news-details

القراءة الثالثة- الجملة الافتتاحية: قراءات في "رأس المال" | هشام روحانا- الكرمل 

(الفقرة 125:1 في النص الإنجليزي وهي الفقرة 49:1 في المصدر الألماني الطبعة الأولى من رأس المال)

The wealth of those societies in which the capitalist mode of production prevails, presents itself as “an immense accumulation of commodities,”1 its unit being a single commodity. Our investigation must therefore begin with the analysis of a commodity.

أقترح ترجمة هذه الفقرة كما يلي:

تعرض ثروة هذه المجتمعات التي يسود فيها نمط الانتاج الرأسمالي نفسها على أنها "تراكم هائل من البضائع" (1) والوحدة الأولية لهذه الثروة هي البضاعة المفردة. وعليه فإن بحثنا يجب أن يبدأ بتحليل البضاعة.

كامل هذه الجملة الافتتاحية هو اقتباس يشار له بالرقم (1) من مؤلف سابق لماركس هو "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" ونشر عام 1859، وتظهر هذه الجملة هناك على هذا الشكل: [إن ثروة هذه المجتمعات التي يسود فيها نمط الانتاج الرأسمالي تعرض، للوهلة الأولى، نفسها على انها تراكم هائل من البضائع، والوحدة الأولية لهذه الثروة هي البضاعة المفردة] وتفصل بينه وبين رأس المال في طبعته الألمانية الاولى عام 1867 قرابة تسع سنوات لم تستطع تغيير بنية هذه الجملة. 

فهذه الجملة الافتتاحية هي ذات أهمية كبرى إذًا، والبعض يعتبرها تلخيصًا مكثفًا للكثير من أفكار ماركس وسأحاول هنا إلقاء الضوء على بعض ما تحمله من معاني. 

يرفع ماركس لواء عِلم الاقتصاد السياسي الجديد القائم على نقد الاقتصاد السياسي البرجوازي، وها هو منذ البداية الأولى وبالضد وبدلا من تعبير آدام سميث؛’ ثروة الأمم‘ ‘[Adam Smith's 1776 An Inquiry into the Nature and Causes of the Wealth of Nations***].، يَنزل مفهوم ’الثروة‘ هنا من عليائه كمفهوم مجرد متعالٍ وقائم خارج الصراع وخارج التاريخ، فيصاغ على شكل ’ثروة المجتمعات‘ أننا امام مفهوم صراعي،  يُنظر إليه هنا على حقيقته بوصفه محصلة اجتماعية أو على وجه التحديد بوصفه محصلة عمل اجتماعي؛ ولهذا وبما أن هذه الثروة هي نتاج اجتماعي فإنها موضوع صراع ويجب حينها إعادة  تعريفها. ويحدد ماركس أنه سوف لا يدرس الاقتصاد السياسي بشكل عام بل الاقتصاد السياسي في المجتمعات التي يسودها النظام الرأسمالي. وهو يسعى لأن يحطم صنم هذه "الثروة" التي تظهر على أنها تكديس وتراكم للبضائع. يجب البحث عن تعريف بديل للثروة في مكان آخر بعيد عن البضائع، هذا هو لسان ماركس. 

مع أنه من المقبول ترجمة المصطلح الألماني’’ungeheure‘‘ في النص الأصلي لرأس المال إلى ’’ immense‘‘ بالإنجليزية، بمعنى هائل ولكنه يشير أيضًا الى ما هو وحشي ومخيف،  لهذا فإن معنى الفقرة يفيد بأن تراكم البضائع هنا هو تراكم هائل مخيف متوحش،  بما يتلاءم مع توصيفات يوظفها مرارًا في نقده للنظام الرأسمالي كمصاص الدماء والمستذئب وما شابه، تعبيرًا عن الكلفة الانسانية للنظام.

 إن هذه الصيغة حول البضاعة التي تعرض لنا نفسها تتكرر مرة أخرى في جملة إضافية في افتتاحية الجزء الثاني من هذا الفصل، أي الجزء المعنون بـ ’الطابع المزدوج للعمل المتجسد في البضاعة‘ (فقرة 56)  على الشكل التالي :   

At first sight a commodity presented itself to us as a complex of two things – use value and exchange value.

للوهلة الأولى عرضت لنا البضاعة نفسها على أنها مركب مزدوج من أمرين- قيمة استعمالية وقيمة تبادلية.

مما يفهم من هذا أن هناك إصرارًا لدى ماركس على استعمال هذه الصيغة "الثروة تَعرِض نفسها.. في نمط الإنتاج الرأسمالي..."، بخلاف الترجمة التي تقول: "تَبدو الثروة ..." أو " تَبرز الثروة....".

 للثروة في النظام الرأسمالي، أي لهذه الثروة التي تعرض نفسها على أنها تراكم هائل من البضائع هنالك: كينونة ذاتية، وكأن لها وجودًا منفردًا، مستقلًا على نحو ما، يُمكنها من أن تعرض نفسها، أن تغلف نفسها، أن توهمنا بأنها شيء ما آخر. تستقل الثروة منظورا إليها هنا على أنها تراكم للبضائع، عن المجتمع لتصير مسخا شبحيا يعمل على تكثير ذاته، على شكل تكديس للبضائع في النظام الرأسمالي وهو النظام المنتج للبضائع مقارنة مع سواه من انماط الانتاج. وما سيكشفه لنا ماركس لاحقًا أن للبضاعة منطقها الخاص القائم بمعزل عن الحاجات الموضوعية للمجتمع. وإذ تتخذ منتوجات العمل الإنساني شكل البضائع في المجتمع الرأسمالي فإنها تتحول من قيمة استعمالية نافعة إلى حامل للقيمة التبادلية التي تقاس بها مقارنة بالبضائع الأخرى. وما يجعلها كذلك هو هذا الانفصال ما بين منتوج العمل الاجتماعي النافع والبضاعة. ونقتبس ماركس من الفصل الفرعي من رأس المال بعنوان "صنمية البضاعة" فيقرر: "من الواضح وضوح النهار، أن الإنسان بنشاطه يغير شكل المادة التي توفرها الطبيعة على نحو يجعلها نافعة له. فشكل الخشب مثلا يتغير حين نصنع منه طاولة. ومع ذلك تظل الطاولة ذلك الخشب العادي... ولكن ما أن تبرز الطاولة كبضاعة حتى تستحيل الى شيء حسيّ عصيّ على الإدراك. فهي لا تكتفي بوضع أرجلها على الأرض، بل تقف على رأسها إن جاز التعبير، ازاء البضائع الاخرى، ويبدأ رأسها بإطلاق أفكار غريبة ...". انها تستطيع الآن أن تتظاهر بما هو ليس حقيقتها

إن انفصال القيمة التبادلية للبضاعة عن قيمتها الاستعمالية هو ما يميز نمط الإنتاج الرأسمالي. إن المنتوج الذي ينتجه الفلاح في المشاعية البدائية هو منتوج لاكتفائه الذاتي ولا يكتسب طابع البضاعة إلا حينما يذهب الفلاح بفائض انتاجه الى السوق يبادلها بفائض إنتاج جاره. 

وإن هذا التراكم الوحشي الشبحي للبضائع يعرض ذاته وكأنه هو شكل الثروة التي يجب أن يحققها المجتمع بوصفها القيمة العليا، وهو ما يطأ الإنسانَ بكلكله مُغربا إياه عن كينونته الاجتماعية والذاتية فيفقد ذاته امام تراكم هذه البضائع وهي التي ليست إلا صنيع يديه، فتصير هي السيد وهو التابع الملحق بها. تغدو قوة عمل الانسان ذاتها بضاعة تدخل هي أيضًا في سوق البضائع ويغدو صاحبها عبدًا لها.   

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب