news-details

الكتابة بين الفعل ورد الفعل- "أنف ليلى مراد" أنموذجا (2-2) | رياض كامل

 

دافع إيديولوجي توثيقي

كل عمل فني له مقصد معين يرمي المؤلف إلى إيصاله إلى جمهور المتلقين، فقد قامت الرواية التاريخية بدور هام جدا، في مرحلة معينة، حين عمد بعض الروائيين إلى تعليم الشعوب تاريخَهم وحضارَتهم. من خلال الرواية، كما فعل رائد الرواية التاريخية العربية جورجي زيدان عبر كتابة مجموعة كبيرة من الروايات التي تناولت تاريخَ العرب والمسلمين خلال مئات السنين. ورغم أهمية ما قام به في حينه إلا أن هاجس الفكرة المركزية الذي ألح على الروائيّ، والدافع إلى الكتابة التعليمية عند زيدان أديا إلى تكرار الأسلوب، وإن تبدلت الشخصيات وزمكانية الحدث المركزي، فلم نر تنوعا في الأساليب وفي التقنيّات. أما خداش فإنه يقوم بإحياء الماضي الفلسطيني القريب بطريقة مغايرة كليا عن أسلوب زيدان، وليس هذا من باب المقارنة، إذ شتان ما بين هذا وذاك.

ما يقوم به خداش يتعدى ردّ الفعل إلى الفعل. لا نأتي بهذه المقولة عفوا، بل لأنه ينطلق في مشروعه مدفوعا بمهمّة الدفاع عن الذات، في وجه رواية الآخر والتحول إلى الهجوم عبر زرع الثقة.  تقوم هذه المجموعة القصصية بإحياء أسماءٍ كان لها دور فاعل في إغناء ثقافة أهل َهذه البلاد، فكريا وفنيا وسياسيا واجتماعيا، قام الكاتب بعرضها بأسلوب عمدته التخييل والتكثيف والترميز الشفاف بهدف خلخلة ما يحاول الآخر إشاعته. هذا العمل يحفّز المتلقي إلى العودة إلى المصادر والبحث عن هذه الأسماء وعن دورها في إحياء الحركة الأدبية والفنية والفكرية في فلسطين ووضعِها على خارطة الحضارة العربية والشرقية.  وحثِّ المتلقي للبحث عن قرًى اختفت من فوق الأرض وبقيت في ذاكرة أبطال هذه المجموعة القصصية. 

يقوم خداش بعملية إحياءٍ وبعثٍ من جديد لما كان يوما واقعا لا خيالا. فإن كانت عملية البعث هي الخيال فإن الحقائق المطمورة هي وحدها، دون غيرها، الواقع الذي يمكن إحياؤه وبعثه من جديد في وعي الناس وفي وجدانهم، فتحوّلت الأحداث والشخصيات إلى رموز، بحيث إنّ كل شخصية عاشت في الماضي قد يكون لها مثيل في الحاضر، وكل حدث من الماضي قد يكون له شبيه في الحاضر. لم تكن فلسطين خرابا خاوية بل كانت تستقطب الفنانين ورجال الفكر والسياسة، وتقيم الاحتفالات وتستقبل كبار نجوم العالم العربي تعرض أفلامهم ومسرحياتهم، وكان فيها شعب يحب الحياة ويحب العلم والفن ويقدّر دوره. ومنهم من عمل في مجالات فكرية متعددة بحيث كانت ثقافتهم جزءا لا يتجزأ من ثقافة العالم العربي يساهمون فيها كمساهمة الآخرين. ورغم أهمية دافع الكتابة، ورغم أهمية التوثيق المدعم بالخيال إلا أن بنية القصص تشابهت في جلها. أما التبدل الأساسي فكان في الشخصيات التي تحمل كل منها حكاية مثيرة جديرة بأن تتجذر في الذاكرة. 

يبحث الكاتب عن كل ما سلب، لكنه في هذه المجموعة لم يتحدث عن الوطن بصورته المألوفة وعن التهجير، وعن الأرض وعن مواجهة الطفل بندقيةَ جندي محتل، أو عن عجوز يقف في وجه دبابة، بل ذهب باتجاه معالم الوطن الفكرية يذود عنها، مثلما يذود المقاتل عن تراب وطنه. لم يكن الوطن يوما شجرا وحجرا فحسب، بل هو كل هذه المركبات تجتمع معا وتختمر بفعل الثقافة والفن والأدب والمعرفة، إذ ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، وليس الوطن إلا بما عليه ومن عليه، مرهونا برصيد فكري من الماضي والحاضر.

إننا، عملا بتعدد رؤى المتلقين، نميل إلى الاعتقاد أن خداش الماضي هو نفس خداش الحاضر، ولو قيض لعيسى العيسى أن يبعث من جديد لكان هو ذاته اليوم كما بالأمس البعيد، وكأن ما كان من هموم تشغل بال المثقفين بداية القرن العشرين ما زالت تشغل بال المثقفين بداية القرن الواحد والعشرين. ما زال القلق ذاته، وما زال الهم ذاته. 

وحتى لا نضع الكاتب في حدود الإبداع المؤطر فإننا نرى أن الكاتب يتيح لأفكاره أن تحلق بعيدا فتمزج بين الواقع والخيال مع ميل إلى جموح الخيال أبعد من المعتاد. وللتوضيح نذكر أن "الواقعية" بكل تفرعاتها قد سيطرت على مجال الكتابة في الغرب وفي الشرق فترة طويلة من الزمن، وكانت تعنى بتوصيف حال الأمم وما ينتابها بشكل مفصل بحيث يبدو العمل الفني مرآة للواقع وللحقيقة. أما اليوم فإن الكاتب، وإن متح المواضيع من الواقع إلا أنه يبتعد عن التوصيف التقليدي ويجافي أصول الواقعية التقليدية التي تقترب من التوثيق والحفاظ على ربطه ربطا وثيقا بالمكان والزمان. وقد انتبه خداش إلى ذلك فعمد إلى تحاشي ذلك بخلق نصوص عمدتها الجمع بين شخصيات وأزمنة وأمكنة لا يمكنها أن تجتمع معا، ولا يمكنها أن تكوّن حدثا يعكس الحقيقة كما هي على أرض الواقع.

خداش مثل كثيرين من الأدباء الفلسطينيين في حالة غضب وألم مما آلت إليه أحوال الشعب الفلسطيني خاصة، والعربي عامة، وهو مثل غيره يكتب لا من أجل التعبير عن الألم فحسب، بل من أجل التغيير، فهو يرمي إلى تحقيق هدفين في آن معا: معرفة ما كان، وتغيير الواقع الحالي، أما اتباعه هذا الأسلوب التخييلي فإنما لتحقيق الصدمة لدى القارئ، كائنا من كان. إن واقع الحال يؤدي إلى شعور بالغضب والاحتقان، وبالتالي الدعوة إلى التغيير. وهنا بالذات تبرز أيديولوجيا الكاتب ورؤيته الفكرية التنويرية والتثويرية.

 

خلاصة

يسعى خداش في هذه المجموعة إلى تحديث أسلوب كتابة القصة العربية وكسر "أفق التوقعات" فتمرد على الزمن حين أتاح لبعض الشخصيات أن تجتمع معا رغم الفارق الزمني البعيد، وبالتالي فإن المكان، كما الشخصيات تبقى على حالها مما يتناقض مع منطق الحياة ومنطق القص التقليدي. فنجح في بناء هوية أدبية خاصة تحمل ختمه وحده، دون غيره.     

لم تسع هذه الدراسة إلى تبيان مفهوم العجائبية والغرائبية أو مدى تأثر الكاتب بهذا النوع من الكتابة بقدر اهتمام المقالة بكشف تمرد خداش على المألوف في أسلوب كتابة القصة وشكلها ومضمونها التقليدي، وسعيه إلى التمرد على الواقع وخلق بديل أفضل. لأن همه المركزي ينصب في بعث ما حاول الآخر طمسه ووأده. فسعى إلى التركيز على الفكر مؤمنا أنه هو الكفيل بالحفاظ على البشر والشجر والحجر وهو الضامن للبقاء والاستمرار والتطور.

يكشف خداش من خلال هذه المجموعة عن رصيد معرفي تراثي ثقافي تم غمره فأزاح عنه الغبار ونقّاه من شوائبه وألبسه ثوبا أنيقا يعيد إليه مكانته، وتعيد إلى الفلسطيني ثقته بماضيه القريب.

وبالرغم من الإشادة بالتحديث والتجديد في قصص خداش فقد انتابني، أحيانا، شعور أنني تهت في تفاصيل الأحداث بسبب طغيان الفكرة التي يرمي إليها الكاتب أكثر من عملية تنسيقها وصياغتها والتدقيق في طرحها الزمني، فبدت بعض القصص، وهي فعلا قليلة، غير مكتملة المعالم. بل إن بعض القصص بدت كأنها تقرير صحفي مباشر يسعى إلى نقل معلومة ما مفتقرا إلى الفنية التي ميزت معظم قصص المجموعة.

يرفض خداش ما آلت إليه الأحوال، هنا وفي العالم العربي عامة، فكانت كتابته دعوة إلى التثوير والتنوير واختراق الواقع وتبديله، وزرع الثقة بديلا للإحباط، والتزود بمعلومات هامة وغنية ذخيرةً حيّةً للحوار والنقاش. فإذا كانت الكتابة تبدأ كرد فعل، إلا أنها تتحول إلى فعل تغيير لا في الشكل فقط بل في الواقع.

في قصص هذه المجموعة قدر من الواقع يعادل نفس منسوب التخييل، فقد استحضر الكاتب قصصا عمدتها شخصيات لها وجودها في عالم الفكر والفن الفلسطيني، وبالرغم من أن معظم القصص تستمد أحداثها من الواقع لدرجة تجعلها قريبة من التوثيق إلا أنها تمكنت من اختراق عواطف المتلقي ووجدانه، فكان ما أسماه الكاتب "المفقودات" جزءا هاما من معمار مجموع القصص ومن رسالتها التي كشفت ضياع أوراق خاصة أو ضياع أغراض عزيزة على القلب، كما ضاع أصحابها وكما ضاعت فلسطين. 

يخرج المتلقي بعد قراءة المجموعة وقد اطلع على معلومات هامة من تاريخ الشعب الفلسطيني، وعلى بعض مراكز الإشعاع الثقافي مثل انتشار دور السينما والمسرح والمقاهي الثقافية، وعلى أسماء الفاعلين والناشطين فيها وعلى اللقاءات مع أهم الشخصيات من العالم العربي الواسع التي زارت فلسطين والتقت بأهلها. ما يعني أن فلسطين كانت جزءا لا يتجزأ من العالم العربي غير مفصولة عنه جغرافيا وفكريا.  

أعاد زياد خداش بعض معالم المكان دون الدخول في التفاصيل الخارجية، لأن همه الرئيسي لم يكن توثيقه، بل إعادة بهائه وتوهّجه، فالمكان بناسه وأهله وما عليه من فكر ومن نشاط، فبرز دور المدن الرئيسية مثل يافا وحيفا والقدس وعكا والناصرة. وبالتالي تصبح الكتابة لدى خداش ليست مجرد حالة دفاع أو رد فعل بقدر ما هي الفعل بذاته.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب