news
ملحق الجمعة

الفاشية الاستيطانية على أبواب الحكم. لا يمكن التصدّي بدوننا!| أيمن عودة

دولوريس إيباروري هي أوّل أمينة عامة لحزب شيوعي، وفي إسبانيا بمواجهة كتائب فرانكو، وهي من ذلك النوع من الخطباء البارعين الذين يصيحون بجهورية: "الأفضل أن نموت واقفين على أن نعيش راكعين" فترى الشعار بذات الليلة مكتوبًا على أسوار وحيطان الحواري في المدن والريف الإسباني. هي التي وضعت الشعار: "الفاشية لن تمرّ!" الذي نردده في معظم مظاهراتنا، خصوصًا منذ اعتلاء الليكود الحكم نهاية السبعينيات وحتى اليوم.

مع انتصار الكوديو (أي الزعيم) فرانكو، اضطرت ايباروري للجوء إلى المنفى.

الفاشيّة نعم مرّت!

تطوّر سلبي غير مسبوق

"الفاشية لن تمرّ" الذي صاغته إيباروري بمواجهة أعتى كتائب الفاشست في الحرب الأهلية الاسبانية، أصبح الشعار الأكثر مثابرة في مظاهرات اليسار في إسرائيل، خاصة بعد اعتلاء اليمين الحكم سنة 1977، ولكننا نشهد اليوم تغيّرًا تاريخيًا آخر، وهو أن حزب المستوطنين (يمينا) أصبح القائمة الانتخابية الثانية، بعد الليكود مباشرة، بل إن "يمينا" هي القائمة الوحيدة التي ترتفع قوتها باضطراد منذ ثلاثة أشهر حتى اليوم، ومجموع مقاعدهما (مقاعد الليكود ويمينا) وفق الاستطلاعات الأخيرة، تصل إلى إثنين وخمسين مقعدًا!

اعتُبر المستوطنون مجموعة مزعجة داخل المجتمع الإسرائيلي، حتى أنّ رابين الجنرال الخارج من عدوان 1967 وصفهم منتصف السبعينيات بقوله: "المستوطنون سرطان في جسد الديمقراطية الإسرائيلية"، ولكنهم وصلوا إلى أحطّ مكانة جماهيرية في سنوات التسعينيات، خصوصًا إثر مجزرة الخليل واغتيال رابين.

ولكن منذ سنة 2000 قادوا مشروعًا جديًّا أطلقوا عليهم اسم "استيطان القلوب" حيث هدفوا إلى مخاطبة المجتمع الإسرائيلي وليس الانحصار في تحدّي الهيمنة السائدة وهي الصهيونية الكلاسيكية.

في السنوات العشر الأخيرة سيطر شابان (نفتالي بنيت وأييلت شاكيد) على حزب المفدال التاريخي، وقادا انقلابًا جريئًا على البنية القديمة ورموزها المتكلّسة، مطلقيْن مشروعًا طموحًا عنوانه: "بداية شيء جديد"، رافق ذلك أن المستوطنين الشباب شكّلوا 20% من خريجي دورات الضباط في الجيش. فأقاموا ذراعًا فاعلًا داخل إسرائيل في المدن المختلطة أسموه "النواة التوراتية" التي عاثت عنصرية ضد المواطنين العرب، ولكنها نسّقت ذلك مع قطاعات واسعة من المجتمع اليهودي. وبالمقابل أمعن بنيت وأييليت شاكيد في الذهاب بمشروعهما درجة الخطأ القاتل، فأحدثا ثلاثة انشقاقات أوصلتهم الحضيض الانتخابي قبل سنة ونصف.

لم يكن حزب المستوطنين ليصل إلى مكانته الحالية (22 مقعدًا في الاستطلاعات) لولا وجود تربة خصبة للفاشية الاستيطانية وأيديولوجية عرقية استعلائيّة مثل الصهيونيّة، وتوغّل الشقّ اليميني في الأربعين سنة الأخيرة وتواطؤ "اليسار" الدائم. ويكتمل نضوج الفاشية حيث تسعى حكومات نتنياهو بمنهجية للقضاء على "الدولة العميقة" من محاكم وأكاديميا وإعلام، تمامًا كما فعل الدوتشي بينيتو موسوليني معلنًا أن الديمقراطية هي إرادة الشعب المباشرة ويجب القضاء على كل المؤسسات التي تعيق إرادة الشعب. هي ذات الجملة التي نقلتها هآرتس عن نتنياهو بأنه "في إسرائيل لا توجد ديمقراطية وإنما دولة عميقة"، مستعملًا المصطلح الإنجليزي Deep state.

 ببروز أزمة اقتصادية عميقة عمّقتها بحدّة جائحة الكورونا، يرافقها قلق شعبي جارف، هنا تجد الشعبوية الفاشية تربتها الأكثر خصوبة. وما الإجراءات الأخيرة من إطلاق يد المخابرات والتعقّب المكاني والتلصّص على الخصوصيات واستسهال فرض الحظر والحواجز والسيطرة المطلقة على القطاعين العام والخاص، إلا تسهيلا وتمهيدًا للفاشية وللقبول بها. ولننتبه لمقال رئيس تحرير صحيفة هآرتس ألوف بن بداية هذا الأسبوع، فهو يشي بأحد أسرار صعود بنيت، وقد أبرز به صعوبة اقناع أقربائه وأبناء عائلته الذين يقولون له: "إتركك من مواقف بنيت السياسية. الأمر الأهم اليوم هو الكورونا. عندما يصل إلى الحكم سيتغيّر..!".

يورد مقال ألوف بن العامل الأخير لنشوء الفاشية، وهو اللامبالاة الجماهيرية إزاء هذا الخطر الحقيقي، بدعاوى مختلفة، وفي حالتنا الادعاء أنّ الأولوية لمعالجة الكورونا!

وإذا أضفنا سهولة إيجاد متهم على غرار كل الفاشيين الذين اتهموا الأقليات، فخطاب نتنياهو وحكومته: "العرب يتدفقون بكميات إلى صناديق الاقتراع" أو "النواب العرب يرفعون أعلام داعش" أو "قادة المشتركة داعمون للإرهاب" و "العرب رقم واحد بنقل وباء الكورونا"، نزر يسير من تحريض القيادات السياسية الأولى وعلى رأسهم الشخص الأقوى، وهو رئيس الحكومة شخصيًا.

حزب المستوطنين هو الحزب الأكثر فتكًا بالمناطق المحتلة، هو السدّ الأوّل بمواجهة السلام، والأكثر استعلاءً قومجيًا، والأكثر شراسة ومنهجية.

فهل من بنيتو (موسوليني) إلى بنيت يمكن القول إن الفاشية تمرّ؟!

 

تطوّر ايجابي غير مسبوق!

لا شكّ أنّ المظاهرات المثابرة ضد نتنياهو وحكومته هي أمر لافت تاريخيًّا، وهي مهمة للغاية، ولكنها، على أهميتها القصوى، تبقى فضفاضة. ولكنني أريد أن أشير إلى تبلور يسار أكثر ديمقراطية من التيار المهيمن على تلك المظاهرات، هو هذا التيار الديمقراطي الذي وضع فكرة الشراكة اليهوديّة العربية كوسيلة وهدف بحدّ ذاتها.

أستطيع أن أُجزم أنه لم يكن هناك نضوج لهذا الفكرة، كما بالسنة الأخيرة. من ميزات هذا النضوج هو تصويت نحو عشرين ألف يهودي للقائمة المشتركة. ولكن الأُفق توسّع أكثر بعد الانتخابات الأخيرة لأنها أفرزت نتيجتين بارزتين ذوّتتهما قطاعات واسعة:

  1. لا يمكن بالمطلق تغيير الوضع القائم بدون وزن المواطنين العرب. ولهذه القناعة استحقاقات بقضايا السلام، المساواة، الديمقراطية والعدل الاجتماعي.
  2. انهيار "اليسار الصهيوني" ووجود مئات الآلاف دون بيت سياسي، ومحمّلون بتساؤلات جذريّة ولحوحة حول إمكانيات التغيير.

وأستطيع أن أضيف بُعد آخر تاريخي، وهو أنه لأوّل مرة منذ العام 1948 فقطاعات واسعة جدًا من الجمهور الإسرائيلي لا تعتبر الخطاب "الأمني" القومي هو الأهمّ بهذه المرحلة، بل فقط الخطاب الاجتماعي، الاقتصادي، الصحي وحتى الديمقراطي. كلّنا نعلم أن هذه الأشهر استثنائية بسبب الكورونا، وكلنا نعرف ان هذا الأمر قابل للتغيّر والتغيّر الحاد، ولكنه لافت نظرًا لاستثنائيته طيلة وجود هذه الدولة.

هذه التطورات انعكست أيضًا باستطلاعات الرأي، حيث حصلت المشتركة أكثر من مرّة على 15 أو 16 مقعدًا، أخرها قبل يومين، وذلك رغم حدوث هزّات داخل المجتمع العربي. فكنت اتصل بالمستطلع البارز كميل فوكس، وكان جوابه الدائم: منذ بدأت إجراء الاستطلاعات لم أشهد يومًا أنكم تصلون إلى مقعدين كاملين من قبل الجمهور اليهودي، إلاّ في الأشهر الأخيرة.

هذان المقعدان (الـ70 ألف صوت) هما للقائمة المشتركة بمركباتها الأربعة (الجبهة، الإسلامية، التجمع والعربية للتغيير) وهما انجاز كبير. وفي الوقت ذاته فنحن لسنا ساذجين لأن نعتقد أنّ هذين المقعدين ثابتان بكل الظروف. بل نعرف أن جزءًا يعبّر عن احتجاجه من "المركز يسار" وجزءًا سيتغيّر عند أوّل "حدث أمني"، وجزءًا سينضمّ إلى قائمة بعد إعادة بناء "اليسار!" وغيرها. ولكنّ السؤال الأهم لنا نحن، هو كيف يمكن التقاط هذه اللحظة واستثمار هذه التطورات، تنظيم هذه الآلاف وفولذتها؟!

القائمة المشتركة بمركباتها الأربعة (الجبهة، التجمع، الإسلامية والتغيير) تبقى قائمة الجماهير العربية والقوى اليهودية الديمقراطية الصميميّة، قائمتنا للانتخابات القادمة أيضًا، كما أكرر دائمًا وبقناعة راسخة. وفي الوقت ذاته نقيم الجبهة اليهودية العربية العريضة والميدانية (غير البرلمانية) لصدّ الفاشية بموقع الدفاع، وتوسيع تأثيرنا بموقع الهجوم.

منذ قيام الدولة، وخاصة بعد حرب الـ67 والحزب الشيوعي، ولاحقًا الجبهة، يدعوان لإقامة أوسع جبهة يهودية عربية ضد الاحتلال والفاشية. 

في السنوات الأخيرة وخاصةً السنة الأخيرة منها، شعرت بغضب (رفاقي ومحبّ) تجاه تنظيمينا (الحزب والجبهة) لأنني سمعت تذمرًا مستمرًا من وجود حركة جماهيرية ما، تذمرًا ممزوجًا بقلق من تحوّلها إلى حزب منافس! ولديّ أنا شخصيًا قلق من أن يقوم قريبًا حزب يهودي عربي ينافس بالانتخابات. ومصدر القلق ليس لأنهما (تلك الحركة الجماهيرية أو الحزب الذي سيقوم) قويّان وقادران. لا أبدًا، فلا أؤمن بقدرة أي عمل يهودي عربي حقيقي وواسع بمعزل عن الحزب والجبهة، وإنما قلقي نابع من أن موضعنا يجب ألا يكون بين "المحتجين الساخطين" بل موقعنا أن نكون أبرز الفاعلين المؤثرين. لنقل ما لدينا ولنؤسس نحن ما نريد، وعندها تستقيم الأمور.

مع هذه التطورات حان الوقت بامتياز لأن نكفّ عن المناداة والدعوة لإقامة الجبهة ضد الاحتلال والفاشية (وكذلك الاحتجاج والتذمّر من الآخرين) بل القيام بتوجّه فاعل لإقامة هذه الجبهة العربية اليهودية العريضة وفق مفاهيمنا نحن.

عندها، وفقط عندها، الفاشية لن تمرّ!

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب