news-details
ملحق الجمعة

بول فيريري وفلسفة التعليم – خلاصات تهمّ مجتمعنا

تعريف به 

ولد باولو فيريري لأسرة من الطبقة المتوسطة الفقيرة بمدينة ريسيف في البرازيل 1921. واختبر الفقر والجوع خلال الكساد الكبير (سنة ١٩٢٩) وكانت هذه التجربة محفزا لبداية اهتمامه بالفقراء و مساعدته على تكوين رؤيته لتعليمهم والتي اصبحت نظريات ذات تأثير عالمي واسع. 

التحق فيريري بكلية الحقوق، جامعة ريسيف في١٩٤٣، وهناك ودرس الفلسفة وعلم النفس والمحاماة. تم تعينه في 1946 مديراً لقسم التعليم والثقافة بالخدمات الإجتماعية في ريسيف ( ُين سنة١٩٦١ مديرا للملحق الثقافي في جامعة ريسيف). وتركز عمله في بداية طريقه مع الفقراء الاميين بتعليمهم القراءة والكتابة. وانبثق تنفيذ برنامجه هذا كإنعكاس لوعي سياسي ثوري محدد وهادف لكي يوفر الفرصة للمشاركة في الانتخابات، والتي كانت في حينه تحرم الأُمي من حقه في الاقتراع. ففي واقع كهذا توصل الى تيجة حاسمة : "ان التعليم عملية سياسية كما ان السياسة عملية تربوية" كما ان "قراءة الكلمة تُمكِن من قراءة العالم". و "لن تستطيع امة ان تحقق ذاتها بدون ان تغامر بمشاعرها من أجل تجديد المتواصل لذاتها". اثار نجاحه الملموس في هذا المجال لاعتباره قوة تهدد السلطة، فاستغلت هذه انقلاب ١٩٦٤ لتزجه في السجن سبعين يوما، قبل أن تسمح له بعدها مغادرة بلاده الى تشيلي ليعمل هناك مع اليونسكو في برامج تعليم الكبار. 

قام في عام ١٩٦٧بنشر أول مؤلفاته "التعليم ممارسة للحرية". واصدر بعد سنة كتابه "تعليم المقهورين". توفي بنوبة قلبية سنة١٩٩٧. 

ادت انجزات هذا المفكر المكافح الفكرية والعملية لان يتبوأ مكانة بارزة في مجال التربية والتعليم على المستوى العالمي. وتميز باختبار مقولاته النظرية من خلال ممارسة جدلية خلاّقة، تمزج وتتحاور فيها النظرية بالتطبيق (محسن خضر: باولو فيريري: فيلسوف الحرية في العالم الثالث،مجلة العربي 2007). وفي كتابه "الأخلاق والديمقراطية والشجاعة المدنية" يقدم للمسؤولين عن التربية وصفة لتحقيق "التربية للحرية"، حيث يرفض فيريري "كل توجه بامتلاك المعلم الحقيقة المطلقة".. إنطلق هذا المفكر الإنساني في صياغة نظريته "التربية للحرية" من مقولة الروائي الروسي الكبير تولستوي: "الحرية هي الشرط لكل تعليم حقيقي". 

 

فلسفته التربوية

بيّن فيريري في دراسته التربوية أنّ القهر و السيطرة هما السمة الرئيسة لحياة الفقراء في العالم الثالث. ويعرف القهر في العالم الثالث بأنه نسق ومنظومة من المعايير والإجراءات والقواعد والقوانين التي تشكّل الناس وتكيّف طبيعتهم اولا، وبعدها تمارس الضغط على عقولهم حتى يعتقدوا، أنّ الفقر والظلم الاجتماعي حقيقتان طبيعيتان ولا يمكن تجنبهما في الوجود الإنساني. ومن المستحيل تنفيذ وترسيخ ذلك الا عندما ينحصر النفوذ والسلطة بيد النخب الرأسمالية لتغرس في عقول البؤساء خرافة ووهم أن هذا مصيرهم المحتوم. (التربية للتحرير-هناء الخطيب)

ولم يكن مفهومه للقهر مجرد ُبنية اجتماعية واقتصادية فحسب، وإنما هو بنية ثقافية يسميها البعض "ثقافة القهر"، بينما هو يسميها "ثقافة الصمت". وهي في منظوره ثقافة الاغتراب والتي يرضخ فيها المظلومين لواقعهم القهري ،متأرجحين بين هلوسة التفاؤل وقهر التشاؤم، مما ينجم عنه فقدانهم القدرة والامكانيات لتغيير واقعهم والسعي نحو مستقبل أفضل. ولذلك يضطر الناس في هذه المجتمعات إلى استعارة حلول لمشكلاتهم من المجتمعات الأخرى دونما فحص أو تحليل نقدي للسياقات التاريخية لظهورها وتطورها التاريخي. فيكون حاصل ذلك ترسخ "ثقافة الاغتراب في المجتمع" (هناء الخطيب - المصدر السابق). أو القبول بما يسمه فيريري بالكرم الزائف الذي يحاول فيه القاهر تجميل قبحه وسطوة قهره ببعض المبادرات والخدمات، عملا بسياسة"خبز وتسلية" (نقد الفكر المتخلف - د. يوسف نور). وعليه يكون في طروحاته هذه قد استوعب " الدرس الخلدوني" بخصوص تبعية واقتداء المغلوب. فكتب ابن خلدون في مقدمته "بأن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزِيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده". انطلاقا من تصوراته هذه توصل الى ضرورة تغيير دور التعليم في جدلية علاقته بالسلطة والمقهورين؛ لأجل استعادتهم لصوتهم المكبوت وكرامتهم المهدورة من خلال الوعي بان التعليم هو الشرط الأساسي لتحررهم من سيكولوجية القهر والاحباط. ويحدد فيريري "بأنه لا يوجد تعليم محايد؛ فهو إما أداة للقهر أو مُحفّز للتحرر" (فيرري- تعليم المستقبل من التسلط الى التحرر).

ويضيف: "التعليم هوعملية سياسية كما أن السياسة هي عملية تربوية!". وتكمن برأيه اشكالية ازمة المؤسسات التعليمية بما اصطلح تسميته "التعليم البنكي". وهذه التسمية منوطة ومستمدة من اعتبار تعليم للمقهورين وكأنه حسابات بنكية يتم بواسطتها إيداع المعلومات والمعرفة في أذهانهم من قبل المعلمين. فهي برأيه طرق تعليم تقليدية، اسلوبها التلقين والاسترجاع والاجترار. فهي تتعامل مع الطالب كوعاء فارغ يُملأ بالمعرفة التي تخدم مصلحة القوى المهيمنة. المعلم في هذا الجهاز حسب منظوره هو المصدر الوحيد للمعرفة، وكأن الطلاب لا يملكون اية معرفة أو خبرة، فالمعلم هو الفعال، يلقن وينقل المعرفة الى عقول طلابه، وهو يسأل وعليهم الاجابة بتكرار ما أودِع في عقولهم من رصيد معرفي.

وما يميز هذا التعليم النهج والمنحى التسلطي الاحادي الجانب والقسري والتراتبي. بينما نظريته التربوية إنطلقت من تطبيق أصول وأساليب تعليم وتربية تعتمد على معالجة الطالب كمشارك متفاعِل مع المعرفة. (د. علي سعيد اسماعيل، فلسفات تربوية معاصرة، سلسلة عالم المعرفة، 1995، العدد198). ويرتبط هذا التوجه بفلسفة تربوية تؤمن بأن كل انسان مقهور هو كائن عقلاني ويملك الامكانيات لتقرير وبلورة خياراته ومصيره. لذا توصل في دراسته "العمل الثقافي لتحقيق الحرية" بان النظرة الإيجابية للإنسان هي الشرط الأساسي والحاسم لتحقيق التعليم التحرري. 

 

فيريري ولينين

برأيه يتعذر تحقيق هذا التوجه بدون ارتكازه على الحوار وتطبيق التفاعل المتبادل بين المعلم والمتعلم، ليوفر الفرص لكل منهما للتعرف عن كثب على واقع الآخر. ان تطبيق هذا التوجه هو المحرك لنقل وادراك حقيقة اوضاع المتعلمين المقهورين مما سيوفر الظروف والامكانيات للثورة على القهر، ومعايشة الحرية. فقد استوعب بكل جوارحه انها الوسيلة الناجعة للتخلص من التوجه التعليمي البنكي، المبني على التلقي السلبي لبرامج تعليمية مؤدلجة لتؤهل لفكر وسلوكيات تخلد الوضع القائم الجائر. 

لقد اكد فيريري أهمية النظرية الثورية في أية عملية تغيير مستمدا موقفه هذا من مقولة لينين: "لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية". وينعكس ذلك بقوله "لا تغيير حقيقي بدون فعل ومبادرة ذاتية ريادية للمضطهَدين والنابعة من فهمهم واستيعابهم لاشكالية وتعقيدات واقعهم ومن ثم وتفاعلهم معه لتغييره". وقد نجح بتخطيط وتنفيذ برامج التثقيف الشعبي المستمدة من الواقع الحقيقي وتطلعات ومعاناة المقهورين، وليس من سياسة وبرامج تعليمية تخدم مواقف وتطلعات النخبة في تخليد تخلف المسحوقين.

والتعلم بالحوار في مفهومه التربوي هو جزء من العملية التحررية، وخطوة أولى لبناء عالم بديل. فهذه العملية الحوارية المبنية على التواضع والاحترام المتبادل بين المعلم والمتعلم، ستعزز ثقة المقهورين بأنفسهم لممارسة التفكير الانعتاقي والفعل النقدي. 

ان هذا النهج التربوي سيوفر الفرص لتخطي حدود القهر وتبخيس الثقة بالنفس مما سيوفر للمتعلم الامكانيات لفكر منفتح تحرري ومفعم بالقيم الانسانية السامية. لقد نجح فيريري باقتاع القابعين في دائرة "الصمت الثقافي" بأن مدرسة التعليم البنكي هي اداة للقهر، والبديل الوحيد للتغلب عليها "التعليم بالحوار". كما نجح فيريري بتعريته ليس فقط اهدافها انما منهجية واساليب تطبيقها. فبرأيه نجحت بتطبيق كل اسلوب ووسيلة لاحباط المظلومين واستمرارية رضوخهم لواقعهم المأساوي. وعليه فالبديل لها هو التعليم بالحوار لانه مؤسس على التعاون والوحدة والتنظيم، المنبثق من ضرورة المشاركة الواعية للمقهورين في عملية التغيير مع تنمية الوعي المتزايد بأهمية دورهم في الخلاص من بؤسهم. لذا كان صادقا في مقولته: "ليس هناك تعليما محايدا،انما تنحصر وظيفته في خدمة القهر او التحرر". واستمد فكرته هذه من واقعه وتجاربه وايضا من مقولة نيتشه "التعليم آلة للتلاعب والتناوب، تعمل على تشويه وعي الإنسان، وإلغاء ذاته، وإخضاعه للسلطة المطلقة للدولة". وقادته تصوراته هذه لاعتبار المدرسة في العالم الثالث مؤسسة تربوية تعمل على تطويع وتدجين العامة لتجعل منهم كائنات مسلوبة الإرادة والحرية، اي أداة ترسيخ العبودية والقهر في هذه المجتمعات. وهذا يتداخل مع ما ذكره لينين في كتابه "مجتمع من غير مدرسة" عن أن "المدرسة مؤسسة تربوية تعمل على تطويع الإنسان وتجعل منه كائنًا مسلوب الإرادة والحرية، فهي أداة العبودية والقهر في المجتمعات الإنسانية المعاصرة"، ويضيف" تحولت المدرسة إلى رمز للسلطة السياسية وأداة أيديولوجية تغرس في الأطفال وعيًا مشوهًا وفكرًا معتوهًا يخدم الطبقات المستغلِة في المجتمع". 

يربط فيريري الخصائص الأساسية للتربية الديموقراطية بشكل عضوي بتوفير الحرية للطلاب من ناحية والتنمية والاثراء المستديم لدى المعلم من ناحية اخرى. فكل معلم لا يتعامل بحرية مع طلابه، ولا يبذل سوى النزر اليسير من الجهد لمواكبة صيرورة الأحداث، هو غير جدير بممارسة التعليم والتربية. ويضيف أن اختيار المعلم وممارسته الديمقراطية من الأمور التي لا تحددها فقط الكفاءة العلمية، فهناك من المعلمين من هو مُعد علميا، غير أنه مستبد في ممارسته. ومن مقومات هذه التربية، التدخل في العالم، والذي يعني الرغبة في إحداث التغييرات الجذرية في المجتمع في كافة مجالاته ليوفر فرص العيش اللائق للجميع.

في الختام، تعتبر نظرياته وتطبيقها العامل المركزي الذي ساهم في النهضة التعليمية لامريكا اللاتينية , والتي انبثقت من تحليل اوضاع ووظيفة التعليم في بلدان العالم الثالث بأنه أداة للقهر يتم فيها التعامل مع المتعلمين بوصفهم أشياء أو مستودعات (التعليم البنكي) لتخزين المعلومات في عقل المتعلم بدون ادراك معانيها وانعكساتها الهدامة عليه. لتصبح وظيفة التعليم في هذا المجتمع مقصورة على تحقيق تكيف الفرد المسحوق واستسلامه لحاجات القوى الاستغلالية في المجتمع. برأيي تعود اهمية فكره التربوي بتطويره وتفعيله مفهوم ونهج تربوي جديد وتقدمي يدعو الى الحرية واسلوب طرح المشكلات والتوصل بالحوار الى معالجة وحلول بناءة لها. اي هدف التعليم في فلسفته تنمية الوعي والتوجه النقدي بدلا من نقل المعلومات في التربيه المصرفية التقليدية 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب