الفكر العقلاني حسب تعريف لسان العرب المحيط لابن منظور،يستخدم مصطلحًا للتيارات الفكرية التي ترتكز على العقل والمنطق كمصدر للمعرفة، وقد ظهر هذا الخطاب العقلاني عند العرب مبكرًا، واتسم بالجرأة والنضج، واتسع تأثيره في الحياة العربية الفكرية والفلسفية.

وأكبر دليل على ذلك، وجود منتج فكري عقلاني في ثنايا الثقافة العربية،ظهر مبكرًا قبل الفكر التنويري الحر الإنجليزي والألماني والفرنسي بعشرات القرون،خاصة في عصر المأمون الحقبة التي بلغت بها الخلافة العباسية أوجها، وأصبح الفكر المعتزلي العقلاني هو المذهب الرسمي للدولة.

ويمثل هذا المنتج مجموعة من المفكرين الكبار ممن كانوا يبحثون بعقولهم عن الحقيقة بأسلوب واقعي،أخص بالذكر منهم،أبا العلاء المعري،والجاحظ ، وابن رشد، والزمخشري وابن المقفع، واخوان الصفا ورسائلهم، وأتباع المعتزلة الذين ساهموا في وضع طروحات فكرية متطورة؛ بالاعتماد على المنطق اليوناني لشرح القضايا العقدية الغيبية؛وتقوم طروحاتها أيضًا على إعطاء أهمية كبرى لحرية الإنسان ؛ والنظر إليه باعتباره غاية الوجود.

وللأسف الشديد واجه أصحاب هذا الفكر ردود فعل صاخبة، تعرضوا للتنكيل تارة ، وللتعذيب تارة أخرى، ولاتهامات الكفر والمروق والزندقة في كثير من الحالات، ومنهم من قتل حرقًا ومُثل بجسده كما حصل مع ابن المقفع الذي أعطى الثقافة العربية عدة كتب أدبية خالدة.

تقدمت أوروبا لأنها آمنت بأفكار ابن رشد العقلانية،وتأخرنا نحن العرب لأننا حرقنا كتبه، وآمنا بأفكار مجموعة من أصحاب الأفكار الرجعية الظلامية، التي لا علاقة لها بالتقدم والتنوير. لهذا نواجه في واقعنا الراهن قضايا التطرف والإرهاب الفكري، وهيمنة الغيبيات واتجاهات كثيرة غير عقلية، تجعلنا أسرى حصون الماضي القديمة، غير قادرين على دخول أبواب الزمن الحديث

 

وابن رشد فيلسوف تنويري منهم، أعطى للعقل أولوية كبرى،انتقد فكر الغزالي وفكر مذهب الأشاعرة الجبري اللاعقلاني الذي ينفي مكانة العقل ويلغي دور وفعل الإنسان وحريته في رسم مسار حياته.

وعبر ابن رشد من خلال نقده لهذا المذهب عن إيمانه بالعقل بلا حدود، ودعا للانفتاح على كل مجالات المعرفة العالمية،وللأسف الشديد لم يعترف أبناء جلدته بآرائه التنويرية،واتهموه بالكفر والمروق وحرقوا كتبه،وتلقفتها الثقافة الأوروبية الناهضة، واهتمت بها واعترفت بصاحبها؛ وجعلته في مصاف مشاهير المفكرين في العالم أجمع؛ وقامت بربط فكره بمشاكل أوروبا الاجتماعية والفكرية،وبهذا ساهم فكره بإيجاد الحلول لها وتبديد ظلمات القرون الوسطى، المثقلة بمظاهر الجهل والخرافات التي كانت تسيطر على الدول الأوروبية،وقد دُرست كتبه في جامعة باريس وجامعات العصور الوسطى،وظل فكر مدرسته "المدرسة الرشدية" الفكر المهيمن في أوروبا حتى القرن السادس عشر الميلادي، وهي فترة امتدت طيلة أربعة قرون، كان فيها ابن رشد الفيلسوف الأهم دون منازع.

ومن مظاهر تقديره في الزمن الراهن اعتزاز إسبانيا به، وقد عبرت عن ذلك مدينته مدينة قرطبة على أرض الواقع بإقامة نصب تذكاري كبير له لتخليد ذكراه، وذلك في شارع يشق طريقه بجانب سور قرطبة التاريخي، على مقربة من المسجد الكبير؛كما كرمته إسبانيا بتدريس فكره في مناهج تعليمها المقررة للمرحلة الثانوية، وإقامة مؤتمرات وندوات علمية للتعريف بفكره ورؤاه التنويرية الثاقبة.

ومن مظاهر تقديره إجماع عدد كبير من مشاهير المفكرين، بانه يعود له الفضل في كل ما حققته البشرية في الزمن الراهن، من إنجازات في مجال ثقافة التعدد والاختلاف؛لأنه انحاز مبكرًا في فكره إلى التعدد والاختلاف؛ ودافع عن حق الاختلاف الذي يجعل من التأويل صلةً جامعةً بين البرهان والشريعة،كما يعود له الفضل أيضًا فيما حققته البشرية من إنجازات في مجال المساواة ما بين البشر؛ وفي مجال حقوق الإنسان؛ خاصة حق المعرفة والتعلم واكتساب اليقين.

لقد تقدمت أوروبا لأنها آمنت بأفكار ابن رشد العقلانية،وتأخرنا نحن العرب لأننا حرقنا كتبه، وآمنا بأفكار مجموعة من أصحاب الأفكار الرجعية الظلامية، التي لا علاقة لها بالتقدم والتنوير والمنتج الفكري الانساني المعاصر.

 ولهذا نواجه في واقعنا الراهن قضايا التطرف والإرهاب الفكري، وهيمنة الغيبيات واتجاهات كثيرة غير عقلية، تجعلنا أسرى حصون الماضي القديمة، غير قادرين على دخول أبواب الزمن الحديث، ومجاراة متطلبات الحياة المعاصرة.

إن الحل يكمن في مراجعة المسلّمات والمطلقات في إطار عملية نقد عقلانية للموروث التراثي السلفي، و عملية ربط بين فكر ابن رشد وبين مشاكلنا الاجتماعية والفكرية كما فعلت أوروبا قبل عشرات القرون، علينا أن نحدد بموضوعية مجالات الاستفادة من فكره في أيامنا الراهنة، ويقيني أن فكره العقلاني النقدي فيه الكثير من الحلول لواقعنا المأزوم،المليء بصخب الفكر اللاعقلاني ونتائجه الكارثية المدمرة في كل دولنا العربية.

المطلوب هو اتباع منظومة ابن رشد الفكرية العقلانية المستنيرة، التي دعا فيها إلى تأويل النص عن طريق العقل،وسجل بهذا موقفًا متميزًا؛ مفاده أنه لا تعارض بين الدين والفلسفة، وإذا كان من تعارض ظاهري يمكن حله بالتأويل.

 

 

;