news-details
ملحق الجمعة

اميل توما يوميا من شاطئ «ابو نصور»  إلى هموم شعب

احتفال للحزب في نادي درج الموارنة في حيفا.
فرقة الانشاد للشبيبة الشيوعية (فرع عكا) قدمت وصلة غنائية.
كنت انا من بين أعضاء الفرقة. تقدم منا رفيق ذو هيبة وقامة مميزة. سلم علينا واحدا واحدا وهو يردد «يعطيكم العافية يا رفاق». عندما اقترب مني سألني «بنت مين الرفيقة؟» اجبته. ابتسم  وربت على كتفي وقال كلمات لا اذكرها. لم أكن أتصور انني في يوم من الايام سأعمل معه واصبح سكرتيرته الخاصة. الرفيق الدكتور اميل توما.
اللقاء الثاني كان في بيته. جلسة خاصة للنقاش حول موضوع سفري وتعلمي في الاتحاد السوفييتي. كان لقاء بين اب وابنته، هكذا كان شعوري، ومنذ تلك اللحظة اعتبره الاب الروحي لي. واتضح لي ان جميع الرفيقات الشابات كنّ يشعرن مثلي. إنسان في قمة  النبل والروح الانسانية والرقي.
اللقاء الأهم كان عندما بدأت العمل في جريدة «الاتحاد» و مجلة « الغد». تحققت امنيتي وحلمي الطفولي بان اعمل سوية مع اميل توما.
كان رئيسا لتحرير «الاتحاد»، ثم محررا لمجلة «الجديد» ومركزا للجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة. وكان مكتبنا في شارع صهيون متواضعا، صغيرا نسبيا ولكنه كان مركزا هاما وكانت أبوابه مشرعة لكل من يقصده من جميع اطياف المجتمع للتباحث بامور مختلفة تخص قضايا شعبنا السياسية والاجتماعية . استقبل الرفيق اميل توما كل انسان طرق باب مكتبنا  ولا اذكر يوما انه تأفف او اعترض او ابعد اي زائر. لا اذكر ان صوته ارتفع يوما بوجه اي انسان مهما كان الامر صعبا وخانقا . تميز بهدوء اعصاب وتروي بالرد على نقاشات واستفزازات كانت تحصل بالمكتب.
من كانوا رواد مكتب اميل توما؟ اعضاء الحزب والجبهة وشخصيات سياسية واجتماعية من مختلف التيارات السياسية،كان يأتي اليه كثير من طلاب الجامعات من داخل البلاد ومن خارجها ومن مختلف الدرجات العلمية للتعلم واللاستفسار.
كان من زوار المكتب عدد كبير من الكتاب والشعراء والمحاضرين في الجامعات وكان المكتب ملتقى الاخوة من الضفة والقدس المحتلة.
اكثر الامور التي ميزت اميل توما الالتزام الصارم بالمواعيد والتزامه الدقيق بمسار عمله  اليومي،كان يبدأ يومه بممارسة الرياضة والسباحة على شاطئ «أبو نصور» بحيفا صيفا والايام العادية يأتي من بيته  الكائن في شارع عباس 45 الى المكتب مشيا على الاقدام وكان يرفض اي توصيلة بالسيارة الى المكتب.
بين الساعة السابعة والسابعة والنصف يكون وصل الى مكتبه،ومع دوران عقارب الساعة الى الثامنة يكون الرفاق العاملون بالمكتب قد وصلوا الى عملهم وتكون «غلاية القهوة» مجهزه من بيد أبي ميخائيل ,كانت افضل ساعات اليوم وكان للمرحوم طيب الذكر الشاعر سميح القاسم حضور مميز معنا على فنجان القهوة يوميا اذ كان مكتبه الخاص بالطابق الثاني فوق مكتبنا. طبعا بعد الانتهاء من شرب القهوة كل واحد يذهب الى عمله.
ساعات الصباح هي اكثر الساعات هدوءا فاهتم  اميل توما وواظب على متابعة ما تنشره الصحافة  عامة من اخبار ومقالات مختلفة. اهتم ببناء ارشيف مميز مكون من اهم المواد التي نشرت بالصحافة العبرية والتي تخص المجتمع العربي بشتى المجلات السياسة  والاجتماعية المحلية والعالمية.
الارشيف كان مرتبا حسب المواضيع بملفات خاصة،اذكر يوما اتصل اميل حبيبي وكان رئيس تحرير الاتحاد ليسأل اميل توما عن مقال معين نشر في احدى الصحف العبرية وكان اميل حبيبي متأكدا ان المقال موجود عندنا بالارشيف وبالفعل انا بنفسي اخرجت المقال من الملف واوصلته لجريدة «الاتحاد».
تحلى اميل توما بالتواضع وطيبة القلب ونبل الخلق. احب الناس واحب سماع مشاكلهم ومساعدته لهم قدر الامكان. عين مسؤولا عن لجنة المنح التعليمية الى الدول الاشتراكية وكان له دور كبير بتسيير اللجنة حسب الاستحقاقات والشروط المطلوبة بدون تمييز او تفضيل شخص على آخر ولم يخنع لاية من الضغوطات التي كانت تحصل احيانا.
المكتب كان بيتنا الثاني. حافظنا على نظافته. اهتم اميل توما بنفسه بتكنيس الساحة امام المكتب  ورفض كليا بان اساعده بالامر.
عندما كان يحضر الى المكتب زوار كان يجهز القهوة بنفسه الا نادرا ما كنت اقوم بمساعدته اذا كان عدد الزوار كبيرا. دخل مرة شخص زائر الى المكتب وقبل ان يجلس على كرسيه قال لي: «هي هي يا صبية اعملي فنجان قهوة!» وبسرعة البرق انتفض اميل توما عن كرسيه ورد على الزائر: «رفيقتنا لا تعمل هنا  بتقديم القهوة لزوار المكتب انا من يجهز القهوة».
قام وأعد غلاية القهوة وصب لي اولا فنجان قهوة واحضره بنفسه الى غرفتي المجاورة لغرفته.
كنت اشعر من خلال عملي مع اميل توما وملازمته لساعات متاخرة بالمكتب ان اميل كان بمثابة «ابو الحزب». اب كل الرفاق والرفيقات وبالاخص من شعر بظلم او تم التعامل معه بسوء من قبل الرفاق المسؤولين (الامر عادي وطبيعي بكل التنظيمات السياسية). فكان اميل توما العنوان وحلقة الوصل لتخفيف الخلافات بين الرفاق والاهتمام بتحجيمها او حلها. استطاع بكثير من الحالات تهدئة الامور ولا يمكن انسى كلماته والتي كان يرددها دائما «اهم شئ الحزب! علينا ان نحافظ على حزبنا وعلى العلاقات الرفاقية وان لا نحيد عن المبادئ الماركسية  اللينينية!».
مع رحيله تغير كل شئ جميل كان بالمكتب. تغير كل شئ جميل بالحزب. فقدنا الاب الحنون الذي جمع الرفاق تحت رايته.
نبقى مع ذكراه وبها نهتدي.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب