news
ملحق الجمعة

القبض على الدلالة: مقدّمة للنقد السيميائي التوليفي في الخطاب العربي

تقديم: خمسة أسئلة

خمسة أسئلة كبرى ظلّت تهيمن على كلّ أشكال الخطاب الأدبي والفنّي والثقافي والحضاري منذ كان الخطاب: ما هي الدلالة، أين تكمن، من ينتجها، كيف ولماذا؟ ومن هذه الحزمة الخماسية الكبرى تنسل أسئلة صغرى كثيرة متشعّبة، تنسل وتتناسل. اختلفت الآراء وتصادمت المذاهب في كلّ هذه الأسئلة القديمة الجديدة. أيّ انحياز إلى سؤال بعينهمن هذه الأسئلة، أو أيّ انشغال به دون غيره، لا بدّ أن ينهض على موقف فكري  أو يتّكئ على جملة من العقائد على نحو ما سنناقشه في الكتاب المرتقب.

ليس الحديث في هذا الكتاب عن المعنى ذاته وإنما عن الدلالة التي تتحصّل من تفاعلات كيميائية كثيرة. وليس عن الدلالة ذاتها بقدر ما هو عن تقعيدها والقبض عليها، عن سيرورتها وصيرورتها. والسيرورة تعني متابعة المسار الذي تتشكّل فيه، والصيرورة تعنى الصيغة التي تصير فيها "كيانًا" منجزًا تصحّ الإشارة إليه كدلالة. والقبض عليها يعني أولا ملاحقة النصّ بآليّات توافق مواصفاته. وهو قبضٌ لأنه يحتاج إلى استراتيجية توليدية ذكية،علمًا أنّ المعنى الأدبي نفسه يولد متخفّيًا متهرّبًا أو متنكّرًا مراوغًا في الأصل، فما بالنا بالدلالة؟ من هنا كان السعي إلى الدلالة نشاطًا طرديًا. والطرديات فنّ. البحث عنها فنّ ينضبط بضوابط النهج العلمي. ما يعني أنّ ممارسة هذا الفنّ تنبغي أن تخضع لأدوات إجرائية ملائمة. أو لنقل إنّ هذه الضوابط والأدوات الإجرائية تحتاج إلى فنّ، إلى فنّان مبدع يعرف كيف يشغّلها. 

 

الحالة العربية: توصيف ثقافي نَسَقي

الثقافة العربية في جذورها البعيدة هي ثقافة قبائلية وعشائرية، مقامها وقوامها مفهوم الجماعة، تلتفّ حول رأي المجموعة وتنسجم مع فكرة التوكيل والتكليف والمبايعة. فتوكّل أو تكلّف أو تبايع واحدًا يرعاها. اتفاق الجماعة والتفافهم حول موقف واحد أهمّ من مصداقية الموقف نفسه. قال أجدادنا "تخرب بيد الكلّ ولا تعمر بيد واحد". ثقافة الجماعة في الشعوب"الجماعية" وما تفرزه من التفاف حول واحد، تغذّي فكرة السلوك الموحّد وعقلية الموقف الوحيد الذي يوكل إلى راعٍ أوحد. ولأنه أوحد، لم يخلق له الله كفوًا في الحكم والحكمة، صار لا يليق إلا بالحكم وصار الحكم لا يليق إلا به وبنسله وخَلَفِه إلى يوم الدين. المفارقة العجائبية في الثقافة القبائلية والعشائرية هي في هذا التخليق الهجين بين الجماعة والفرد، بين القيمة العليا التي تحظى بها الجماعة وتحكيم حاكم واحد لا يعرف كيف يرعى هذه القيمة. الثقافة القبائلية هرمية في مبناها، عمودية في منحاها تُنزّل فرماناتها من فوق إلى تحت بانتظام وانضباط، كيلا تنفر الآراء وتفسد الرعية وتعمّ الفوضى وينفرط عقد الجماعة. وهكذا  باسم الجماعة، باسم الأسرة والعائلة والقبيلة والمجتمع والطائفة والدولة والأمّة، أنطمس الفرد الواحد. باسم "الدولة" يحقّ للسلطة الأبوية الفحولية أن تُروّع المواطن وتقمعه. 

هذا التوتّر القديم بين الجماعة والفرد في الثقافة العربية المتراكمة أخذ ينسرب إلى الذهنية العربية العامة، ليظهر لاحقًا في أنساق ثقافية فرعية أبرزها القمع والترهيب والخوف والتخلّف والفقر والعنف والفحولة والتكفير والاقتتال. ولمّا كانت الأنظمة تعي عمق هذا التوتّر وتوابعه صارت تبحث عن آليّات مزيّفة لتنفيس الاحتقان وتفريج الشدّة، غايتها التسلية والإلهاء والتخدير. فبدأت تبيع المواطن انتصارات وهمية مزيّفة في وسائل إعلامها المجنّدة، وتروّج بعنف واقتحام ثقافة المتعة والتسلية والاستهلاك. وهذه، بتعبير محمد عزام، "ثقافة سطح" يغذّيها فكر برجوازي انتهازي. وهي ثقافة عائمة راكدة بعيدة عن الهموم الأساسية، ثقافة الاتجاه الواحد والنقل والتكرار، لا ثقافة التفاعل والإبداع، وثقافة النظام لا ثقافة الجماعة. أما "ثقافة العمق" فهي بوار، خراب، يباب. والصراع بينهما ينتهي بغلبة الأولى على الثانية.وبقوّة هيمنتها الكاملة على وسائل الإعلام. وهكذا تتبدّد مشيئة المواطن وتتعمّق ثقافة الاستهلاك القسري التي تركن فيها الشعوب العربية إلى الآخر الجاهز والمعلّب والمنجز. وحين تكون مقموعًا ومتخلفًا لا بدّ أن تفقد القدرة على الإبداع والرغبة فيه، ولا يبقى لك ما تُحسنه إلا الاستهلاك. جماليات القمع، بتعبير جابر عصفور، هي جماليات نبرية ارتجاجية تعزّز ثقافة الهمس الخافت والستر والتستّر والنكوص إلى حدود الوعي الفردي وتوهن بلاغة الحوار.

من هنا بالضبط، في ظلّهذه الحالة العربية المرعبة، نحتاج الى نظرية نقدية تحضّ على فعل الإنتاج، عمادها العقل النقدي الذي يعرف كيف يستنزف الأنساق الثقافية النقلية ويرهقها باستمرار.العقل النقدي الذي نسعى إليه هو أفق مفتوح لا ينتهي لأنّ الحاجة إلى العقل والحرية والتقدّم والثورة على كلّ ما هو جامد متوقّف لا تنتهي ويجب ألا تنتهي.العقل النقد يسابق لمبدأ الحرية، وتفعيله سيميائيًا ناتج بالضرورة عن مُساءلة العلّة قبل المعلول أو بمعزل عن المعلول نفسه. مُساءلة الطريق قبل مُساءلة الوصول. لا يعنيني وصول النصّ في ذاته إلى غاية دلالية محدّدة بقدر ما يعنيني فعل الوصول كنظام تعرّف أولا وتعارف ثانيًا. يعنيني النهج الذي يضطلع بفعل الوصول ويعرّفني على أنماط التفكير في كلّ منظومة سيميائية كشرط قبلي للبدء بفعل التفاكر والمثاقفة كحالة حوارية.

كانت حرب 1967 محفّزًا صاخبًا للمثقّفين العرب للبحث عن آليات تحديث العقل العربي وتجاوز حالة الهزيمة الداخلية إلى حالة انتصار. فكان أن انبهر بعضهم ببريق الحداثة وما بعدها على النحو الذي تقدّمه الثقافات الغربية. وكانت النتيجة أن فشلوا فشلا ذريعًا بدليل استمرار حالة الهزيمة وتعمّقها في كلّ أقطار العالم العربي. كلّ النخب التي اتّجهت إلى اللهو بالتحليلات اللغوية واللعب بالأشكال والبنى تفكيكًا وتركيبًا قد "هجرت" القاعدة الجماهيرية وذهلت، بغير قصد، عن هموم الناس وآلامهم وآمالهم. وعند هذه النقطة من النقاش ينطرح سؤالان: هل الكاتب مستقلّ في عملية الكتابة؟ وهل الناقد مستقلّ في عملية القراءة والاستدلال؟ لا قطعًا. إنّ فكرة المؤلّف المفرد والناقد المفرد هي وهمٌ.كلٌّ منهما ناطق بلسان الأنساق الثقافيّة المهيمنة التي تتسلّل إلى أوتاره الصوتية بإلحاح شديد.وهكذا ينطق كلٌّ منهما بحنجرته وحنجرة جماعته، ما يجعل الكاتب بالتالي "مؤلّفًا مزدوجًا"، بتعبير الناقد السعودي عبد الله الغذّامي، والناقد تعدّديًا. والناقد التعدّدي، على النحو الذي نقترحه هنا، هو هذا الذي يمثّل أفق توقّعات الكاتب وينطق بلسان الجماهير، هو في المجمل من يعرف بعقله الاجتهادي المنفتح كيف يبني سيميوزا وكيف يفكّكها ويحيل علاماتها النصّية إلى مرجعيّاتها الداخلية والخارجية ليخرج بالتالي بدلالة يرتضيها أو يقارعها.

ثلاثة أشكال من الواقع في كلّ فعل أدبي أو أيّ سيرورة فنّية عامة: الواقع الحيّ الموجود، الواقع النصّي، والواقع المنشود. الواقع الحيّ المعيش هو خطاب الثقافات العامة لأنه يتبدّى في أنساق ثقافية. والنسق الثقافي هو توصيف لممارسات وتراكمات سلوكية وأخلاقية، هو فعل عنونة أو تسمية. كلّ الأنساق الثقافية التي تشكّل واقعنا العام جاز أن نوجزها بلفظة "الألم". والواقع النصّي هو واقع افتراضي مجازي لأنه نتاج تخليق من شظايا الواقع الحيّ ومحصّلة تفكير الكاتب. أما الواقع المنشود فهو واقع مأمول، وبوصفه غاية منشودة فلا بدّ أن يكون موسومًا بـ "الأمل". خطاب الأمل هو أول وآخر مسؤوليات الخطاب النصّي. السؤال الأكبر إذًا: كيف يتمّ الانتقال من خطاب الألم إلى خطاب الأمل؟ أو من خطاب الشدّة إلى خطاب الفرج؟ في الثقافة التداولية نمارس كثيرًا من أشكال الاستعمار الموجع.ونعاني بصفة يوميّة من وجع الصراعات الطائفية والعائلية والقبلية والحزبية والفكرية والفحولية الجندريّة والاجتماعية والسياسية والأخلاقية على كلّ المستويات. فيأتي خطاب النصّ لـ "يخلق" واقعًا مجازيًا مغايرًا مسكونًا بالرغبة المحمومة في صناعة الأمل والحلم. نتحدّث في خطاب الأمل والحلم عن انفراجات وهمية افتراضيّة. ولأنّ الصدام بين الخطابين هو بين الحقيقة والوهم، حقيقة الألم ووهم الأمل، كان لا بدّ من البحث عن طريق تختصر المسافة بينهما. ولأنّ الصدام بين الحقيقة والوهم صدام أفقي باتجاه واحد كان لا بدّ من البحث عن طريق ارتدادية تجعل الوهم حقيقة. 

هل وظيفة الأدب هو التذكير؟ هل يعمل الأدب كساعة منبّه تدقّ باستمرار على رأس كلّ ساعة؟ هل تتلخّص وظيفة الأدب بتحقيق غايتين اثنتين فقط: توصيف الداء وتحديد الدواء؟ هل الغاية القصوى من الأدب هو النسخ أعني ترسيم الناسخ والمنسوخ؟ هل أنا كقارئ فلسطيني في حاجة إلى أدب محمد نفاع وإميل حبيبي وسميح القاسم ومحمود درويش، أو غيرهم، حتى يعلّموني شيئًا عن الظلم اللاحق بشعبنا؟ أو يدوّنوا أمامي كلّ آفات مجتمعنا؟ إذا كنا كلنا نعرف بأنّ هناك ظلمًا واقعًا علينا، من الداخل والخارج، ونعرف الطريق للخلاص منه فما حاجتنا إذًا إلى هذا الأدب؟ من منّا لا يعرف الواقع الذي يعيشه بكلّ دقائقه؟ هل أقصى ما نبحث عنه في الأدب هو الثقافة أو المعلومة أو الخبر أو المعرفة نفسها؟ أم أننا في حاجة إلى ما هو أبعد وأعمق؟ أنا في حاجة إلى كلّ هؤلاء الكبار حتى أكتشف أنماط التفكير التي دفعتهم إلى فعل التنصيص. واكتشافها يدخلني مباشرة في حالة تَفاكُر، هي حوارية فكرية افتراضية مع الكاتب. أنا أريدهم كي يحفّزوني أو يحضّوني أو يستفزّوني إلى نقاش، لأنّ الأدب هو فعل حضّ واستفزاز بفطرته وطبيعته وليس مخزونًا معرفيًا.  

تأسيسًا على هذا المنطق يجب أن ينتقل النقد الأدبيمن حالة التوصيف، المألوفة في النقد المحايث، إلى حالة الإنتاج. وحين ينتقل الناقد من التوصيف، المضموني أو الشكلي، فإنه يحتاج إلى جهد يرتقي إلى مرتبة الجهاد. والجهاد يحتاج إلى عقل اجتهادي بالضرورة. قد يكون العقل على مستوى المبدأ توصيفيًا لا اجتهاديًا.ونحن نعرف الكثير من العارفين العالمين الذين يتقنون فنّ التخزين المعرفي. النقد هو اجتهاد،هو قراءة على قراءة. هو محاولات مثرية للتفاكر والمثاقفة والاستعلام والاستخبار والتعرّف والتعارف. ليست مهمّة النقد نقل الفكرة أو المعلومة أو الخبر أو المعرفة من عارف إلى عارف، من كاتب يعرف واقعه إلى قارئ لا يقلّ معرفة منه. ليست هذه هي مهمّة النقد. النقد هو تَفاكُر، هو تلاقح بين تفكيرين،  تفكير يتفاعل مع تفكير، تفكير ناقد مجتهد مع تفكير كاتب مجتهد. وإذا تحاور مجتهدان قد يقع أحدهما في "الصواب" ويقع الآخر في "الخطأ". نحتاج إلى حوارية تفسح المجال للخطأ لأنه الشرارة التي تشعل جدلا. والجدل 

أساس المثاقفة. لا تحرّموا الخطأ على أحد. فمن اجتهد فأصاب فله أجران ومن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد، أجر الاجتهاد، أجر تفعيل العقل النقدي. 

أدب الفكرة ثقافيًا هو أدب إفحامي يعرف كيف يُفحم القارئ بأجوبة كاملة ودقيقة، يفحمه بالحقيقة المثبتة. أدب التفاكر ثقافيًا هو أدب استفزازي، يستنهض ويحرّض. أدب الفكرة صائت، يباهي بالصخب. أدب التفاكر صامت، يفكّر بصمت ويحاور بهدوء وتأنٍّ. فلنعمل معًا على ترسيم الخريطة قبل الاحتفال بالعمارة. فلنعمل جميعًا على رسم خطوط التفكير قبل الاحتفاء بالفكرة. ولتتلاقح أنماط التفكير لتنتج حالة تفاكر مستمرّ. أؤكّد بقوّة أنني لا أتحدّث عن توصيف الأساليب والتقنيات الشكلية والبنيوية والأسلوبية في النصّ. ليس الحديث عن استبدال النقد التوصيفي للثيمات والمواضيع بنقد توصيفي آخر متّجه نحو الأساليب والتقنيّات. إذا انحصر النقد الأدبي في بلاغة الخطاب اللغوي وجماله الشكلي والأسلوبي انحسر دوره وتراجع وصار نقدًا مسكونًا بالرغبة المحمومة في الإدهاش الجمالي. وكأنّ الجمال حالة واحدة مضبوطة بحدود ثابتة أو كأنّ الناقد هو الوحيد الذي يملك مفاتيحها. لا ريب في أنّ نقدًا كهذا هو نقد إفحامي عنيف.

 

السيمياء: علم وإنتاج وتواصل 

من هنا بالضبط، من قلب هذه الحالة ينبغي أن نبحث عن آليّات نظرية وإجرائية جديدة ترتقي إلى مستوى الحالة العربية العامة، عن أدوات حضارية استراتيجية تتأسّس على قاعدتين: (1) حاجة الأمة أو حاجة الشعوب العربية إلى نظرية بعينها توافق خصوصيّتها الحضارية وتاريخها الامتدادي التراكمي مثلما توافق حالتها الراهنة. (2) تأييد آليّات الإنتاج بأدوات "علمية". ما يعني الانتقال من الاحتفال بالمعنى إلى الاحتفاء بأدوات إنتاجه، لأنها في النهاية تُحيل إلى السياقات الثقافيّة والحضاريّة. وهو ما يعني الجمع بين المعنى وأدوات إنتاجه. والجمع الذي أعنيه يحضّ على التفكير في أدوات الإنتاج وتسريع الانتقال من ثقافة الاستهلاك في كلّ مناحي الحياة إلى ثقافة الإنتاج. وهو في المحصّلة الأخيرة تحرّرٌ محسوب من السطوة الحصرية للنصّ ومنتجه. هكذا تتحوّل العلاقة الأفقية والرأسية الأحادية من فوق إلى تحت، من النصّ ومنتجه، إلى علاقة ثنائية ذات اتجاهين يشعر فيها المتلقّي بقدرة على الإخصاب والتوليد. نحتاج إلى تخليق سيميائي واسع تتفاعل فيه ثلاثة اتجاهات سيميائية كبرى: نصّية وثقافية وعضوية إنسانية. نحتاج إلى نقد جهادي يجاهد بالاجتهاد، والاجتهاد يحتاج إلى عقل نقدي يترجم الفكرة إلى فعل تفاكر (أو المعرفة إلى تعرّف وتعارف، والمعلومة إلى استعلام، والثقافة إلى مثاقفة، والخبر إلى استخبار). 

لماذا نظنّ أنّ السيميائية التوليفية هي مطلب الساعة؟ لأنها تحقّق ثلاثة هي من أكثر احتياجات الحضارة العربية الراهنة إلحاحًا: العلم والإنتاجية والتواصل. العلمية تثبّت التفكير الواعي والمحسوب، وترسّم ثقافة القياس والمقارنات والتركيب والتحليل والربط والاستنتاج والاستدلال. العلمية هي الحاضنة الأولى للعمل النقدي الإجرائي الدقيق. والدقّة تضبط النصّ بضوابط مسحوبة من مجمل عناصره ومواصفاته. الإنتاجية تكرّس ثقافة الإبداع وتُخلي ثقافة الاستهلاك السريع والمعلّب الجاهز. تقوّي دور القارئ، المتلقّي بصفة عامة، وتمنحه قدرة على المقارعة والجدل والمحاججة. التواصل مع المبدع والتفاعل مع ما يمثّله من أنساق ثقافية تنسرب، بصفة أو بأخرى، إلى بنيات النصّ وتشكيلاته. ومن هنا كانت المبادئ السيميائية التي حدّدها بيرس أقرب إلى الذهنية العربية وأقرب إلى المطلوب من سيميائية دي سوسير الألسنية التي تجعل العلامة اللغوية تحيل إلى تصوّر ذهني للمدلول وليس إلى وجود فيزيائي محدّد. والنظرية التي تهمل المرجعيّات الواقعية في كلّ حالة سيميوزا لا يمكنها أن تستجيب لمتطلبات الشعوب العربية وحاجاتها وتفاعلاتها مع واقعها. 

السيميائية هي عودة إلى الحقيقي بعد أن كانت التوجّهات الحداثية وما بعدها تكرّس ثقافة الافتراضي وصناعة الوهم. لأنّ العِلمية، التي تهيّئ ضوابط ومعايير لكلّ فعل إنتاجي، تكفل في المحصلة الأخيرة قدرًا كبيرًا من التواصلية. فالقارئ حين يلتقي في دلالاته الاجتهادية مع المعاني النصية، المختفية في ثنايا القصدية، هو في الحقيقة يتواصل مع الكاتب المرسل في سياق خارجي يحيل إلى النصّ بصفة أو بأخرى. بيرس يرى في العلامة تشكيلا من ثلاثة أركان: هي الأداة الحاملة للفكرة، قد تكون لغة أو مادة أو سلوكًا، والفكرة نفسها التي تؤدّيها الأداة، والمرجع الموضوعي المادّي الذي تمثّله العلامة. وهكذا يرى بيرس أنّ العالم المادّي والواقع، الذي نعيش فيه، ينبغي أن يقف في أساس التصوّر النظري للعلامات. فلا يمكن فهم العلامة، أيّ علامة، كما لو كانت مقطوعة عن سياق أو مرجعية مادية، معزولة عنه. ونحن نفهم العلامة لأننا نعلم، بصفة أو بأخرى، أو ندرك تشكّلها المادّي ونتصوّر مرجعًا ماديًا تشير إليه. السيمائية هي عودة إلى الحقيقي لأنها: (1) تُسائل النصّ. وفعل المساءلة هو تفعيل للعقل النقدي الذي ينصقل بفضل التطبيق. (2) لا تفرض جوابًا محددًا لأنها لا تنشغل بالمعنى العابر بقدر انشغالها بالطرق الموصلة إلى الدلالة التي تتقعّد عليه. ومن هنا تنمّي السيميائية الحسّ الديمقراطي الذي لمّا يتحوّلْ إلى نسق مركزي في أنساقنا الثقافية.(3) تُقارب النصّالأدبي بوصفه حالة يشمل مركّبات كثيرة تأخذها السيميائية باعتباراتها: وضعية الإنسان الثقافية، أنماط التفكير، البيئة القريبة والبعيدة وغيرها من التفاصيل. 

العلامة تقف في صميم الدرس السيميائي بوصفها تعبيرًا عن علاقة تمثيل بين شقّين: دالّ (هو أ) ومدلول (هو ب). وهذا التعريف الأولي ينهض على ثلاثة أسئلة كبرى: كيف؟ بماذا؟ ولماذا؟ كيف تقوم "أ"  بتمثيل "ب"؟ هل تمثّله تمثيلا أيقونيًا أم إشاريًا أم رمزيًا؟ بماذا، أي ما هي المعطيات النصّية التي تجعل "أ" يمثّل "ب"، أو تجعل "أ" و "ب" يتشابهان ويجتمعان في قاسم مشترك؟ ولماذا، أي ما هي الأسباب التي تجعلنا نشبّه "أ" بـ  "ب" ؟ وماهي الأغراض والغايات التي نسعى إليها من خلال هذا التشبيه والتمثيل؟ السؤال الأول إذًا مشغول بنوع التمثيل، والثاني بمادّة التمثيل والثالث بغرض التمثيل. هذه الأسئلة الكبرى تجعل الفعل السيميائي مشغولا بالتعرّف والتعارف أكثر من انشغاله بالمعرفة نفسها، لأنّ الطريق الموصل إلى المعرفة لا يقلّ أهمية عن المعرفة الغائية نفسها.      

قال بوتر جملة دقيقة مفادها أنّ السيميائي ينشغل بفهم ما هو موجود عبر ما هو مفقود. وهكذا تتبنّى السيميائية النصّية "ثنائية المحور" مبدئيًا، وهو في الأصل منطق بنيوي مؤسّس على ثنائيّات دي سوسير. فكلّ سيميوزا تتشكّل من محورين: (1) المحور التركيبي الأفقي وهو يمثّل الحضور والتجلّي، (2) المحور الرأسي الاستبدالي وهو يمثّل الغياب والخفاء… والانتقال إلى المحور الرأسي يجعل الجملة غامضة لا تُفهم إلا بقياسها مع ما هو غائب.ما يعني أنّ معنى كلّ مفردة في الجملةلا يتحدّد إلا بعد مقارنته بمفردة افتراضية أخرى غائبة. لو قلت مثلا "سافر إبراهيم طه إلى الجامعة" لوجب عليك أن تسأل لماذا اختير الفعل سافر وليس حضر أو قدم أو ذهب، ولماذا إبراهيم طه وليس سمير عدنان مثلا، ولماذا إلى الجامعة وليس إلى المجلس البلدي.. وكلّ هذه الأسئلة المقارنة أو الاستبدالية القياسية،مثلما نرى، تُحيل إلى نصّ آخر، نصّ افتراضي غائب. لكنّ هذه اللعبة الاستبدالية مرعبة بعبثيّتها لأنها لا تنتهي، تظلّ في حركة دائمة دائبة في داخل اللغة نفسها. وكأنّ اللغة كيان مغلق ومستقلّ. عند هذه النقطة تحديدًايجب أن نوقف لعبة الاستبدال حتى لا تتحوّل إلى حالة عبثية مرهقة.  وإيقافها لن يكون إلا بتصوّر مرجعية مادية موضوعية خارج اللغة وسابقة لها. وهكذا لا أفهم خصوصيّة الفعل سافر في الجملة واختلافه عن أيّ فعل آخر إلا لأني أعرف بالفعل ما هو السفر بصفة عامة وإلى الجامعة بصفة خاصة. أعرفه وأمارسه في واقع مادّي موضوعي. وأعرف أيضًا الفرق العملي بينه وبين الفعل ذهب مثلا. وقس على ذلك بقيّة أجزاء الجملة. هذه المرجعية المعرفية والتجربة العملية تجعل العلامة مطابقة للواقع وهي أول الشروط التي تجعل اللغة مفهومة.

 

من باب الإجمال

السيميوزا المقترحة هنا هي محصّلة قراءة متراكمة ومتأنّية في الدرس السيميائي بكلّ أصوله وتفريعاته.  وهي تنهض على خمس قوائم:

أولا: "أ" تمثّل "ب" وتنوب عنها. إذًا "أ" هي نصّ حاضر يُسمّى الدالّ و "ب" هي نصّ غائب يُسمّى المدلول.

ثانيًا: هناك من أراد ورسم وقصد أن تكون "أ" بديلا عن "ب" لعلّة أو غاية. ما يعني أنّ السيميوزا لا تتمّ من تلقاء نفسها، بل هي ترتدّ إلى تفكير محسوب. 

ثالثًا: الاهتداء إلى النصّ الغائب "ب" يحتاج إلى متلقّ قادر ومؤهّل ومنتج.القارئ المتلقّي لن يصل إلى حالة يقين أو قناعة بأنّ "أ" تمثّل "ب" بالفعل إلا إذا اجتهد في التفكير مثلما اجتهد الكاتب، وشغّل عقلا نقديًا منفتحًا  لا يخشى المغامرة أو حتى "الخطأ".

رابعًا: الاهتداء إلى "ب" يجب أن يمرّ عبر القنوات التي جعلت "أ" تمثّل "ب". أعنى طريقة التفكير التي مكّنت الكاتب المرسِل من الاعتقاد بأنّ "أ" تمثّل "ب" حقًا. ولا يحقّ لهأن يكتفي بالعلاقة المباشرة التي تربط بين "أ" و "ب"، أي بين الدلّ والمدلول رغم أهميّته.وهنا يدخل دور الأنساق الثقافية في التأثير على تفكير الكاتب في إقامة العلاقة بين "أ" و "ب".   

خامسًا: ولذلك لا ينشغل القارئ بالمدلول (أو المعنى) كغاية نهائية قصوى. أعني أنّ القارئ يجب ألا يحصر اهتمامه بالنصّ الغائب "ب" في ذاته، بقدر ما عليه الانشغال بالبحث عن تفكير الكاتب حتى يتواصل معه بصفة أو بأخرى، إما بالقبول أو الرفض والمقارعة.. هذا الانشغال يوصله إلى حالة تفاكر وهو نتاج تفاعل بين تفكيرين. وهذه هي الدلالة. الدلالة إذًا هي الكلّ الناتج عن تفاعلات كيميائية بين الدالّ والمدلول. 

هذا التصوّر السيميوزي، على النحو الذي نقترحه هنا، لا يمكنه أن يتشكّل أو يتفكّك إلا من خلال تخليق ثلاثي يجعله توليفية ثلاثية:

أولا: معرفة المعطيات النصّية: على المستوى المعجمي والنحوي، ثمّ على المستوى التداولي للغة، ثمّ المستوى البنيوي بما يشمله النصّ من محور تركيبي أفقي (ما يعني تفاعل المفردات بعضها ببعض من الوراء إلى الأمام وبالعكس)، ومحور استبدالي رأسي يكفل المقارنات والقياسات النصّية. وهذه من ضوابط السيميائية النصية والبنيوية.

ثانيًا: معرفة الأنساق الثقافية الطولية والعرضية التي يتحرّك فيها الكاتب ويكتب. وهذه المعرفة تعني نوعًا من الانتماء الجزئي أو الكلّي، المتورّط أو المحايد. ومعرفة الأنساق الثقافية ضرورة للقارئ حتى يعرف "كيف" يكتب الكاتب، وحتى ينتقل من السؤال "ماذا" يكتب  و "عمّا" يكتب إلى سؤال الكيفية وطريقة التفكير التي تسبق فعل الكتابة وترافقه. وهذه من جملة الأسئلة التي تنشغل بها السيميائية الثقافية. 

ثالثًا: كتابة الأدب وقراءته هي لضرورة التواصل الاجتماعي. وهذه من شروط تحسين الواقع الذي نعيش فيه. وتحسينه من أبرز آليّات الصراع من أجل البقاء على مستوى الفرد أو الجماعة أو الكون. وهذا لا يتحقّق إلا إذا استثمر الإنسان كلّ ملكاته الإنسانية الفطرية في المعرفة والتعرّف والتعارف لغايات البقاء على النحو الذي يليق بالإنسانية.لأنّ الإنسان لا يكتفي بالتأقلم للواقع، كما تفعل بقيّة الكائنات الحيّة الأخرى، بل يسعى إلى تغيير الواقع كشرط قبلي للبقاء. والتغيير يتحقّق بالتفاكر والمثاقفة... وهذه كلها تقع ضمن اهتمامات السيميائية العضوية الإنسانية.

*هذا المقال يقدّم لكتاب جديد قد أنجز، يحمل العنوان نفسه ويقعّد القواعد للدرس السيميائي التوليفي في الخطاب العربي العام نظريًا وتطبيقيًا. 

 

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب