news-details
ملحق الجمعة

المثقفون والسياسة

قد يكون هذا مدخلًا لفهم بعض أوجه الحالة الفلسطينية: سياسيون يقبلون الواقع ويديرون ظهرهم للعدالة والأخلاق ويمعنون في البراغماتية، ومثقفون يتشددون نظريا ويمعنون في ترتيب الأنساق الفكرية ويديرون ظهرهم لسؤال موازين القوة في الواقع المادي. لا بأس ان يتعرف بعضهم على بعض وان يجيب بعضهم على الأسئلة التي يطرحها الاخر كي تبدأ محادثة بناءة، سياسيا وثقافيا

هناك ظاهرة تخص طبيعة الحياة السياسية الفلسطينية، فمنذ الستينات وحتى التسعينات، كان هناك تقاطع كبير بين النخبة السياسية والنخبة الثقافية في قيادة العمل السياسي الفلسطيني. تجسد ذلك في الداخل وفي الخارج. استذكر هنا أسماء سطعت في سماء الحياة السياسية الفلسطينية في إسرائيل للتدليل على هذا التقاطع: توفيق زياد، أميل حبيبي، سالم جبران، سميح القاسم، سلمان ناطور، عبد عابدي، أميل توما، حنا ابو حنا، بولس فرح، وحتى راشد حسين (لم يكن قيادة سياسية لكنه كان يعمل في السياسة) وما تلك سوى قائمه قصيرة وجزئية. فما الذي يعنيه هذا التقاطع؟ وما دلالاته وما طبيعة الأفق الذي يحده والذي يفتحه؟

لن ادخل في تعريفات ما هي السياسة وما هي الثقافة، وما هي محاسن الفصل والجمع بينهما، (ولا شك انه هناك فوائد للفصل) لكني اريد الإشارة الى فائدة واحدة حصريا بما يتعلق بالجمع: فالجمع بين الاثنتين يعني اولا ان يعرف السياسي ان له افقا ثقافيا اخلاقيا، مما يعطيه هامش المناورة ومخزون الثقة الضروري للمواجهات الطويلة والعنيدة، والتي يميل فيها ميزان القوى لصالح العدو. ان هذا الجانب الثقافي لرجل السياسة هو الإيمان الرومانسي الفعال بان بقاء الحال من المحال، وبان الحق دائما في طريقه ليصبح حقيقة وان الكلمات قد تكون أبقى من الطائرات.
ان الجانب الاخر لهذه المعادلة يكمن في الضبط الذي يمارسه الجانب السياسي للمثقف على عمله الفكري والثقافي. حين يكون المثقف سياسيًا، عاملًا وملمًا بالحقل السياسي، في موازين القوى، في التفاصيل الدقيقة، في احتمالات النجاح، في مهمه صنع البدائل، فان هذا كله من شأنه ان يحافظ على دنيويته والتصاقه بالعالم، بحيث لا يهرب من خضرة الحياة المبعثرة الى تناسق النظرية الرمادي، ليتذكر دائما ان التغيير، لا الوصف، هو مهمته الاولى والرئيسية.

ان هذا الجمع ما بين الاثنتين يعني ثقافة واعية لشرطها السياسي، وسياسة واعية لدورها الثقافي والأخلاقي الذي يتجاوز موازين القوى الراهنة. وحتى يكون هذا الدمج إيجابيًا وبناءًا فانه من الضروري ان يجمع المرء هذين الجانبين في موقفه في ان واحد، بمعنى ان يفكر في الالتزامين وان يجمع بين الضرورتين قبل ان ينطق بموقفه. هناك فرق بين ان يجمع بين الجانبين في موقفه وبين ان يجمع بينهما في شخصه. ان يجمع بينهما في موقفه فان ذلك يعني ان البعدين حاضرين معًا في لحظة اتخاذ الموقف او القرار، مما يحمل الشخص أعباء إضافية. لكن ان يجمع المرء البعدين في شخصه فهذا يعني انه يوم الاحد هو مثقف يعتني بسؤال العدالة الاخلاقي بغض النظر عن امكانات وأدوات تحقيقه، في حين انه يمارس يوم الاثنين دوره السياسي متخذا اعتبارات موازين القوى فقط، متناسيا اعتبارات العدالة والأخلاق. ان هذه الطريقة في الجمع ما بين البعدين لا تنتج مثقفا وسياسيا في ذات الوقت، او قل انها تنتج نوعًا معينًا من المثقف ونوعًا معينًا من السياسي، نوع معرض لإغراءات الانتهازية التي يتيحها هذا النوع من الجمع، لأنه يختار متى يتحدث بلغه المثقف ومتى يتحدث بلغه السياسي بما يناسب حاجته هو.
مع نهاية أيامه سئل الفيلسوف الألماني فيورباخ، والذي عاصر هيغل وكان احد تلامذته، حول رأيه في فلسفة هيغل، فأوجز بقوله: لقد بدأ هيغل حياته الفلسفية مع الفكرة (الروح) المطلقة بدون الالتفات الى اي واقع مادي، وانهى حياته الفلسفية بتكريس الواقع المادي (في إشارة الى اعتباره بروسيا تجليا للدولة المثالية والروح المطلقة) بدون اي إشارة للفكرة (الروح) المطلقة. والفكرة هنا واضحة وان لم يقلها فورباخ بوضوح الا وهي ان هيغل بدأ حياته مبشرا، دون الأخذ بمعطيات الواقع المادي، وانهى حياته مبررًا الواقع كما هو دون اي بعد نقدي اخلاقي ثوري.  وكثيرة هي الحالات التي انتهى فيها المبشرون الى التبرير، فهم إما أن يتواجدوا فوق الواقع او تحته، لكن ليس معه وفيه.
قد يكون هذا مدخلًا لفهم بعض أوجه الحالة الفلسطينية: سياسيون يقبلون الواقع ويديرون ظهرهم للعدالة والأخلاق ويمعنون في البراغماتية، ومثقفون يتشددون نظريا ويمعنون في ترتيب الأنساق الفكرية ويديرون ظهرهم لسؤال موازين القوة في الواقع المادي. لا بأس ان يتعرف بعضهم على بعض وان يجيب بعضهم على الأسئلة التي يطرحها الاخر كي تبدأ محادثة بناءة، سياسيا وثقافيا. لأنه من دون ذلك سيكون لدينا سياسيون بعيدون عن الثقافة وقيمها وأشغالها ومهامها، ومثقفون بعيدون عن السياسة وهمومها وضروراتها. ان وجود مسافة ما بين الاثنين هي هامة، لكننا في اتجاه يقود الى الجفاء بين الاثنين وهذا تطور لافت يستحق التوقف عنده.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب