news
ملحق الجمعة

المنحى الجديد في رواية هشام عبده "الوقائع العجيبة في زيارة شمشوم الأولى  لمانهاتن"| د. نبيه القاسم

مُفتَتح الكلام

تُشكّل رواية هشام عبدة "الوقائع العجيبة في زيارة شمشوم الأولى لمانهتن"(الآن ناشرون وموزعون. عمّان2019) منحى جديدا في الرواية الفلسطينية المحليّة، حيث أنّنا اعتدنا على الروايات التي تتناول، في معظمها، النكبة والصّراع القائم منذ أكثر من مائة عام بين الشعبين الفلسطيني واليهودي.

هشام عبدة في روايته هذه يطرح قضيتين مهمتين شغلتا الرأي العام في البلاد: 

الأولى: إقرار قانون "الهويات البيومترية" التي تكشف المواطن أمام أجهزة الدولة المعنية وتجعله مُراقَبا في كلّ تصرّفاته وتحرّكاته ممّا يحدّ من حريّته الفرديّة وحقّه كمواطن له خصوصيّاته وحياته التي هي ملكه فقط. وقد بدأت هذه القضيّة أوّلا ببداية تطبيقها في المطار وبالإلحاح على تغيير جواز السّفر العادي لجواز السّفر البيومتري المسَهِّل كثيرا على المسافر في تَخطّي الكثير من صعوبات الحَواجز التي عليه تَخطّيها. 

الثانية: الموقف الإسرائيلي المعادي للنظام الإيراني، والعمل على إضعافه بمحاربته على مختلف المستويات حتى ولو بُغامرة الهجوم المباشر غير مضمونة النتائج، الأمر الذي يجعل من قضيّة العداء هذه قضية تُشغل الرأي العام المحليّ والعالميّ. 

وهنا تكمن أيضا أهميّة هذه الرواية في مُعالجتها لقضايا تهمّ المجتمع ككلّ: اليهودي والعربي، والمجتمع الإنساني، داخل الدولة وخارجها.

وجاء اختيار هشام عبدة أسلوب الرواية البوليسيّة اختيارا موفّقا لما تتميّز به السّلوكيّات الإسرائيلية مع أيّ مشكلة أو قضيّة، بعيدة أو قريبة من حدود الأمْن القومي بتصنيفها في خانة الأمْن، وتتعامَل معها كقضيّة في منتهى الخطورة والحَساسيّة.

وقد افتقدت روايتنا العربية إلى سنوات قريبة هذا النوع الأدبي من الرواية البوليسية، وفي أدبنا الفلسطيني نستطيع أنْ نستذكر الكاتب، ابن مدينة حيفا "كامل نعمة" وروايته التي نالت انتشارا واسعا يوم نشرَها على حلقات، وفيها ملامح الرواية البوليسية، وأقصد رواية "الأشباح الحمر" التي صدرت في اثني عشر جزءا، وقد عرّفها بأنّها "رواية أدبيّة، عربيّة، بوليسيّة، غراميّة، إنسانيّة، أخلاقيّة، مؤثّرة. تُمثّل مَهارة وبطولة البوليس العربي المصري ونبوغ اللصوص في عالم الجرائم" والرواية طُبعت في مطبعة دار إحياء الكتب العربية لأصحابها عيسى الحلبي وشركاه. ولم يُكتَب تاريخ الإصدار. ولكن المحتَمل أنها صدرت أواسط سنوات الأربعين من القرن الماضي "العشرين".

  وحتى في الأدب الأوربي ظهور الرواية البوليسية جاء متأخرا، ومتزامنا مع نزوح الكثيرين من الرّيف إلى المدينة، وتَكوين مجتمع جديد تربطه علاقات اجتماعيّة واقتصاديّة وفكرية جديدة. وظاهرة العمران الواسعة والاكتظاظ السّكاني وظهور آفات اجتماعيّة لم تكن تُشغل الناس سابقا مثل الجنس، السّرقة، القَتل، الاغتصاب ممّا أقلق الجميع، وخاصّة سكان المدن الأصليين من الطبقة البرجوازية الذين أفزعتهم هذه الظواهر، وعملوا على مواجهتها بأجهزة بوليس قويّة وفَعّالة. ولأنّ الرواية في رأي ميشال بوتور "تَعْبير عن مجتمع يتغيّر، ولا تلبث أنْ تُصبح تعبيرا عن مجتمع يَعي أنّه يتغيّر" فقد بدأت تظهر الروايات البوليسية التي تتناول هذه الظواهر الاجتماعيّة الجديدة المقلقة كالقتل والاغتصاب والسّرقة. واتّفق معظم مؤرّخي الأدب على أنّ الرواية البوليسيّة بدأت مع إدجار ألان بو في روايته "جرائم شارع مورغ" عام 1841. 

 

رواية هشام عبده

يبدأ الكاتب روايته بقوله: "في اللحظة التي نزل إيال بيكهام إلى مياه البركة أضحى مصيره مختوما، مثلما أدّت رحلة هروب أوديبوس من النبوءة إلى تراجيديّته". (ص9) وهو بذلك يحدّد نهاية بيكهام من الكلمات الأولى للرواية، ويحاول أنْ يُسبغ على شخصيته مسحة النّهاية الدراميّة التي تُذكرنا بها مأساة أوديبوس.

وكما في القصص البوليسية وأفلام الإجرام بدأ روايته بجريمة قتل غير عاديّة لأستاذ جامعي في منتصف الخمسينات من عمره، قُتل بطعنة واحدة بسكين حادّ وهو يسبح في بركة الجامعة. غير عاديّة الجريمة ودراميّتُها وغرابتُها في أنّها حدثت في بركة داخل الحَرَم الجامعي، مُراقَبَة بالكاميرات وحضور المنقذ المكلّف بحراسة وإنقاذ السّابحين، وكانت تمتلئ بالسّابحين من طالبات وطلاب الجامعة، ويحرسُه مُرافق ملازم له ليل نهار.

تحضر الشرطة وتبدأ بالتّحقيق وتجميع الأدلّة والبحث عن المجرم. ومع تَواصل عملية التحقيق تزداد الأمور تعقيدا حيث تبيّن أنّ كاميرات الرّقابة كانت مُعطّلة من يومين ولم تُصوّر شيئا، والمنقذ كان مشغولا بالحديث مع فتاة غاية في الجمال طلبت منه أنْ يدهن لها ظهرَها بمرهم يمنع تأثير أشعة الشمس، وحارس البرفيسور كان منهمكا بجوّاله. كما أنّ الغرابة في اختفاء كلّ من الفتاة الجميلة بعد اكتشاف الجريمة، والرّجل الوسيم رياضيّ الجسم قويّ البنية الذي كان جالسا على كرسي بجانب البركة، كما شهدت طالبة رأته قبل اكتشاف الجريمة. 

تحقيقات الشرطة تكشف لنا معلومات كثيرة عن الضحيّة. فهو بروفيسور يرأس قسم السايبر الإنترنتي في الجامعة، يشتهر عالميا بأبحاثه الأكاديمية في علم السايبر. كان ناشطا سياسيّا مخضرما ومعارضا شديدا لسنّ قانون الهُويّات البيومترية (ص24)، وفي شبابه كان يشترك في مظاهرات حركات السلام، مُعارضا لسياسة الحكومة اليمينيّة، عاش وحيدا مع حاسوبه بعد أن خانته زوجته مع مُدرّب الرياضة وطلّقته ، وابنته تَركته وحيدا لتُسافر إلى منطقة التّيبت بشمال الهند، لتعيش حياة تَقشّف بوذيّة في الشرق. أحبّ البروفيسور طالبته الجميلة "تمار"، وكان يُعالَج نفسيّا من حالة البارانويا وجنون العَظمَة والاكتئاب الشديد وإحساسه بأنّه مُطارَد، وقد يُقتَل في كلّ لحظة ممّا دفع بالجامعة إلى تعيين حارس مرافق له مدة 24 ساعة يوميّا. 

تتوزّع شكوك مُحقّق الشرطة في هويّة القاتل ما بين الحارس المرافق للضحيّة أو "إستر" ابنة الضحيّة طمَعا منها في ما تَرَكه لها والدُها من ثروة كبيرة، أو قد يكون الضحيّة قام بعملية انتحار شجاعة تخلّصا من حالته التي يُعانيها. لكنّ التّفكير بأنّه قام بعملية انتحار سرعان ما انتهت عندما اتّضح أنّ البروفيسور كان أيسرَ اليد، والطّعنة في هذه الحالة لن تكون قاتلة بسبب محدوديّة مجال حركة اليد اليسرى كما شرح الطبيب. وهكذا عاد المحقق سامي ليبحث عن القاتل، ولتتجمّع معظم الأدلّة على أنّ منفّذ جريمة القتل عميل للجهاز الحكوميّ، وذلك باعتراف المحقّق الذي كان يُجري التحقيق مع تمار بقوله "لم يستطع بيكهام الذي قتلناه كالكلب وهو يسبح في بركة السباحة، أن يُجامعَكِ، فقد خانته زوجتُه مرارا قبل الطلاق، لأنه واهن جنسيّا ومريض نفسيّا"(ص135). 

اعتراف المحقق بقتل البروفيسور من قبل أجهزة الحكومة أنهت ملف موت بيكهام، ولكن أثار السؤال الكبير: ولماذا قُتل إذا؟ 

وهنا تبدأ المرحلة الجديدة المثيرة أيضا، حيث يتّضح أنّ البروفيسور خلال نجاحه في اختراق الحاسوب الحكومي اطّلع على خطّة جهنميّة تُخطط لها الحكومة للقيام بهجوم نوويّ على دولة الفرس ممّا دفع بالجهاز الحكومي لمطاردة البروفيسور والتخلّص منه خوف انكشاف الخطّة وتَعطيلها. لكنّ ما حدث أنّ البروفيسور قبل موته كان، وقد أحسّ بمطاردته وإمكانية قَتْله، قد أودع طالبتَه القريبة منه تمار بحاوية الخطّة الكاملة، وتمار بدورها قامت بإعلام صديقتها العربية "هدير" بمكان الحاوية لتقوم بإيصالها إلى الوكالة الدولية للطاقة في حالة اعتقال الأجهزة الأمنية لها. 

وبالفعل هذا الذي حدث، تُعْتَقَل تمار، وتخضع لعمليات تعذيب بشعه، وتنجح هدير في إخفاء الحاوية وخداع مراقبي الأمن في المطار، وتسافر إلى النمسا وتتفادى مُلاحقيها من عملاء الأجهزة الأمنية لتصل إلى مَقرّ الوكالة الدولية للطاقة بمساعدة "استر" ابنة البروفيسور إيال بيكهام التي حضرت خصّيصا، بناء على طلب تمار، لتساعد هدير، حيث تمكنتا أخيرا، رغم مطاردة وكيلي الجهاز الأمني، بمقابلة رئيس الوكالة، وإطلاعه على الخطة الشيطانية، التي قد تُؤدّي في حالة تنفيذها إلى نشوب حرب عالمية ثالثة- فقام بالاتّصالات المختلفة لتعطيل الخطة التّدميرية حيث دفع برئيس الولايات الأميركية المتحدة للتدخّل وإجبار رئيس دولة ألْتنُوئيل "تينت" للانصياع لأوامره وتَعطيل الخطّة وإيقاف تنقيذها.

 

اسم الرواية

يثير اسم الرواية الطويل تساؤل القارئ، وقد يربطه البعض برواية إميل حبيبي "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النّحس المتشائل"، لكنّه يجد التّوضيح الوافي للاسم صفحة 162 في كلام رئيس الدولة "تينيت" أنتم تعرفون المشروع العسكري الأمريكي السرّي إبّان الحرب العالمية الثانية: مشروع "مانهاتن" وهو الاسم الرمزي (اسم الكود) لمشروع بحث وتطوير أسلحة نوويّة، نجح في إنتاج أوّل قنبلة نوويّة ألقيت على مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيّتين ودمّرتهما كليّا. ونحن اليوم سندمج في هذه الحملة العسكريّة تراثنا اليهودي العظيم في القصّة التوراتية الشهيرة "شمشوم الجبار" مع السلاح النووي الحديث". ويقول باعتزاز "لدينا الآن صاروخ نووي مائيّ- أرضيّ هو صاروخ ال "بوباي" الصاروخ العبري النووي باسم شمشوم العبري العصري".

 

توزيع الرواية

وزّع الكاتب روايتَه على قسمين:

القسم الأوّل: يتضمّن جريمة اغتيال بروفيسور بيكهام في بركة السباحة في الجامعة ومجريات التّحقيق في الجريمة ومحاولة اكتشاف دوافعها ومُرتكبيها حتى تنكشف الحقيقة باعتراف المحقق بأنّ أجهزة الحكومة هي التي قامت بقتل البروفيسور لاختراقه لحاسوبها. وطوال هذا القسم يظل القارئ على اقتناع بأنّ موقف الحكومة المعادي من بيكهام ينحصر في رفضه لقانون الهويّات البيومتريّة الذي تسعى الحكومة لسَنّه والعمل به، كذلك لمواقف بيكهام السياسية المناوئة للحكومة اليمينيّة.

وقد نجح الكاتب من البداية أن يشدّ القارئ إليه، ويجعلّة مُرْتَهنا لمراحل التّحقيق في جريمة القتل، وذلك باللغة الجميلة السّلسة، السّهلة، ومتابعا لكلّ كلمة تَتفَوه بها شخصيّة من الشخصيّات الكثيرة التي كان لوجودها ومُشاركتها الدّافع لزيادة الدّهشة والتّشويق، فأنْ يُقتَل أستاذ جامعي يقترب من الخامسة والخمسين من عمره وهو يسبح في بركة الحَرَم الجامعي ومعه العَشَرات من الطالبات والطلّاب والحُرّاس والعاملين ومُراقبة  كاميرات موزّعة في كلّ مكان، ما يُثير التّساؤل ولا يتقبّله العقل. وظهور شخصيّات واختفاؤها السّريع مثل: الفتاة الغاية في الجمال التي شَغلت المنقذ عن القيام بحراسة السّابحين في البركة، والشابّ الوسيم الذي شوهد جالسا بجانب البركة قبل اكتشاف جريمة القَتل بدقائق واختفاؤه بعدها، وتَعطيل عمل الكاميرات والحواسيب، كل هذا زاد من التّشويق لدى القارئ وشَده للمُتابعة والوصول إلى معرفة الحقائق الكاملة. كما أنّ المعلومات الغريبة غير المستوعَبَة بسهولة  التي زُوّد بها القارئ عن هويّة البروفيسور المقتول مثل كونه عالِما له احترامُه العالمي، لكنّه يُعاني من الضّعف الجنسي ممّا دفع بزوجته لخيانته والطلاق منه، ثم وقوعه في حبّ طالبته، ومواقفه السياسية المناهضة لمواقف الحكومة اليمينية ومشاركته في الفعاليات ضدّها. وأنه ضحية البارانويا والشّعور بأنّه مُطارَد ومُهَدَّد بالقَتل، وبحاجة لحراسة دائمة، ورغم ذلك يرى من واجبه أنْ يمنع سَنّ قانون الهويّات البيرومتريّة المناقض لكلّ مَفاهيم الديمقراطيّة وحريّة الإنسان،  وخوفه على سلام العالم وحرصه أنْ لا يكون ضحيّة لحرب نوويّة عالميّة تقضي على معظم العنصر البشري. ومشاركته في تنفيذ خطته لإنقاذ البَشريّة من قبل طالبته التي أضمر لها الحبّ، تمار التي خاطرت بنفسها وتعرّضت لكلّ أنواع التّعذيب البشعة،  وصديقتها العربية هدير ياسين التي واجهت الصّعوبات والإهانات والمخاطر في مُراوغة الأجهزة الأمنية للدولة، وسافرت إلى النمسا لتفضح الخطة الجهنّميّة التي أعدّتها الحكومة اليمينيّة لإشعال حرب عالمية ثالثة تُعرّض البشريّة للفَناء. وابنة البروفيسور إستر التي عمِلَت على حماية هدير وقَتلت مُلاحقيها من أجهزة الأمن، وساعدتها على الوصول إلى مَكاتب الوكالة الدوليّة للطاقة لكشف الخطة الجهنّمية وتَعطيلها. 

اختيار الكاتب لشخصيّتي تمار وهدير قد يكون فيه قَصْديّة واضحة للتأكيد على أهمية ومركزية دور المرأة في مواجهة القضايا الحسّاسة الخطيرة، ومشاركة قوى اليسار العربية اليهودية في التّصدّي للمواقف الحكومية اليمينيّة المعاديّة ليس فقط للجماهير العربية وإنّما أيضا لقوى اليسار والقوى المهضومة الحقوق وللسِّلْم العالمي، وفي مثل هذه المشاركة انتصار للسِّلْم والأمان والإنسانيّة. 

هذه الشخصيّات كلّها إضافة لشخصيّتي المحقّق سامي ومساعدته راحيل كانت شخصيّات مهمّة فاعلة في تَحريك الأحداث وتَحَكّمها بحَبكة الرواية ومُكملّة لبعضها البعض في البناء الكامل للرواية.

 

المكان ودوره المهم

كان للمكان مساهمتُه الكبرى ودوره الفعّال في نجاح الرواية والحفاظ على تَنَبُّه القارئ والتزامه بمتابعة تحرّكات وتَقوّلات وتفكير كلّ شخصيّة من الشخصيّات. فبركة السّباحة وموقعها في الحَرم الجامعي وحراستها بالحاضرين من الطلاب والطالبات والعاملين وكمَرات المراقبة، كلّ ذلك كان عنصرَ إثارة وتساؤل لدى القارئ حول كيفيّة تَمَكّن أيّ كان القيام بعمليّة قَتْل!

كذلك مَراكز التّحقيق والتّعذيب مُثيرة ومُستَفزّة للقارئ، ودافعة له للرّفض والغضب والتّعاطف مع المعتَقَل الضحيّة المتَمثّل في شخصيّة "تمار". ومطار اللد المُؤمّن والمُراقَب والمَحميّ بكلّ وسائل الأمْن المُمكنة، كانت ساعات دخول هدير ياسين إليه وخضوعها للتفتيش والتّحقيق، ترفع من توتّر المُتَلقي، وتُدخله في حالة التّيَقّظ والخوف على ما يمكن أنْ يحدث لهدير، حتى إذا ما نجحت في تضليل المحقّقين واعتلت الطائرة، يشعر المتلقي بالرّاحة والهدوء. وهذا صحيح أيضا وهدير تركض من مُلاحَقَة رجُلَيّ الأمْن لها في النمسا وترمي بنفسها في البحيرة الشّديدة البرودة حيث تتعرّضُ حياتُها للخطر والدّم ينزف منها بسبب إصابتها بطلَقات ناريّة حتى تجدَ نفسَها بين أيدي إستر الأمينة المُطَمْئِنَة لها. 

 

الزمن عامل إثارة 

كما المكان، أخضع الكاتب الزّمان أيضا ليكونَ عاملَ إثارة وتَحفيز لدى المتلقّي، حيث جعل من يوم مَقْتل البروفيسور حدَثا مَركزيّا ترتبط به كلّ الأحداث التي حدثت وستحدث ولها علاقة بالبروفيسور بيكهام. وهذا الرّبط الزّمَنيّ جعل الأحداثَ تدور مُتسارعة، تتشابك أحيانا، وتنقطع أخرى، وتُثير المخاوف من وقوع الحَدَث الجَلَل الذي يترقّبه ويخافُه الجميع، وهو تَنفيذ الخطة الجهنّمية وإطلاق الصاروخ النّووي. ومع كلّ تاريخ يوم جديد تتولّد أحداثٌ وتزيد من درجات التوتّر وتُقرّب اليومَ الموعود والحَدَث الكبير.

وتَفَنّن الكاتب في التّلاعب بالزّمن وتَسخيره لخدمة غرَضه في شَدّ القارئ وارتفاع توقّعاته ونجاح الرواية كعمل إبداعي. فنراه يتنقّل بالأزمنة مُحافظا على ذكر يوم مَقْتل بيكهام كنقطة الارتكاز الماسكة بكلّ خيوط الزّمن المتحرّكة. "في اليوم التالي للجريمة ص39. قبل أشهر من مَقتل بيكهام، أواخر شهر آذار ص47. قبل ثلاثة أشهر من موت بيكهام في ظروف غامضة ص50. اليوم الأول بعد مقتل بيكهام ص59. بعد أيام قليلة معدودة ص69. عودة إلى يوم وقوع الحادث ص73. بعد بضعة أيام على مَقتل بيكهام ص83. عودة ثانية إلى يوم موت بيكهام ص90. بعد أسبوع على موت بيكهام في ساعات الصباح الباكر ص93. بعد عشرة أيام على موت بيكهام ، هدير ياسين تدخل مطار اللد وحدها ص111. في اليوم العاشر على مقتل بيكهام ، العاشرة ليلا وفق التوقيت المحليّ ص116. في يوم سفر هدير إلى وسط أوروبا ، اليوم العاشر على مَقْتل بيكهام ص120. في اليوم التالي لوصول هدير إلى العاصمة الأوروبية بعد أحد عشْر يوما على مَقتل بيكهام ص123. قبل يوم واحد على وصول هدير إلى العاصمة الأوروبية في ساعات المساء ص128. اليوم الحادي عشر على مَقتل بيكهام ، هدير تخوض مياه البحيرة القيصريّة المتجمّدة ص130. عودة إلى يوم سفر هدير من مطار اللد إلى فيينا في اليوم العاشر على مَقتل بيكهام ص132. في اليوم الحادي عشر من مَقتل بيكهام داخل البحيرة المتجمّدة ص144. 

وبتسليم هدير حاوية حافظة الخطّة لإستير  التي قامت بدورها بتسليم الحاوية للحارس ليوصلَها إلى سكرتير مكتب مدير وكالة الطاقة، واعطاء استر كلمة السّرّ كي يستطيع خبراءُ الحاسوب أن يستخرجوا كلّ الملفّات السريّة والمشَفّرة فيها. تنتهي الرواية بتكاملها البنائي التّام . ولكنّها تُخَلّف وراءها بعضَ التّساؤلات حول:

 هل استلم مدير الوكالة حاوية الخطة؟ هل فتحها وقرأ تفاصيلَها الجَهنّميّة؟، هل قام مديرُ الوكالة بدَوْره  لإبطال الخطّة وإفشالها؟ هل سينجو العالم مِن الدّمار الشامل؟.  

 

القسم الثاني من الرواية

تكاد الرواية أنْ تكون متكاملة بكلّ عناصرها المهمّة، مع نهاية القسم الأول بإرسال حاوية الخطّة لرئيس وكالة الطاقة الدولية، لكن حتى لا تكون نواقص وتساؤلات وغموض يقوم الكاتب في القسم الثاني من الرواية بتَخصيص الجزء الكبير منه لتقديم تفصيل طويل ومُملّ لجلسة حكومة دولة ألتنوئيل تمتدّ على خمس وأربعين صفحة تدور فيها النّقاشات والمماحكات بين تينيت رئيس الدولة الذي يقدّم للوزراء خطّة الهجوم النوويّ على المفاعل الذري لدولة الفرس، وسورك وزير الأمن الذي يُساهم في الشرح والردّ  من جهة، مع المستشار القانوني للحكومة السيد إسحاق رابينوفيتش الذي يُحاول بكلّ قوّته تغيير قرار الحكومة، وإلغاء الخطة، لما لها من آثار تدميريّة فيما لو نُفّذت. 

كذلك طُرحت قضية اغتيال البروفيسور إيال بيكام لاكتشافه الخطة والخوف من إمكانيّة تسريبها وكشفها. وانتهت الجلسة بإقرار تنفيذ الخطة، وقبول استقالة المستشار القانوني للحكومة.

في الصفحات المتبقيّة من الرواية نتتبّع تحرّكات هدير ياسين وإستر بيكهام في سَعيهما للوصول إلى مكاتب وكالة الطاقة الدوليّة ومقابلة رئيس الوكالة، وتغلّبهما على كلّ الحواجز والتّصدّيات حتى نجحتا في مقابلة رئيس الوكالة، وكشف الخطة الجهنميّة له، وقيامه، بإلحاح من هدير وإستر، بالاتّصال بكل الجهات المسؤولة، وخاصة برئيس الولايات المتحدة الذي يقوم من جانبه بالتّحدّث مع رئيس دولة ألتنوئيل  وإجباره على تعطيل فعاليّة الصاروخ المنطلق وإلغاء الخطة، وبذلك يُنقَذ العالم من حرب عالمية ثالثة.

وتُكافَأ تمار وهدير وإستير على عملهنّ البطولي من قبل وكالات المخابرات السريّة الروسيّة والأمريكيّة مع الوكالة الدوليّة للطاقة الذريّة بإطلاق لقب رمزي مُعبّر على الشابات الثلاث "الفارسات الثلاث".

 

لماذا هذه الإضافات وهذه الصفحات ؟!

يحلو لبعض كتّابنا المحليين في تَوجّههم لكتابة الرواية أن يطرحوا الموضوع المثير الكبير لشَدّ انتباه القارئ ثم الالتفاف عليه والتّنقّل من موضوع إلى آخر لا علاقة له من قريب أو بعيد بالموضوع الرئيسي، والهدف يكون زيادة صفحات الرواية. وتَحلو للبعض العَنتريّات الجنسيّة التي يختلقها والمواقف الوطنيّة والبطولة الموهومة ليُبرز دوره المتفرّد في التّغيير والتّأثير. ولحُسْن حظّ مثل هذا الكاتب أنّ مَن يتناول عملَه بالنّقد والمراجعة يُركّز على الموضوع المثير المركزي، مُظهرا نجاح الكاتب وتميّزه، ولا يتعرّض للمبنى الروائي والجوانب الفنيّة واللغة، ولا لتلك المشاهد العَنترية الزائدة التي تعيب العمل وتُخفض من قيمته وتدلّ على هُزاله.

 وإذا كان هذا الكلام لا ينطبق على هشام عبدة في روايته هذه، إلّا أنّنا نجد مثلَ هذه الصفحات الكثيرة الزائدة والشخصيات الدّخيلة والحوارات المملّة غير اللازمة مثل تلك التي عرض فيها الكاتب ما دار من نقاش في جلسة حكومة ألتنوئيل (صفحات 151-194) وكان يمكن اختصارها لصفحات قليلة، حيث كانت نقاشات مُملّة ومُعادَة وغير مُقنعة، فكيف يقتنع القارئ بقدرة المستشار القضائي على استفزاز رئيس دولة قويّ ومتسلّط وحازم، وكذلك وزير أمن، في مراوغته لهما ومحاولة تأجيل تنفيذ الخطة، وبإمكان الرئيس أنْ يعزله في الحال وينهي خدماته بتعيين آخر مَحلّه. 

كذلك مشاهد حضور والدَي هدير إلى مدينة فيينا، وما قامت به أم هدير من أدوار وسلوكيّات غير معقولة ومقبولة، فما الزيادة التي أضافها والدا هدير للرواية وتطوّر أحداثها بحضورهما إلى فيينا؟ وكيف حضرا؟ ولماذا هذه الاستعراضات المبالغ بها لشخصيّة أم هدير إلى جانب تهميش دور الأب وحتى مَحوه!؟ والحوار بين هدير وإستر المملّ الطويل (صفحات 252-261)، كما ويزيد بملحقات لا أعرف ما الأهمية لها مثل: الكلام عن سفير ورئيس الباكستان وصيّاد السّمك الفارسي الذي اختتَم به الرواية مع كلّ ما يُمكن أن يرى فيه البعض من رَمزيّة وقيمة.

 كل هذه المشاهد والصفحات كان ممكن اختصارها وتقديم الرواية بشكل مُترابط ومُتجانس ومثير للقارئ وشادّ له.

 

أخيرا

تظلّ رواية هشام عبدة تُشكّل بداية مَنحى جديد في الرواية الفلسطينية المحلية، ونَقْلة نَوْعيّة في اختيار الموضوع والأسلوب والعَرْض واستخدام الخيال العلمي والمعلومات الدّقيقة التي تُعطي للأحداث مصداقيّة مقنعة. كما أنّه خرج عن المسار التّقليدي لكتّاب الرواية، وتعرّض لمواضيع وقضايا بعيدة عن مركز اهتمام الآخرين باختراقه المجتمع اليهودي وما يتفاعل فيه من مواقف متناقضة، ومنها مناهضة لمواقف الحكومات اليمينيّة، ورافضَة لرَغبة هذه الحكومة في التّغلغل لخصوصيات المواطن الفرد ومراقبته في حياته اليوميّة بإقرار قانون الهويّات البيومترية. ومُعارضة هذه القوى في جَرّ البلاد إلى مواجهات حرب مع إيران قد تُزَعزعُ السّلمَ في الشرق الأوسط والعالم كلّه، حرب لا ضمان لما ينتج عنها. 

لكنّ المهم أيضا أنّه ظلّ حريصا على تَصْوير الواقع المعيش في واقعنا السّياسيّ رغم محاولاته التّأكيد على عدم واقعيّة الأحداث والشخصيّات بتأكيده في مقدمة الرواية: "إنّ أحداث قصّة الغموض الروائيّة الخياليّة التالية، من أوّل صفحة إلى آخر صفحة، هي من نتاج خيال شرقيّ مجنّح للكاتب! وإنّ أيّ تَشابه، أو ربما تَحوير ظاهر وواضح، أو مَخفيّ ومُبطّن، أو تطابق تامّ، بين أسماء شخصيّات، أو أماكن جغرافيّة، أو معاهد، أو مُدن، في كلّ أنحاء وأرجاء القصّة الخياليّة، مع أسماء أشخاص، أو أماكن جغرافيّة، أو معاهد، أو مدن حقيقيّة في العالم والواقع، هو وليد صدفة!"(ص7). 

وممّا يُشار إليه أنّ الكاتب نجح في  جَعْل القارئ يعتبرُ أنّ ضَرْبَ القواعد الإيرانيّة هي ضرب لهدَف خاصّ به، يريد حمايتَه ومَنع المسّ به، وذلك حِرْصا منه على حماية أمْن وسَلامة العالم والمجتمع البشري. كما اهتمّ الكاتب أنْ  يُبرزَ النّهج العُدواني غير المحابي والمتَسَتّر للحاكم (الإسرائيلي) في عدم تَساهله في حالة تَعرّض أيّ هدف أمْني له للخطر، فتكون ردّة فعله ساحقة ماحقة، كما رأينا في قَتْل البروفيسور وتعذيب تمار ومُلاحقة هدير وإستير. كذلك في النّقاش مع المستشار القضائي للحكومة في الجلسة الخاصّة التي عُقدَت.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب