news-details
ملحق الجمعة

بعد رحيل البروفيسور ساسون سوميخ

لقد كان البروفيسور سوميخ  الراحل أميرًا بكل معنى الكلمة.

كان طويلًا وسيمًا، نغمته واثقة هادئة جذّابة مثيرة للاحترام. كان يحب معاشرة أصحابه ويلفت إليه انتباه المستمعين، ويحسن الاستماع إلى غيره. 

لقد كان البروفيسور سوميخ موهوبًا نشطًا منذ شبابه إذ بدأ يؤلّف القصائد على درب عباقرة شعراء العراق كواحد منهم.

ولما هاجر إلى إسرائيل لم يكن قد أتقن اللغة العبرية، كما يصف ذلك في مذكراته.

ثمّ في إسرائيل الخمسينيات، والتي أجبرت المهاجرين إليها من الدول العربيّة على محو لغتهم وحضارتهم الأصلية، كان سوميخ الشاب من القليلين جدًّا، بما في ذلك بعض أصحابه عراقيي الأصل مثله،  الذين رفضوا الخضوع لهذا القمع  الرسمي وأصرّوا على الالتصاق بلغتهم وحضارتهم العربيّتين والإبداع ضمنهما حتى في دولة تفرض استعمال العبريّة وحدها كوسيلة لخلق هويّة وحيدة موحّدة لسكانها اليهود.

بذل سوميخ، والذي حافظ على اسمه الأصليّ بعكس ما قام به الكثيرون من المهاجرين الجدد آنذاك، جهودًا جمّة في تعلّم اللغة العبرية فور قدومه الى البلاد، وذلك بهدف ترجمة القصائد العربيّة الحديثة إليها. 

هكذا بدأ الأمير سوميخ، والذي لم يخضع للصعوبات الاقتصاديّة التي واجهها،  برسم حدود مملكته، مملكة البحث في الأدب العربي واللغة العربيّة والترجمة منهما الى العبريّة. 

لقد استعرض غيري من الباحثين مثل د. ألموج بيهار وعيدان برير ما قام به سوميخ ضمن نطاق نشاطه الأكاديمي. أمّا أنا فبودي أن ألفت النظر إلـى نشاطه الخاص في ميدان الترجمة الأدبية من العربيّة إلى العبريّة الذي كان يعاني من النشاط غير المنظّم والمستوى غير الكافي في بعض الأحيان، كما أنّ الثقافة العبريّة رفضت قبوله كجزء لا يتجزأ منها.

لقد كان سوميخ، والذي كان عضوًا بارزًا في منتدى المترجمين التابع لمعهد فان لير، أمير مترجمي الأدب والشعر العربيين الى العبرية. و منذ الخمسينيات بذل جهودًا مستمرة في الترجمة ونشر الكتب والمجلات وحثَّ غيره، بما في ذلك أصحابه وطلابه، على الترجمة، فاعترف الجميع بقدرته وحبّه للأدب والترجمة.

كان سوميخ ولا يزال أنشط المترجمين في هذا المجال إذ ترجم لشعراء وأدباء عراقيين وسوريين ومصريين وفلسطينيين، مقدّمًا للقارئ في إسرائيل من أحسن وأكثر الأعمال الأدبية المعاصرة جدّيّة.

لقد ترجم قصصًا قصيرة لصديقه الحميم نجيب محفوظ، وشجّع محرّري مجلّات أدبيّة بارزة من مثيل "قيشيت" و"عيتون ٧٧" على نشر النصوص المترجمة من العربيّة والتي أرافقها من حين إلى آخر بتحليل أدبي واضح.

ومن ترجماته المهمّة النادرة، قصائد الشاعر العبقري محمود درويش التي يتلوها الشاعر ضمن فيلم سيمون بيطون "الأرض كاللغة"،  وترجمة مرثية الخنساء، الشاعرة الجاهليّة المشهورة، لأخيها. تمت هذه الترجمة  تلبية لطلب الملحنة د. تسيبي والتي قد تخصّصت بالأدب العربي لدى سوميخ في جامعة تل ابيب، فلحقت الترجمة أسطوانة خاصة بهذه القصيدة.

لقد دفع سوميخ غيره إلى ترجمة بعض النصوص الأدبية العربية التي بحثها  الى العبرية، بما في ذلك روايات نجيب محفوظ التي ترجمها طلابه ميخال سيلع وحنيته براند وايتسيك شنيبويم.

نشر سوميخ ترجمته لبعض فصول الجزء الأول من ثلاثية محفوظ في مجلة "عيتون ٧٧" الأدبية والتي كان من أبرز النشيطين في إطارها، وكانت ترجمته دقيقة جذّابة. إلّا أنّه، وربما بسبب انشغاله  بأمور أخرى، نقل هذه المهمة إلى صديقه الكاتب سامي ميخاىيل، بغدادي الأصل مثله، والذي لم يقم بالترجمة قبل هذا الإنجاز أو بعده  فكرّس جهوده الأدبية لتأليف النثر بالعبرية.

وكما يقول سامي ميخائيل ضمن مقاله المثير "صيد الغزالة" الذي نشره في أوّل مجموعة دراسات عبرية للترجمة إليها من العربية بتحرير سوميخ: ساهمت هذه الترجمة بسدّ الفجوة العميقة بين اللغتين والتي كانت قائمة عنده منذ قدومه الى البلاد واتّخاذه قرار الانتقال إلى النشاط الأدبيّ بالعبرية فحسب. فهكذا ساعدت الثلاثية القاهرية ابن الرافدين على العودة إلى جذوره المقطوعة.

سبّبت الترجمة لسوميخ الطرب المستمرّ والسعادة الفائقة، كما أنّها جمعت بينه وبيني وأدّت بي إلى لقائه. 

لم أكن من طلابه لأنّني تخصّصت بالأدب العربيّ القديم وحده في الجامعة العبرية. ولكن، لمّا قرّرت تخصصي الأكاديميّ بالعربية والترجمة منها إلى العبرية، احتجت إلى ذي خبرة أتحاور معه بهذا الصدد.

وضمن بحثي على الأعمال المترجمة  من العربية  تعرّفت على إنتاج سوميخ الهائل ونشاطه المتنوّع في هذا المجال، فطرحت عليه أن نقوم معًا بترميمه وتوسيعه لصالح  الثقافة الإسرائيليّة.

لم يتمّ التعاون بيننا بالشكل الذي كنت أتصوّره، إلّا أنّ لقاءاتي مع سوميخ والحوار معه في مكتبه الصغير المتواضع في جامعة تل ابيب، كانت وديّة، كان يستقبلني دائمًا استقبالًا وديًّا ويستمع إليّ بفائق الاحترام، كما كان يفعل دائما عند الحوار مع غيره.

ثم تمّت بيننا، وبطبيعة الحال، لقاءات أخرى في شتّى المناسبات الأدبيّة والأكاديميّة، بما في ذلك الأيام الدراسية التي نظّمها هو أو غيره من الزملاء في البلاد وخارجها، مثل اللقاءات السريّة  بين أدباء إسرائيليين وفلسطينيين في المركز الثقافي "مشكنوت شأنانيم" في القدس، واللقاء بين شعراء وباحثين في جامعة كيمبردج البريطانيّة ويوم دراسيّ نظّمه سوميخ في جامعة تل ابيب تلاه نشر المحاضرات حول موضوع الترجمة الأدبيّة من العربيّة إلى العبريّة ضمن إطار أوّل كتاب نشر بالعبرية دراسات كهذه.

سوف يلفت إنتاج سوميخ في ميدان الترجمة نظر الباحثين الذين سيدرسون أسباب تفضيله لترجمة أعمال بعض المبدعين الشجعان المحدثين الذين رفضوا قيود القصيدة العربيّة التقليديّة والذين عرف بعضهم شخصيًّا.

ثمّ ربّما ينظرون في اختياره الطلائعي آنذاك أن يترجم لشاعرات من مثيل فدوى طوقان ابنة نابلس وسهام داود ابنة الرملة وغيرهما من المبدعات.

كما أنّهم سوف يدرسون الصلة الوثيقة القائمة بين نظرته الإنسانية إلى العربية والعبرية  كلغتين لا تزالان تتحاوران بينهما، بإمكانهما أن تشكّلا جسرًا وطيدًا بين الناطقين بهما، وبين اختياره تكريس جهوده الجمّة من أجل تحقيق هذا الأمل الكريم.

لقد كانت بغداد وتل ابيب والقاهرة بيته الحبيب على حد سواء، فلا عجب أنّ الكاتب العظيم نجيب محفوظ، والذي درس سوميخ اعماله الادبية دراسة ممتازة، اصبح صديق سوميخ الحميم وتبادلا الصداقة والتقدير.

خلال محادثاتنا أعرب سوميخ أكثر من مرّة عن رغبته في نشر جميع ترجماته التي كان قد نشر بعضها ضمن إطر أدبية مختلفة فبقي المزيد منها غير منشور.

خلال الأعوام القليلة السابقة اخذ عيدان برير، طالب سوميخ السابق وصديقه، يساعد استاذه على تحقيق هذه الأمنية. اما الآن فقد أعلن عيدان ود. الموج بيهار، واللذان يتبعان طريق سوميخ الأدبيّ والأكاديميّ بطرق مختلفة، استعدادهما لاستكمال هذا المشروع المهمّ.

سوف يجد منتدى المترجمين الذي انتمى سوميخ إليه منذ تأسيسه، طرقًا مختلفة لتخليد ذكراه العزيزة عبر متابعة تعزيز الترجمة  من العربية وتطويرها وتكملة تسجيل ترجمات زميلنا الراحل ضمن فهرس الترجمات التابع لمعهد فان لير والذي تتمّ برمجته الإلكترونية حاليا. 

البروفيسور ساسون سوميخ أمير المترجمين، متعدّد المواهب، كثير الإنتاج والإبداع. الفائز على جائزتي ا.م.ت. وإسرائيل. رحمة الله تعالى عليه.

 

*د. حنة عميت- كوخافي، الحائزة على جائزة تشرنيخوفسكي للترجمة  لعام ٢٠١٠ وعلى جائزة ا.م.ت. للترجمة لعام ٢٠١٩.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب