة والحكم وإدارة البلاد على المشورة بين الحاكم والمحكوم ومحاربة الفساد الإداريّ والماليّ وتحقيق مصالح النّاس وعدم الاعتداء على حقوقهم المشروعة.

هذا هو "علي" العظيم وهذه هي رؤيته العظيمة الشّاملة للمجتمع الإسلاميّ السّليم والمبنيّ على نظرة إنسانيّة وإسلاميّة منفتحة وعلى عقليّة فكريّة خلّاقة ودراسة واقعيّة جدليّة للعلاقات المتشابكة بين النّاس ومصالحهم المتعدّدة، نظرة تقوم على الأخلاق والقيم الإسلاميّة وعلى إشباع حاجات الفرد والمجتمع الاقتصاديّة بانسجام مصالحهما، مع مراعاة كبيرة للجوانب الإنسانيّة والرّوحيّة على أسس من التّعدّديّة والتّسامح والعدالة وجهاد النّفس، فقال: "إنّ المجاهدين باعوا أرواحهم واشتروا الجنّة".

        

عليّ مفكّر تربويّ:

ثمّة من يعتقد من الباحثين المعاصرين أنّ أسس علم التّربية قد بدأت منذ العصر الحديث، فكانت التّجارب والمقاييس والنّظريّات، وليس الأمر صحيحًا! فقد بدأ هذ العلم ينمو منذ العصور القديمة، قبل المسيحيّة والإسلام، وبخاصّة في الثّقافة اليونانيّة، ولذلك لا أدّعي أنّ "عليّ" أوّل من وضع أسسًا تربويّة، ولكنّ له نظريّات ومعايير متكاملة، تجعله صاحب رؤية تربويّة ناضجة نافعة لعصرنا كذلك، لأنّها ذات وشائج متبادلة مع جوانب وأحوال حياتيّة واجتماعيّة وأخلاقيّة أخرى ممتدّة على مدًى زمانيّ مع مراحل عمر الإنسان، آخذة بالحسبان التّغيّرات الاجتماعيّة والسّياسيّة والأخلاقيّة مع مسار الحياة المتطوّر وغير الثّابت تاريخيًّا وجدليًّا، وما يؤكّد هذه الرّؤى دعوته لمحو الأميّة كمرض اجتماعيّ ولإقامة نظام تعليم يرافق التّنشئة التّربويّة، يحارب الجهل والأميّة وتطوير المعرفة ومجالسة العلماء، حيث يقول في رسالة لأحد عمّاله: "وَأَكْثِرْ مُدَارَسَةَ الَعُلَمَاءِ، وَمُنَافَثَةَ الْحُكَمَاءِ، فِي تَثْبِيتِ مَا صَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ بِلاَدِكَ، وَإِقَامَةِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَكَ".

وهنالك مؤلّفات كثيرة تناولت هذا الجانب من جوانب شخصيّة "عليّ" العديدة، والمعتمدة على مقولات "عليّ"، وبخاصّة في الكتاب الشّهير الّذي جمع فيه "الشّريف الرّضيّ" (969 – 1015) خطب "عليّ" وأقواله، والّتي جعلته يتربّع على عرش المعرفة والدّراية النّظريّة والعمليّة في كثير من علوم عصره، لذا استحقّ صفة الإمام العالم، وهذا يشكّل بعدًا إضافيًّا ومكوّنًا هامًّا في عظمة "عليّ". ومن أبرز هذه المؤلّفات كتاب للباحث "سلام مكّي خضيّر الطّائيّ" بعنوان "المعايير التّربويّة في فكر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب"، وفيه يتحدّث عن حسن التّربية كنموذج في فكر الإمام، وفيه يظهر "عليّ" كفيلسوف وصاحب نظريّات تربويّة استقى من ينابيعها علماء التّربية في العصر الحديث، ومنها أسّسوا نظريّاتهم العلميّة. ولكنّي رغم كلّ هذا الفضل الكبير للإمام العالم "عليّ" في هذا المجال التّربويّ لا أدّعي أنّه كان الأوّل بل هناك من الأوّلين قبله من فلاسفة اليونان والرّومان الّذين سبقوه، وقد سبقه في وضع هذه الأسس اثنان على الأقلّ بالتّأكيد هما: السّيّد "المسيح" (1 – 33) والنّبيّ "محمّد" (570 – 632)

لا يهمّني من قال تلك المقولة "ربّوا أبناءكم على غير أخلاقكم، فإنّهم خُلقوا لزمان غير زمانكم"، أهو أحد فيلسوفيْ اليونان: سقراط (470 ق.م – 399 ق.م) أو أفلاطون؟ (427 ق.م – 347 ق.م) أم هو الإمام "عليّ" وهل قيلت دالّة على المعنى المقصود نفسه أم باختلافات في بعض الألفاظ وبعض الدّلالات، ومع أنّ كثيرين من الباحثين ينسبونها للإمام "عليّ"، ولا يهمّني إذا كانت أصيلة له وهذا مقام جليل أو إذا نقلها من الفلاسفة القدماء، وهذا يدلّ على سعة اطّلاع ثقافيّ وسعة صدر لرمز من رموز الإسلام الحنيف والسّمح الّذي يتقبّل ويستوعب ويهضم ما هو مفيد ونافع للإنسانيّة والإنسان، أينما كان وفي أيّ زمان ومكان، حتّى لو جاء من فلسفات قديمة، تعرّف أنّها وثنيّة أو بلا دين ولا تنبثق عن دين سماويّ كالمسيحيّة والإسلام. هذا هو الإسلام المنفتح على الحضارات يستمدّ ويستقي منها ما فيها من علوم ومعارف ويمدّها ويغذّيها بما في حضارته وثقافته من كنوز فكريّة وعلميّة ومعارف وأصول وخبرات.

لأنّ هذه المقولة تعتبر قاعدة من قواعد التّربية، ذات العلاقة مع التّعليم في الأسرة والمدارس، ففي الحقيقة "لا تعليم بلا تربية"، لأنّه بالتّعالق بينهما تمضي العمليّة التّربويّة في مسار سليم من أجل إعداد الأبناء كأجيال ناشئة وصاعدة لمواجهة المستقبل واحتمالاته ومتغيّراته، ولكنّ تلك الرّؤية الجدليّة في فكر "عليّ" التّربويّ لا تعني ترك الثّوابت التّربويّة الإسلاميّة القائمة، بل تدعو أيضًا إلى خلق الاستعداد لدى الأبناء وآبائهم ومعلّميهم للتطوّر وقبول الجديد وفقًا لظروف الزّمان والمكان والبيئات المتغيّرة والمناخات المختلفة، ولا شكّ في أنّ صاحب هذه الرّؤية يؤمن بإدراك فكريّ بقوانين ديالكتيك الحياة والمجتمع والطّبيعة، وهي نظرة جدليّة متقدّمة عُرف الإمام "عليّ" بها في هذا المجال التّربويّ بالذّات.

ولعلّ مصدر هذه المضامين التّربويّة سنجدها في أقوال "عليّ" في الكتاب الشّهير الّذي ينسب إليه، وقد سمّاه جامعه "الشّريف الرّضيّ" وهو فقيه من فقهاء الشّيعة، جمعه في القرن الرّابع الهجريّ، وقد اشتمل على 238 خطبة و79 رسالة ديوانيّة وإخوانيّة و489 قولًا، وفي مضامينها المواعظ والإرشادات ذات المواضيع المختلفة، وفيها الكثير من الحِكم والوصايا والآداب.

ولذلك قد نرى أنّ "عليّ" صاحب نظريّة تربويّة شاملة تبدأ التّعامل مع تنشئة الطّفل منذ ولادته وضرورة رعايته الجسديّة وتغذيته الروحيّة، "فحقّ الولد على الوالد أن يحسن اسْمه ويحسن أدبه ويعلّمه القرآن" هذه قاعدة تربويّة أساسيّة بنظر "عليّ". ومرحلة الطّفولة مقرونة وذات علاقة وطيدة بتطوّر الطّفل الجسديّ والذّهنيّ مع المراحل العمريّة القادمة، فقد قال الإمام: "إنّما الغلام يثغر في سبع سنين ويحتلم في أربع عشرة ويستكمل طوله في أربع وعشرين ويستكمل عقله في ثمانية وعشرين، وما كان بعد ذلك فبالتجارب". ولذلك حدّد الإمام مرحلة الطّفولة بالخامسة عشرة، مميّزًا إيّاها عن مرحلة البلوغ وبدايات الخبرة والتّجربة الحياتيّة الّتي يكتسبها الولد البالغ من التّعليم والأطر المحيطة به والحياة العامّة بكافّة جوانبها ومؤثّراتها الّتي يعيش فيها، ولذلك وصّى "عليّ" الآباء بقوله: "ولدك ريحانتك سبعًا وخادمك سبعًا ثمّ هو عدوّك أو صديقك"، فالآباء هم بحسن تربيتهم لأبنائهم أو بسوئها هم من يجعلون في النّهاية الأبناء منذ سنّ البلوغ أصدقاء أو أعداء، وذلك بمراعاة الحالة النّفسيّة والمعاملة بالرّفق واللّين، ومن ثمّ بالتّأديب الخلقيّ والتّعليم الدّينيّ لإكسابهم القيم مثل احترام الآخرين في المحيط العائليّ والمحيط الاجتماعيّ وأداء الواجبات الشّرعيّة، حتّى العقاب أشار إليه في مقولاته وآمن بمفهومه الإيجابيّ كوسيلة للتّربية الحسنة والتّعليم السّليم، وقد تطرّق في أحد أقواله إلى ضرب الأبناء كعقاب فقال: "وإذا بلغوا عشر سنين فاضْربْ ولا تجاوز ثلاثًا" لأنّ الإمام آمن بوجوب الابتعاد عن استخدام الضّرب كعقاب جسديّ حتّى سنّ العاشرة، وبعدها أشار بوجوب تحديده لأنّ الضّرب بالمفهوم الإيجابيّ ليس غاية بل هو وسيلة تهدف إلى التّأديب وتصحيح عوج أو ترشيد طريق. وبذلك يكون "عليّ" قد اكتشف العلاقة الوثيقة بين المرحلتيْن: الطّفولة والبلوغ، ومن ثمّ بالوصول إلى مرحلة الاكتمال العقليّ، بمعنى أنّ ما تزرعه من قيم تربويّة وأخلاق رشيدة في الطّفل في الصّغر يبقى معه وينشأ عليه في الكبر، في المراحل المتقدّمة، وهو الأساس النّظريّ التّربويّ الّذي يجمع عليه معظم علماء التّربية الحديثة، وبخاصّة الرّبط والانسجام بين البعديْن: الشّعوريّ والعقليّ في تربية الأبناء الّذي تحدّث عنه عليّ منذ القرن السّابع الميلاديّ، الموافق للقرن الاوّل الهجريّ. (يتبع)

 

العظماء (26):

عليّ بن أبي طالب الثّائر والعالم والمظلوم (5)

علي هيبي

 

 

عليّ رجل إدارة:

على أساس هذا كان التّقاطب بين الفريقين: فريق أنصار الثّورة وضرورة الحفاظ على إنجازاتها ومكتسباتها، وهو الفريق الّذي يتزعّمه "عليّ"، ومن قبله "عمر" وفريق أنصار الثّورة المضادّة الأغنياء الّذين أرادوا تسلّم سلطة الدّولة وإدارتها بالاعتماد على ثرواتهم المتراكمة واستعباد النّاس من جديد بعد القضاء على ثورة الفقراء، وكان هذا الفريق بقيادة "معاوية". منذ خلافة "عمر" اتّضحت معالم الإدارة في الدّولة الإسلاميّة ومسؤوليّات كلّ موظّف ومهامّه ومجال إدارته، من الخليفة نفسه وحتّى أصغر الموظّفين، واتّضحت الأسس والقوانين والمعايير الّتي قامت عليها هذه الإدارة، وكان أبرز ما في أُسسها اعتبار الإنسان في الدّولة صاحب المقام الأوّل ومحلّ الرّعاية الأهمّ، ولذلك يجب العمل على خدمته بإنسانيّة ونزاهة وبدافع من المسؤوليّة الدّينيّة والأخلاقيّة والمهنيّة، فالإداريّ خادم والمواطن مخدوم، وكلاهما إنسان بالأساس، وقد ترسّخ هذا الاتّجاه الأساسيّ خلال خلافة "عمر"، وكان من الممكن له أن يستمرّ لو حكم "عليّ" بعده، لأنّه آمن بنهج "عمر" الإنسانيّ والشّامل والعامّ والمنفتح، ولكنّ فترة الانكسار الكبيرة والمؤثّرة سلبيًّا الّتي ألمّت خلال خلافة "عثمان" الطّويلة نسبيًّا، أدّت إلى تراجع هائل بعد تحوّل حادّ في الاتّجاهات والأسس، فتزعزعت الإدارة وعادت لتخدم الخاصّة وتنزع إلى الانغلاق والانحصار في فئة دون أخرى، وبإعطاء امتيازات في الحكم والنّفوذ والتّأثير وتراكم الثّروات والميل إلى الاستغلال والاستعباد عند "بني أميّة" الّذين انتمى لهم الخليفة الثّالث والضّعيف "عثمان"، وقد اسْتخلِف "عليّ" بعده، ولكنّ الظّروف السّياسيّة والخلافات بين معسكر الخليفة الشّرعيّ "عليّ" ومعسكر المارق على الخلافة الشّرعيّة "معاوية" الّذي استغلّ مقتل "عثمان" لمآرب استرداد الحكم لبني أميّة وانقلاب المفاهيم وتردّي القيم والابتعاد عن الدّين والدّولة بالمعنى الإنسانيّ ممّا جعل الأمور تسير نحن هاوية شاملة لكلّ الأسس والمعايير، ومنها الأسس والمعايير الإداريّة، الأمر الّذي لم يمكّن "عليّ" من الإمساك بشؤون الدّولة المضطربة وتطبيق ما يؤمن به من إدارة سليمة ونزيهة تسير وفقًا للمفاهيم الإنسانيّة السّامية والطّهارة بكلّ تجلّياتها وفي جميع مجالات الحياة السّياسيّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة والسّلوكيّة، خدمة للإنسان في الدّولة سواء كان مسلمًا أو معاهدًا.

كان "عليّ" على احترامه للثّوابت الدّينيّة الأصيلة والسّمحة يميل فكريًّا إلى الانفتاح ويؤثر الاجتهاد على التّقليد، ولذلك تراه وافق الخلفاء الّذين سبقوه في أساليب الإدارة وخالفهم في أساليب أخرى معتمدًا على رؤية خاصّة أملاها عليه فكره الطّبقيّ الخلّاق والمنفتح وكراهيّته للمال والدّنيا ومقته لتراكم الثّروات لأنّها تشكّل دافعًا قويًّا لاستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، وانهدام العدالة الّتي جاء بها الإسلام لإنصاف الفقراء والمستضعفين والعبيد وغير المسلمين من أهل الذّمّة. ولذلك كان "عليّ" قريبًا من فكر "عمر" في الإدارة، بعيدًا عن مسار "عثمان"، أمّا في زمن النّبيّ وفي خلافة "أبو بكر" فلمّا تكن معالم أساليب الإدارة وأسسها والأدوار والمؤسّسات والمهمّات والمراكز والوظائف الإداريّة أو الحكوميّة محدّدة وواضحة.

وقد بيّن "عليّ" هذه الأسس الإداريّة في رسائله ووصاياه إلى ولاته في الأمصار، وقد جُمع معظمها في كتاب "نهج البلاغة"، وأبرزها رسالته ووصاياه لابنه "الحسن" والّتي نشرها الكاتب "عبّاس محمود العقّاد" في كتاب له بعنوان "عبقريّة الإمام"، حيث أظهر أنّ "عليّ" مسلم لا يعتمد التّقليد، بل يميل إلى الاجتهاد الفكريّ ويبتكر رؤيته بالاعتماد على بصيرة ثاقبة كحكيم مجتهد عاش الإسلام منذ بعثته الأولى وتربّى في حجر النّبيّ فنما على نقاء الأخلاق والقيم الدّينيّة وسار على نهج من السّلوكيّات السّويّة والرّغبة في تحصيل كلّ مجالات العلوم في عصره، وكان له ذلك فنال صفة "الإمام العالم" باستحقاق، وبتقدير خاصّ ومميّز من النّبيّ فسمّاه "بوّابة العلم" ومن قائد فذّ وخليفة عارف وحاكم عادل مثل "عمر". ولعلّ أبرز وصاياه إلى ولاته تلك الّتي قال فيها: "ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ، مِمَّنْ لاَ تَضِيقُ بِهِ الأُمُورُ، وَلاَ تُمَحِّكُهُ الْخُصُومُ، وَلاَ يَتَمادَى فِي الزَّلَّةِ، وَلاَ يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْءِ إِلَى الْحَقِّ إذَا عَرَفَهُ، وَلاَ تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَع، وَلاَ يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهْم دُونَ أَقصَاهُ، أَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ، وَآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ، وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُّفِ الأُمُورِ، وَأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُكْمِ، مِمَّنْ لاَ يَزْدَهِيهِ إطْرَاءٌ، وَلاَ يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ".

وأنا أفكّر في الكتابة عن هذا الجانب من شخصيّة "عليّ" الحاكم وحسن رؤيته الإداريّة أمدّتني الكاتبة الصّديقة "روز اليوسف شعبان" مشكورة بكتاب مفيد، يتناول هذا الموضوع بالذّات بعنوان "خصائص الإدارة عند الإمام عليّ بن أبي طالب" للباحث العراقيّ "محسن باقر محمّد صالح القزوينيّ"، ففتح أمامي هذا الكتاب الكثير من المصادر الّتي تناولت هذا الموضوع.

إنّ أبرز مزايا الإدارة بنظر "عليّ" هي الصّفة الإنسانيّة، فعمّال الإدارة على كافّة مناصبهم ووظائفهم ومراكزهم هم أناس، أولو أحاسيس وميول يخدمون أناسًا في مجتمع إسلاميّ يقوم على العدالة وعلى تقدير الإنسان ومكانته بشكل عامّ وشامل، وليس فئة أو مجموعة بتوفير الامتيازات والتّسهيلات لها على حسب الدّولة والمجتمع وعامّة النّاس البسطاء، والموظّفون ليسوا آلات جامدة بلا مشاعر، ولذلك كان الأوْلى بهم التّميّز بالمزايا الإنسانيّة وهم يؤدّون مهامّهم، لأنّهم ينتمون إلى مؤسّسة إداريّة هي في الحقيقة صورة مصغّرة عن مجتمع إنسانيّ، يحتوي على كلّ المقوّمات الحياتيّة والعلاقات الاجتماعيّة المتشابكة، وهذه المؤسّسة جهاز منظّم يقوم على أخلاق وقيم منبثقة من الإسلام كدين يسعي من أجل تحقيق أهداف سامية وعظيمة، أبرزها العدالة وخدمة الإنسان بعدالة ومساواة. ولكي يستطيع هذا الجهاز أن يؤدّي هذه المهامّ الجسام ويحقّق الأهداف السّامية لا بدّ للعاملين فيه من التّمتّع بالمهنيّة العالية والدّراية الواسعة بشؤون الدّولة والمجتمع، ليتمكّنوا من معرفة مواطن القوّة والضّعف في الدّولة، ولتحريك القدرات لاستنباط الموارد بالاعتماد على العقل، ولذلك سنجد للإمام "عليّ" مئات الأقوال حول أفضليّة العقل، فالعقل أساس التّنظيم ومصدر الأفكار والنّظريّات ومنبع الخطط والبرامج، فلن يتيسّر تطبيق عمليّ بلا هذه الأسس النّظريّة العقليّة الخلّاقة. ولعلّ في رسالته إلى واليه في مصر، "مالك الأشتر" (585 – 658) حول إدارة شؤون الزّراعة ما يبيّن الجانب العقلانيّ بين الأسباب والنّتائج، أو بين أهمّيّة استصلاح الأرض لتزيد المحاصيل والإنتاج، فقد أوصاه: "وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الأَرْضِ أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلاَبِ الْخَرَاجِ، لأَنَّ ذلِكَ لاَ يُدْرَكُ إِلاَّ بَالْعِمَارَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَة أَخْرَبَ الْبِلاَدَ، وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلاَّ قَلِيلاً".

وإلى جانب ذلك لا بدّ وفق نظرته الإداريّة من تحقيق انسجام بين الحقوق والواجبات وفق قوانين اتّفق عليها بالشّورى وحقّ المعارضة بين السّلطة والرّعيّة، إذ لا بدّ أيضًا من توضيح العلاقات بين الوالي والرّعيّة وتبيان حقّ الوالي على الرّعيّة وحقّ الرّعيّة على الوالي، كي تنمو شبكة علاقات إنسانيّة واجتماعيّة متعادلة ومتساوية، لأنّ النّظام الإداريّ عامّة وبالأساس يجب أن يقوم على مصالح جماعيّة لمجتمع متكامل ومنسجم وليس على مصالح فئويّة وفرديّة تستدعي التّنافر الاجتماعيّ وتهدّد بناءه وتضع الانسجام في شبكة العلاقات الاجتماعيّة السّليمة، وعليه من الضّروريّ أن تعمل الإدارة على انسجام مصالح الفرد وأهدافه مع مصالح الأمّة وأهدافها. ولا بدّ للإداريّ المسؤول أيًّا كانت رتبته كي يحافظ على مجتمعه الإسلاميّ من أن يكون أمينًا على مصالح الأمّة، لأنّه سيحاسَب أمام النّاس في الحياة وأمام الله بعد الموت. وقد بيّن "عليّ" شروط هذا المسؤول الّذي ينبغي أن يكون قدوة: "مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَامًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بِتَعْلِيمِ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ، وَلْيَكُنْ تَأْدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأْدِيبِهِ بِلِسَانِهِ، وَمُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَمُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالإِجْلاَلِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ وَمُؤَدِّبِهِمْ".

فكلّ ما سبق من نظريّات وأفكار وبرامج وتطبيق لا ينفع برأي الإمام "عليّ" بلا استرخاص للدّنيا ومادّيّتها وثرواتها وأطماعها وشهواتها، لذلك كان يرشد المسؤولين بضرورة ما أوصى وقال: "خذ من قليل الدّنيا ما يكفيك"، وكذلك قال وهو القدوة في التّخويف من معصية الله: "والله لو أُعطيت الأقاليم السّبعة على أن أعصي الله في نملة أسلبها لبّ شعير ما فعلت". وكان بغيته من إدارة الدّولة إنصاف الفقراء ليحسّوا بالانتماء لمجتمعهم الّذي يكفل لهم الحرّيّة والعدالة والحياة الكريمة، ولا تحرمهم الدّولة من ذلك فينمو فيهم الإحساس بالاغتراب والنّفور واضطراب النّفوس، فقال "عليّ" في ذلك: "الغنى في الغربة وطن والفقر في الوطن غربة". ولذلك صبّ اهتمامه في السّياسة والحكم وإدارة البلاد على المشورة بين الحاكم والمحكوم ومحاربة الفساد الإداريّ والماليّ وتحقيق مصالح النّاس وعدم الاعتداء على حقوقهم المشروعة.

هذا هو "علي" العظيم وهذه هي رؤيته العظيمة الشّاملة للمجتمع الإسلاميّ السّليم والمبنيّ على نظرة إنسانيّة وإسلاميّة منفتحة وعلى عقليّة فكريّة خلّاقة ودراسة واقعيّة جدليّة للعلاقات المتشابكة بين النّاس ومصالحهم المتعدّدة، نظرة تقوم على الأخلاق والقيم الإسلاميّة وعلى إشباع حاجات الفرد والمجتمع الاقتصاديّة بانسجام مصالحهما، مع مراعاة كبيرة للجوانب الإنسانيّة والرّوحيّة على أسس من التّعدّديّة والتّسامح والعدالة وجهاد النّفس، فقال: "إنّ المجاهدين باعوا أرواحهم واشتروا الجنّة".

        

عليّ مفكّر تربويّ:

ثمّة من يعتقد من الباحثين المعاصرين أنّ أسس علم التّربية قد بدأت منذ العصر الحديث، فكانت التّجارب والمقاييس والنّظريّات، وليس الأمر صحيحًا! فقد بدأ هذ العلم ينمو منذ العصور القديمة، قبل المسيحيّة والإسلام، وبخاصّة في الثّقافة اليونانيّة، ولذلك لا أدّعي أنّ "عليّ" أوّل من وضع أسسًا تربويّة، ولكنّ له نظريّات ومعايير متكاملة، تجعله صاحب رؤية تربويّة ناضجة نافعة لعصرنا كذلك، لأنّها ذات وشائج متبادلة مع جوانب وأحوال حياتيّة واجتماعيّة وأخلاقيّة أخرى ممتدّة على مدًى زمانيّ مع مراحل عمر الإنسان، آخذة بالحسبان التّغيّرات الاجتماعيّة والسّياسيّة والأخلاقيّة مع مسار الحياة المتطوّر وغير الثّابت تاريخيًّا وجدليًّا، وما يؤكّد هذه الرّؤى دعوته لمحو الأميّة كمرض اجتماعيّ ولإقامة نظام تعليم يرافق التّنشئة التّربويّة، يحارب الجهل والأميّة وتطوير المعرفة ومجالسة العلماء، حيث يقول في رسالة لأحد عمّاله: "وَأَكْثِرْ مُدَارَسَةَ الَعُلَمَاءِ، وَمُنَافَثَةَ الْحُكَمَاءِ، فِي تَثْبِيتِ مَا صَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ بِلاَدِكَ، وَإِقَامَةِ مَا اسْتَقَامَ بِهِ النَّاسُ قَبْلَكَ".

وهنالك مؤلّفات كثيرة تناولت هذا الجانب من جوانب شخصيّة "عليّ" العديدة، والمعتمدة على مقولات "عليّ"، وبخاصّة في الكتاب الشّهير الّذي جمع فيه "الشّريف الرّضيّ" (969 – 1015) خطب "عليّ" وأقواله، والّتي جعلته يتربّع على عرش المعرفة والدّراية النّظريّة والعمليّة في كثير من علوم عصره، لذا استحقّ صفة الإمام العالم، وهذا يشكّل بعدًا إضافيًّا ومكوّنًا هامًّا في عظمة "عليّ". ومن أبرز هذه المؤلّفات كتاب للباحث "سلام مكّي خضيّر الطّائيّ" بعنوان "المعايير التّربويّة في فكر أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب"، وفيه يتحدّث عن حسن التّربية كنموذج في فكر الإمام، وفيه يظهر "عليّ" كفيلسوف وصاحب نظريّات تربويّة استقى من ينابيعها علماء التّربية في العصر الحديث، ومنها أسّسوا نظريّاتهم العلميّة. ولكنّي رغم كلّ هذا الفضل الكبير للإمام العالم "عليّ" في هذا المجال التّربويّ لا أدّعي أنّه كان الأوّل بل هناك من الأوّلين قبله من فلاسفة اليونان والرّومان الّذين سبقوه، وقد سبقه في وضع هذه الأسس اثنان على الأقلّ بالتّأكيد هما: السّيّد "المسيح" (1 – 33) والنّبيّ "محمّد" (570 – 632)

لا يهمّني من قال تلك المقولة "ربّوا أبناءكم على غير أخلاقكم، فإنّهم خُلقوا لزمان غير زمانكم"، أهو أحد فيلسوفيْ اليونان: سقراط (470 ق.م – 399 ق.م) أو أفلاطون؟ (427 ق.م – 347 ق.م) أم هو الإمام "عليّ" وهل قيلت دالّة على المعنى المقصود نفسه أم باختلافات في بعض الألفاظ وبعض الدّلالات، ومع أنّ كثيرين من الباحثين ينسبونها للإمام "عليّ"، ولا يهمّني إذا كانت أصيلة له وهذا مقام جليل أو إذا نقلها من الفلاسفة القدماء، وهذا يدلّ على سعة اطّلاع ثقافيّ وسعة صدر لرمز من رموز الإسلام الحنيف والسّمح الّذي يتقبّل ويستوعب ويهضم ما هو مفيد ونافع للإنسانيّة والإنسان، أينما كان وفي أيّ زمان ومكان، حتّى لو جاء من فلسفات قديمة، تعرّف أنّها وثنيّة أو بلا دين ولا تنبثق عن دين سماويّ كالمسيحيّة والإسلام. هذا هو الإسلام المنفتح على الحضارات يستمدّ ويستقي منها ما فيها من علوم ومعارف ويمدّها ويغذّيها بما في حضارته وثقافته من كنوز فكريّة وعلميّة ومعارف وأصول وخبرات.

لأنّ هذه المقولة تعتبر قاعدة من قواعد التّربية، ذات العلاقة مع التّعليم في الأسرة والمدارس، ففي الحقيقة "لا تعليم بلا تربية"، لأنّه بالتّعالق بينهما تمضي العمليّة التّربويّة في مسار سليم من أجل إعداد الأبناء كأجيال ناشئة وصاعدة لمواجهة المستقبل واحتمالاته ومتغيّراته، ولكنّ تلك الرّؤية الجدليّة في فكر "عليّ" التّربويّ لا تعني ترك الثّوابت التّربويّة الإسلاميّة القائمة، بل تدعو أيضًا إلى خلق الاستعداد لدى الأبناء وآبائهم ومعلّميهم للتطوّر وقبول الجديد وفقًا لظروف الزّمان والمكان والبيئات المتغيّرة والمناخات المختلفة، ولا شكّ في أنّ صاحب هذه الرّؤية يؤمن بإدراك فكريّ بقوانين ديالكتيك الحياة والمجتمع والطّبيعة، وهي نظرة جدليّة متقدّمة عُرف الإمام "عليّ" بها في هذا المجال التّربويّ بالذّات.

ولعلّ مصدر هذه المضامين التّربويّة سنجدها في أقوال "عليّ" في الكتاب الشّهير الّذي ينسب إليه، وقد سمّاه جامعه "الشّريف الرّضيّ" وهو فقيه من فقهاء الشّيعة، جمعه في القرن الرّابع الهجريّ، وقد اشتمل على 238 خطبة و79 رسالة ديوانيّة وإخوانيّة و489 قولًا، وفي مضامينها المواعظ والإرشادات ذات المواضيع المختلفة، وفيها الكثير من الحِكم والوصايا والآداب.

ولذلك قد نرى أنّ "عليّ" صاحب نظريّة تربويّة شاملة تبدأ التّعامل مع تنشئة الطّفل منذ ولادته وضرورة رعايته الجسديّة وتغذيته الروحيّة، "فحقّ الولد على الوالد أن يحسن اسْمه ويحسن أدبه ويعلّمه القرآن" هذه قاعدة تربويّة أساسيّة بنظر "عليّ". ومرحلة الطّفولة مقرونة وذات علاقة وطيدة بتطوّر الطّفل الجسديّ والذّهنيّ مع المراحل العمريّة القادمة، فقد قال الإمام: "إنّما الغلام يثغر في سبع سنين ويحتلم في أربع عشرة ويستكمل طوله في أربع وعشرين ويستكمل عقله في ثمانية وعشرين، وما كان بعد ذلك فبالتجارب". ولذلك حدّد الإمام مرحلة الطّفولة بالخامسة عشرة، مميّزًا إيّاها عن مرحلة البلوغ وبدايات الخبرة والتّجربة الحياتيّة الّتي يكتسبها الولد البالغ من التّعليم والأطر المحيطة به والحياة العامّة بكافّة جوانبها ومؤثّراتها الّتي يعيش فيها، ولذلك وصّى "عليّ" الآباء بقوله: "ولدك ريحانتك سبعًا وخادمك سبعًا ثمّ هو عدوّك أو صديقك"، فالآباء هم بحسن تربيتهم لأبنائهم أو بسوئها هم من يجعلون في النّهاية الأبناء منذ سنّ البلوغ أصدقاء أو أعداء، وذلك بمراعاة الحالة النّفسيّة والمعاملة بالرّفق واللّين، ومن ثمّ بالتّأديب الخلقيّ والتّعليم الدّينيّ لإكسابهم القيم مثل احترام الآخرين في المحيط العائليّ والمحيط الاجتماعيّ وأداء الواجبات الشّرعيّة، حتّى العقاب أشار إليه في مقولاته وآمن بمفهومه الإيجابيّ كوسيلة للتّربية الحسنة والتّعليم السّليم، وقد تطرّق في أحد أقواله إلى ضرب الأبناء كعقاب فقال: "وإذا بلغوا عشر سنين فاضْربْ ولا تجاوز ثلاثًا" لأنّ الإمام آمن بوجوب الابتعاد عن استخدام الضّرب كعقاب جسديّ حتّى سنّ العاشرة، وبعدها أشار بوجوب تحديده لأنّ الضّرب بالمفهوم الإيجابيّ ليس غاية بل هو وسيلة تهدف إلى التّأديب وتصحيح عوج أو ترشيد طريق. وبذلك يكون "عليّ" قد اكتشف العلاقة الوثيقة بين المرحلتيْن: الطّفولة والبلوغ، ومن ثمّ بالوصول إلى مرحلة الاكتمال العقليّ، بمعنى أنّ ما تزرعه من قيم تربويّة وأخلاق رشيدة في الطّفل في الصّغر يبقى معه وينشأ عليه في الكبر، في المراحل المتقدّمة، وهو الأساس النّظريّ التّربويّ الّذي يجمع عليه معظم علماء التّربية الحديثة، وبخاصّة الرّبط والانسجام بين البعديْن: الشّعوريّ والعقليّ في تربية الأبناء الّذي تحدّث عنه عليّ منذ القرن السّابع الميلاديّ، الموافق للقرن الاوّل الهجريّ. (يتبع)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب