news
ملحق الجمعة

العظماء 9: العروبيّ جمال عبد الناصر| علي هيبي

 

مدخل ذاتي:

زرت مصر العظيمة، شدّني الشوق لعروبتها فأنساني التطبيع، لجمالها الناصريّ، لنيلها الخالد، لأهرامها الثلاثة العتيقة كشوارع القدس، لأبي هول عدوّها، لشعبها البسيط ذي اللهجة المحبّبة، لفنونها ولرموزها الموسيقيّة والغنائيّة والسينمائيّة والمسرحيّة، ولعمالقتها من عالم الفكر والثقافة والأدب والصحافة.

هل طبّعت مع بلدي مصر أنا الفلسطينيّ العربيّ الذي يؤمن بالوحدة العربيّة كما آمن بها "جمال عبد الناصر" وآمن أنّ الوطن العربيّ رقعة جغرافيّة واحدة والتراب واحد كما اللغة العربيّة واحدة، وكفر بالإقليميّة والانقسام وكره المنادين بهما كراهيته للخيانة! لست مع التطبيع منذ بداية الزحف الساداتيّ على البطن، وما تلاه من هرولة سعوديّة وخليجيّة تطبيعيّة طال أثرها المدمّر السودان في أعماق أفريقيا، هذا التطبيع الزاحف والمهرول نحو إسرائيل سيكون شريكًا في تمرير "صفقة القرن" الصهيو – أميركيّة وفي تطبيقها، وكما يبدو في عقول هؤلاء ومن بينهم الرئيس المصريّ الحاليّ "السيسي" أنّ فلسطين لم تكن قضيّة عربيّة بل أكذوبة فلسطينيّة! وقد يصل الأمر بهم إلى أن يظنّوا أنّ الشعب الفلسطينيّ يبغي من ورائها سلب الصهاينة وطنهم القوميّ المنصوص عليه في "وعد بلفور" المقدّس منذ سنة 1917، والآن يأتي الرئيس الأميركيّ "ترامب" وبنفس العقليّة الإمبرياليّة ليؤكّد حقّ الإسرائيليّين وباطل الفلسطينيّين. وكأنّ لسان حال المهرولين المعبّر عن لاشيئيّتهم يقول: "شكرًا لبلفور القديم ولترامب الجديد اللذيْن كشفا لنا النيّة الفلسطينيّة المبيّتة لطرد اليهود وكشف الطمع الفلسطينيّ للاستيلاء على أرض إسرائيل". لقد بلغت الخيانة من ملوكنا ورؤسائنا مبلغًا بعيدًا، سافرًا وسافلًا!

نسيت التطبيع وإشكاليّاته، ما جعلني ككلّ فلسطينيّي الداخل "نعبد" شخصيّة "جمال عبد الناصر"، كانت زيارة قبره حُلمًا، ولكنّني صدمت عندما وجدت أنّ "السادات" صاحب العبور السياسيّ بصلحه المنفرد وبعزل جسد مصر عن روح عروبتها، وخليفته "مبارك" (لا بارك الله فيهما) مسحا كلّ أثر عربيّ ناصريّ من مصر إلّا وجدان شعبها النابض، مسحا اسمها فعادت "جمهوريّة مصر العربيّة" وليست كما سمّاها "جمال" "الجمهوريّة العربيّة المتّحدة" إيمانًا منه بتحقيق الحُلم العربيّ بالوحدة من الخليج إلى المحيط. تصوّروا لم أجد صورة لجمال ولم أجد علّاقة مفاتيح أو كوبًا من زجاج أو صحنًا نحاسيًّا عليه صورة "أبي خالد" الخالد، الذي لو مسحوه عن الأشياء كلّها فلن يستطيعوا مسحه من القلوب والأرواح والوجدان.

لم تكن تخلو الشوارع والطرقات من المارّة والسيّارات في الوسط العربيّ، ولم يكن يخيّم سكون كامل إلّا عندما سيذيع "صوت العرب" خطاب الرئيس "جمال عبد الناصر" "شو السيرة! أين الناس! بدو يخطب جمال"! أين صوت العرب من القاهرة أو في القاهرة اليوم! أين "هنا القاهرة من دمشق"!

يوم الاثنيْن في 28 سبتمبر سنة 1970 مات جمال عبد الناصر ودفن يوم الخميس من ذات الأسبوع في الأوّل من أكتوبر، الجماهير العربيّة في الداخل ما زال الخوف من السلطة الصهيونيّة وتنكيلها المختلف الألوان جاثمًا على صدورها، قبل يوم الأرض بستّ سنوات، يوم كُسر حاجز الخوف والاستعداد لمواجهة السلطة وقوانينها وتنكيلها ومجمل سياساتها ضدّ العرب، خرج عرب الداخل متحدّين الخوف وسوء العواقب في مسيرات غاضبة ترفض التصديق أنّ "جمال" مات، كعمر يوم قضى الرسول (ص) وكشعب مصر عندما تنحّى "جمال" بعد نكسة 1967، خرجوا من كلّ قراهم ومدنهم غاضبين مهلّلين مكبّرين، يهتفون بحياة الزعيم العربيّ المنقطع النظير، لم يقترن اسم أحد من الناس مع اسم الجلالة في الشهادتيْن إلّا اسم "عبد الناصر: "لا إله إلّا الله، عبد الناصر حبيب الله" هكذا كانوا يهلّلون ويبكون وينشجون لحبيب الله وحبيب الملايين "يا جمال يا حبيب الملايين يا جمال"، كما كتب إسماعيل الحبروك ولحّن كمال الطويل وغنّى العندليب عبد الحليم حافظ.      

 

سنبدأ مع جمال ولكن من أين:

عندما نكتب عن زعيم عربيّ، أفريقيّ وعالميّ بحجم جمال عبد الناصر وقامته، فإنّ العظمة بكلّ معانيها ودلالاتها وامتداداتها وأثارها ستتكدّس على قلمك، هذه العظمة بكلّ فخامتها وجلالها ستتراكم بطبقاتها على رأس قلمك الصغير، فماذا ستسطر أيّها المسكين! ومن أين سيبدأ الفكر العاديّ البسيط الذي يحرّك الأصابع الصغيرة وهي تمسك بالقلم/ بالقزم أمام هذه القامة السامقة، أمام هذه الهالة المستديرة من الوهج المتدفّق عروبة، تحدّيًا ونضالًا! أقول هذا الكلام وأنا لا أنوي أن أكتب تاريخ الرجل ولا دراسة علميّة إنتروبولوجيّة أو بحثًا نفسيًّا أو اجتماعيًّا في مركّبات شخصيّته ولا سيرة غيريّة متكاملة، ولن أستطيع أن أضيف لأبعاده الكثيرة أبعادًا قليلة أو جديدة! والله لا أعرف ما سأكتب! وما سينتج عن كتابتي في النهاية! ولا أعرف شكل الكتابة ولا مبنى مضمونها! ولكنّني سأكتب! سأغوص في عالم هذا الرئيس العروبيّ الأصيل العظيم، أحبّ كلّ العظماء الذين كتبت عنهم والعظماء الذين لمّا أكتب عنهم، ولكنّ حبّ هذا العروبيّ الأسمر، العظيم مختلف ومتميّز لأنّ ألمه هو ألمي وألمنا جميعًا وأمله هو أملي وأملنا جميعًا، واحد هو الكلّ والكلّ في واحد، فهل تعود الروح يا حضرة الحكيم! وسأتحدّى به وبرئاسته وبعروبته وبمواقفه وبعظمته واحدًا ومجموعًا كلّ الرؤساء والملوك العرب غير العروبيّين الحقيرين والخائنين، لتتضّح رذالتهم ووضاعتهم أما مجهر فضائله وكرامته وكبريائه، هؤلاء الأذلّاء الذين كانت ترتعد فرائصهم وأرجلهم "الباركة" والزاحفة على الأرض في أسفل سافلين أمام قامته الشامخة إلى علّيّين السماء وهو حيّ، ولكن عاث الرعاديد بأمّتنا وشعوبنا خيانة وفسادًا وإفسادًا بعد موته! فيا للمجد والكرامة لجمال عبد الناصر ويا لوقوف الأشجار ميّتة! ويا للعار والذلّ لكلّ رؤساء مصر بعده من السادات حتّى السيسي ولكلّ ملوك العرب ولمعظم الرؤساء العرب من الخليج الخائر إلى المحيط الفاتر ويا لاضمحلال الحياة والأشجار والعروبة والأمجاد عندما تخنع الملوك والرؤساء وتعيش بلا حول، كبعران على فراش الذل والهوان وبلا طول، تستمرئ مرّ العبوديّة كأنّه عسل حرّ!      

من أين سنبدأ! أمنَ الرئيس السياسيّ أم من الجنديّ العسكريّ؟ من المنتصر أم من المنكسر؟ من الدائرة العربيّة أم الأفريقيّة أم الإسلاميّة؟ من فلسطين أم من الجزائر أم من اليمن؟ من الوحدة مع سوريا أم من الانفصال؟ من تحدّي أميركا والاستعمار أم من الصداقة السوفييتيّةّ؟ من السدّ العالي أم من كهربة الريف والإصلاح الزراعيّ؟ من مصانع الحديد والصلب والنسيج أم من تأميم القناة؟ من حلف "بغداد" الاستعماريّ التآمريّ أم من مؤتمر "باندونغ" ومنظومة عدم الانحياز؟ من الزمن الجميل للفنّ والغناء والسينما والأدب أم من زمن الهبوط في سوق الأقلام المجنّدة لقدسيّة النظام؟ من ثورة تمّوز 1952 أم من الردّة الساداتيّة بعد 1970؟ من انتصار حزيران 1967 أم من الانتصار الذي سبقه في صدّ العدوان الثلاثيّ 1956، أم من الهزيمة التي تلته في أكتوبر 1973، لماذا أقلب الأمور فأجعل هزيمة حزيران نصرًا ونصر تشرين هزيمة! سأفسّر على طريقتي ووفقًا لقناعتي هذا التناقض أو هذا الإشكال! كان جمال عبد الناصر رئيسًا للجمهوريّة العربيّة المتّحدة وزعيمًا عربيًّا لا ينازعه ولا يطاول قامته أحد، هزّت هزيمة حزيران سنة 1967 الوجدان العربيّ هزّة عنيفة وزعزعت كلّ المفاهيم السياسيّة والقوميّة، وتنحّى الزعيم متحمّلًا كلّ المسؤوليّة وعاد إلى منصبه ليتابع التحدّي والنضال تحت ضغط الجماهير التي خرجت إلى الشوارع والميادين وبصوت وبإصرار هتفت: "ح نحارب"، وفي 1967 جاءت القرارات من قمّة الخرطوم "لا مفاوضات ولا صلح ولا سلام مع إسرائيل" والشعار الكبير والذي سينتصر حتمًا كما صاغه الزعيم العربيّ "ما أُخذ بالقوّة لا يستردّ بغير القوّة"، وبدأ جمال عبد الناصر العمل على جماهيريّة المجهود الحربيّ والاستعداد للمعركة القادمة، هزيمة عسكريّة كان للخيانة المصريّة والتآمرّ العربيّ والمساندة الأميركيّة والغربيّة اللامحدودة لإسرائيل دور كبير في حدوثها للتخلّص من النظام الوطنيّ الناصريّ، ورغم ذلك يعلن عبد الناصر الصمود والتحدّي وعدم القبول بالذلّ والإملاءات الصهيو – أميركيّة. أليس هذا انتصارًا كانتفاض العنقاء من الرماد! فماذا بعد انتصار أكتوبر العسكريّ فقط في سنة 1973، وكان أنور السادات رئيسًا لجمهوريّة مصر العربيّة وليس للجمهوريّة العربيّة المتّحدة ولم يكن زعيمًا عربيًّا، بل تقوقع إقليميًّا وحصر مصر في ذاتها، وخاض الحرب وتمّ عبور الجيش المصريّ الباسل لقناة السويس وانهار الساتر الترابيّ ودُكّت قلاع خطّ "بارليف" ودُمّرت تحصيناته، بنجاح عسكريّ كبير، وقُهر الجيش الإسرائيليّ وقُضي على مقولة: "الجيش الإسرائيليّ الذي لا يقهر"، وبتآمر ساداتيّ ودعم أميركيّ دخلت القوّات الإسرائيليّة غربيّ قناة السويس وبدأت المساومة التي انتهت إلى الخيمة 101، ومن ثَمّ إلى تبادل التراجع وعزيزي "هنري كيسنجر"، ومن ثمّ إلى محطّات الإنذار في سيناء والتهدئة وطرد الخبراء السوفييت وفقًا للمطالب الأميركيّة، و99% من أوراق الحلّ بيد أميركا، وسافرت الخيانة الساداتيّة إلى البعيد، إلى الكنيست الإسرائيليّ بِ "عبور سياسيّ ماحق" لإسرائيل بعد محقها بالعبور العسكريّ، وكانت "كامب ديفيد" واتفاقيّة السلام المنفرد والتخلّي عن الوحدة العربيّة وقضيّة العرب الأولى "فلسطين"، والتفكّك العربيّ الذي ما زالت أشباحه مهيمنة ما دام العلم الإسرائيليّ يرفرف في سماء قاهرة "المعزّ" ليس بعيدًا عن الضريح الطاهر لجمال عبد الناصر! أليس هذا النصر شرًّا من هزيمة! على حدّ تعبير شاعرنا الفلسطينيّ "توفيق زيّاد"! أليست هزيمة حزيران وجمال عبد الناصر أقلّ تأثيرًا سلبيًّا على الأمّة العربيّة من انتصار أكتوبر وأنور السادات، الذي كان صلحه المنفرد واتفاقيّة السلام مع إسرائيل أوّل حلقة من حلقات الخيانة التي أوصلت معظم العرب إلى الصلح والتعامل مع إسرائيل وإلى التطبيع معها كدولة حليفة في الركب الصهيو – أميركيّ. هذا هو السادات المنتصر وجمال عبد الناصر المنكسر! فمن منهما العظيم!؟

البدايات:

قد يكون من محاسن الصدف أو من ترتيب القدر أو من طبيعة الظرف والحدث وتناسبهما في كثير من الأحيان، أن يولد جمال عبد الناصر قبل سنة واحدة من ثورة 1919 التي قادها سعد زغلول ضدّ الحكم الإنجليزيّ في مصر، وحقّقت بعض الإنجازات الوطنيّة، ربّما تهيّأ الظرف الثوريّ ليتنسّم الطفل أنسام الحرّيّة ويستشعر حياة وطن بلا قيود، وليرضع حليب الأمّ مغموسًا بحلم البداية سنة 1919 في إجلاء الإنجليز عن مصر وإنهاء الانتداب وليلعق ثمار الإنجاز الحلوة في 1954 عندما أُجليَ آخر الجنود الإنجليز عن مصر وانتهى الانتداب، ومعه انتهى الحكم الملكيّ ورحل الملك "فاروق" آخر ملك حكم مصر من سلالة "محمّد علي باشا". وبجلاء هذين: الانتداب والحكم الملكيّ تخلّصت مصر من آخر مستغلّي ثرواتها وناهبي كرامتها وسالبي حريّتها واستقلالها من الداخل والخارج.

هي اثنتان وخمسون سنة عاشها جمال عبد الناصر منذ ولادته في 15 يناير سنة 1918 حتّى وفاته في 28 سبتمبر سنة 1970، حياة قصيرة كغيره من العظماء، في حيّ "باكوس" في الإسكندريّة ولد، وفي "منشيّة البكري" في القاهرة مات، وبين السنتيْن والموقعيْن كانت حياة عريضة تعجّ بالأحداث الجسام وباشتياق جارف للحريّة والاستقلال والكرامة، إنّها حياة المارد العربيّ العظيم "جمال عبد الناصر". ولحّن وغنّى فريد الأطرش من كلمات حسين السيّد.

لأسرة صعيديّة فلاحيّة بسيطة في قرية "بني مرّ" تعود أصوله، ويقال إنّ جذورها تعود لقبيلة عربيّة قحطانيّة قديمة، ما قد يفسّر بعض الجينات المكوّنة لانتمائه العروبيّ بلا تغييب لانتمائه المصريّ الوطنيّ.       

من ميدان "المنشيّة" في الإسكندريّة حيث شارك الشابّ المتحمّس للنضال والحرّيّة والكرامة في أوّل مظاهرة في حياته سنة 1933، إلى أن انتهت حياته ولفظ آخر أنفاس نضاله في "منشيّة البكري" في القاهرة سنة 1970، نام الهرم الرابع "السيّد نام كنوم السيف العائد من إحدى الغزوات/ السيد يرقد مثل الطفل الغافي في حضن الغابات/ السيّد نام/ وكيف أصدّق أنّ الهرم الرابع مات"، ولم يصدّق الشاعر السوريّ العربيّ نزار قبّاني فقال مندهشًا: "السيّد دخل الغرفة كي يرتاح"، لم يمت بل: "قتلناك/ قتلناك يا آخر الأنبياء".

كان "جمال" طالبًا لمّا يدرك أمور السياسة وقضاياها، مظاهرة للتلاميذ وانقضاض بوليسيّ عليهم، وجد نفسه تلقائيًّا في صفّ التلاميذ، يتلقّى الضربات المتتالية على رأسه، أدّت إلى الإغماء، فكان حاله كـ "أمل دنقل" الذي قال: "رفسة من فرس/ شجّت الرأس/ وعلّمت القلب أن يحترس" في حال جمال "ضربة من حرس"  ومن هناك إلى الحجز، يعالج ثمّ يسجن لأوّل مرّة في حياته ومشاعر الغضب تفور في الوجدان اليانع، مرحلة التعليم الثانويّة تشهد تحوّل الشابّ من متظاهر بالفطرة إلى ثائر يدرك، وتشهد بداية تشكّل الوعي الوطنيّ والطبقيّ، في مصر حالة من الغليان بسبب حكم الاستعمار وإحكام قبضته على المصريّين، وذلك بإلغاء الدستور، أدّت مقاومته للظلم إلى نقله من الإسكندريّة إلى القاهرة للتخلّص من نشاطه الثوريّ والسياسيّ، ولكنّه هناك يزيد ثورة ونضالًا وَ "شغبًا" ليصبح رئيس اتّحاد مدارس "النهضة"، ومضى قطار النشاط والنضال قدمًا.

الإحساس بالقهر والظلم ولّد المرارة والرفض والثورة داخل النفوس التي تفكّر بالخلاص، وكثيرًا ما كان ينبثق عن هذه المشاعر الوطنيّة الخام أحداث تجعل الأيادي الخالية تجابه المخارز المسنّنة وتقاوم، فقد شهد عام 1935 نشاطاً كبيرًا للحركة الوطنيّة المصريّة التي ما زالت في طور التبلوّر، وقد لعب فيها الطلبة الدور الأساسيّ مطالبين بعودة الدستور والاستقلال، وتكشف رسالة معبّرة عن المعاناة المكبوتة في النفوس والتي تريد أن تتفجّر في مجرى للتدفّق، من "جمال عبد الناصر" إلى صديقه "حسن النشّار" في 4 سبتمبر سنة 1935، هذا مكنون نفسه في هذه الفترة، فيقول: "لقد انتقلنا من نور الأمل إلى ظلمة اليأس ونفضنا بشائر الحياة واستقبلنا غبار الموت، فأين من يقلب كلّ ذلك رأسًا على عقب، ويعيد مصر إلى سيرتها الأولى يوم أن كانت مالكة العالم! أين من يخلق خلقًا جديدًا لكي يصبح المصريّ الخافت الصوت الضعيف الأمل، الذي يطرق برأسه ساكنًا صابرًا على اهتضام حقّه ساهيًا عن التلاعب بوطنه، يقظًا عالي الصوت عظيم الرجاء رافعًا رأسه يجاهد بشجاعة وجرأة في طلب الاستقلال والحرية"، وقد استشهد بما قاله مصطفى كامل: "لو نقل قلبي من اليسار إلى اليمين أو تحرّك الهرم من مكانه المكين أو تغيّر مجرى النيل فلن أتغيّر عن المبدأ، كلّ ذلك مقدّمة طويلة لعمل أطول وأعظم فقد تكلّمنا مرّات عدّة في عمل يوقظ الأمّة من غفوتها ويضرب على الأوتار الحسّاسة من القلوب ويستثير ما كمن في الصدور، ولكنّ كلّ ذلك لم يدخل في حيّز العمل إلى الآن".

"الجامعات" ليست أبراجًا عاجيّة، ولكنّها الطليعة التي تقود الشعب نحو مستقبل أفضل"، هكذا كان يؤمن "جمال" بأنّ شباب الجامعة من طلّابها الواعين هم بؤرة النضال ومحرّكه الأساسيّ، ولذلك قال بعد انتصار الثورة: "عندما تتعارض الثورة مع شبابها، فالثورة على خطأ"، وكم عانى حتّى قُبل للجامعة، لأنّه شارك بمظاهرة سنة 1935 للمطالبة بالحريّة والاستقلال وإعادة الدستور، ولأنّه من عائلة فقيرة لا سند لها ولا ظهر، ولأنّه لا يملك "واسطة" من غنيّ إقطاعيّ أو من مسؤول حكوميّ يشفع له، كم من مرّة رُدّ طلب انتسابه للكلّيّة الحربيّة ولم يشفع له ولم يُقبل إلّا عندما احتاجت الدولة إلى مجموعات كبيرة من الضبّاط، فتمّ قبوله سنة 1937 وتخرّج منها "ضابط". ومضى قطار النضال الثوريّ الذي لا حدود لانطلاقته وتوثّبه نحو الحريّة والكرامة والاستقلال الوطنيّ. وقام الفنّان شكري سرحان بدور الضابط ابن البستانيّ الذي يعمل عند الباشا، في فيلم من أجمل أفلام السينما المصريّة "ردّ قلبي" من تأليف يوسف السباعيّ وأمام الفنّانة مريم فخر الدين وإخراج عزّ الدين ذو الفقار. فما أشبه الفنّ بالحقيقة وما أشبه ابن البوستنجي "شكري سرحان" بابن البوسطجي "جمال" لفظًا ودلالة ومضمونًا!

 

فلسطين:         

نموّ الوعي العروبيّ عند "جمال" بدأ من حرب "فلسطين" والحفاظ على وجودها ولسانها ووجهها العربيّ أمام الخطر الاستعماريّ والصهيونيّ الماثل لتحدّي الإرادة العربيّة، حين كان يحكم دول العرب أنظمة لا تتقن إلّا التآمر والخيانة، وقيادة فلسطينيّة تقليديّة لا تدرك عظم الكارثة المحدقة، وما يحيق بالشعب الفلسطينيّ من مؤامرات لتشريده وسلخه عن ترابه وتغييبه في المنافي الغريبة، وإحلال المهاجرين اليهود ليحلّوا مكانه في مدنه وقراه وجباله وسهوله وبحره ووديانه وترابه الوطنيّ، فينتزع من "فلسطين" وجودها ووجدانها وعروبتها وشخصيّتها وكرامتها. لقد كانت حرب فلسطين برأي "جمال" دافعًا من دوافع تبلور حركة "الضبّاط الأحرار" وسببًا مباشرًا للثورة في مصر.  

الفترة ما بين 1944 – 1945 شهدت البداية الحقيقيّة لنواة تنظيم "الضبّاط الأحرار" بعد تخرّجهم من الكلّيّات الحربيّة وتعيينهم في وظائف في أقاليم مختلفة على طول البلاد وعرضها، ومن خلال هذا الوظائف تعرّفوا على هموم الناس الفلّاحين الفقراء والبائسين في الأرياف والناس الذين يعيشون في الأحياء الشعبيّة المهمّشة في المدن، كان الهمّ والإحساس بالمرارة والعلاقات الوطيدة والحسّ الوطنيّ هي التي تربط بين هؤلاء الضبّاط، فاكتسبوا الخبرة والتجربة بالانخراط بالواقع واكتسبوا الأصدقاء، فكوّنوا معًا "اللجنة التنفيذيّة للضبّاط الأحرار"، وكانت هذه هي الشرارة التي فجّرت عزم هؤلاء الضبّاط على الثورة ضدّ الفساد، وعشيّة "النكبة" الفلسطينيّة سنة 1948، وكانت هي الحرب التي انخرط الضبّاط الأحرار في أتونها فعلًا وبصدق يناقض الأنظمة الكاذبة، التي منعت التنظّيم العسكريّ، فالقوّات كانت منعزلة عن بعضها بلا قيادة موحّدة وبلا ذخيرة وبلا تموين وإمداد، كان "جمال عبد الناصر" في طليعة المقاتلين رغم صعوبة الظروف.

 

الثقافة:

"إنّ حريّة الكلمة هي المقدّمة الأولى للديمقراطيّة" لقد عرف جمال قيمة الكلمة الحرّة وأدرك أهمّية الديمقراطيّة في حياة الشعوب التي تريد أن تنعم بالكرامة والتقدّم العلميّ، ولذلك تراه يغضب من أعضاء مجلس الثورة بعد انتصارها، الذين أرادوا أن يحكموا بالدكتاتوريّة حتّى يرسخ النظام فأبى جمال وركّز على ضرورة أن يشمل "الميثاق" الوطنيّ على مبدأ "حياة ديمقراطيّة سليمة"، منذ اليوم الأوّل وترك الاجتماع حتّى أدرك الآخرون صدق مطلبه وهكذا كان، كما يريد "جمال" الذي أصبح رئيسًا لمجلس الثورة سنة 1954، فقد أدرك بحسّه المتعاطف مع جماهير الشعب المصريّ من الفقراء والبسطاء والعمّال والفلّاحين الذين لاقوا الأمرّيْن من ظلم الإقطاعيّين والأغنياء والنظام الملكيّ والاستعمار البريطانيّ. فهل جاء قادة النظام الجديد الذي انبثق عن أبناء الفقراء والوطنيّين ومن الإحساس بالظلم والذي من المفروض أنّه جاء لينصفهم ويداوي جراحهم العميقة ويعالج قضاياهم المحرقة ويمنحهم حقّ تنفّس الحريّة والعيش الكريم ليظلموه من جديد! لأنّ "جمال" وبعد سنين من رئاسته للجمهوريّة ما زال يؤمن: "بأنّ الإرادة الشعبيّة هي التي تملك أن تصنع قيادتها، وأن تحدّد لها مكانها، وأنّ الشعب يجب دائمًا أن يبقى سيّد كلّ فرد وقائده، إنّ الشعب أبقى وأخلد من كلّ قائد مهما بلغ إسهامه في نضال أمّته، أقول هذا وأنا أدرك وأقدّر أنّ هذا الشعب العظيم أعطاني من تأييده وتقديره ما لم أكن أتصوّره يومًا أو أحلم به، لقد قدّمت له عمري ولكنّه أعطاني ما هو أكثر من عمر أيّ إنسان".

وكان لا يمكن لهذا الوعيّ الوطنيّ والقوميّ والطبقيّ والسياسيّ والاجتماعيّ أن يكتمل بدون الثقافة والاطّلاع على التجارب السابقة للأفراد والشعوب والتعلّم منها بالقراءة الواعية والهادفة للتكوّن والتعمّق في النضال والثورة وقلب نظام الحكم الملكيّ إلى نظام جمهوريّ والانتصار على الاستعمار وإجلائه عن تراب مصر وللأبد، فلأوّل مرّة في التاريخ تحظى مصر بالاستقلال التامّ عن النفوذ البريطانيّ، زمن "جمال عبد الناصر" وقيادة البلاد بشرف وحريّة وبمفاهيم ثوريّة عظيمة تليق بعظمة القائد وبعدالة اجتماعيّة توازي وتساوي الظلم الذي عانته الملايين من شعب مصر. (يتبع) 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب