news-details
ملحق الجمعة

بْفَرْد خندق؟!

يشبه انضمام بعض زعماء الطائفيّة وأمراء حروبها الى انتفاضة شعب لبنان ضد الفساد والنظام الطائفي، أن ينضم مثلا بنيامين نتنياهو الى مظاهرة ضد الاحتلال، أو أن ينخرط بتسلئيل سموتريتش في نشاط يدعو لتفكيك الاستيطان، أو أن يقود محمد إبن سلمان حراكًا سلميًا ضد الإعدامات الميدانيّة. فأيّة حصة ستبقى ليساهم بها العقل وهو يرى ان سمير جعجع ووليد جنبلاط وسعد الحريري يذرفون الدمْع ويشحّطون الحناجر لوعةً على حال البلد الذي وصل حيث وصل أصلاً بفضل جهود حضراتهم؟

في مسرحيّته المأثريّة التي لا تُنسى، "فيلم امريكي طويل"، يورد زياد الرحباني على لسان شخصية المناضل في الجبهة الوطنية اللبنانية، التي وقفت ضد الفاشية اللبنانية ورعاتها الصهاينة والرجعيين العرب وسيّدتهم إدارة واشنطن، كيف انتقل أتباع وأذناب هؤلاء الأخيرين للجلوس "معنا في نفس الخندق". المونولوغ لا يزال شديد الرّاهنيّة والعلائقيّة، للأسف:

"الأنظمة العربية بدها تصفي المقاومة (الفلسطينية واللبنانية في حينه) والحركة الوطنية. جينا نحنا والمقاومة عهالأساس في خندق واحد. وقلنا للعالم كلّو: بدنا سلاح لنقاتلُن. إجو هني عطيونا سلاح. شو هيدا. كيف هالشغلة. طيب أخدنا سلاح وجينا نزلنا في خندق واحد لنقاتلُن.. إجو قعدوا معنا بالخندق.. ولك لاه.. إطلعوا من الخندق... كيف بدها تزبط هيدي.. كلنا بفرد خندق يعني... شوه الخندق هيدا. نحنا ما منتفق مع الرجعية. الرجعية مع إسرائيل. يعني إسرائيل معنا بفرْد خندق؟!".

هذا بالضبط ما يحدث حين تبدأ عملية افتراس ألم الناس وغضبهم واندلاع احتجاجهم. لو تطوّرت الانتفاضة اللبنانية التي خرجت ضد نظام الفساد لتستهدف نظام القمع الطبقي الذي يشكل النظام الطائفي بنيته التحتيّة وهيكله وحامله، فسيفقد أمراء الطائفيّة وجودهم كله، وليس مكانتهم فحسْب. وكيف يمكن تفادي هكذا مصيبة؟ بأن تتهم المقاومة وسلاحها بالمسؤولية عن الفساد، وتطلق شعارات فضفاضة بريئة من السياسة، وتستبدل النضال بالكرنفال. هكذا سيُتاح لسفّاحي الحرب الأهلية وأمرائها المتوارثين المنتفعين كالضبّاع، أن ينسجموا بسلاسة في الاحتجاج ضد الفساد. فالفساد طالما لا تُنبش جذوره، يصبح سهلا جعله أداة طيّعة في خدمة مصالح الأباطرة. ولنتمعّن جيدًا في تاريخ لوائح الاتهام بالفساد التي قدمتها الإدارات الأمريكية لكل من لم يذعن لها.

هذا الأسبوع هتف طلاب مدارس مدينة النبطيّة الذين خرجوا في مسيرة شعبية: "يسقط يسقط رأس المال، من الجبل للبقاع". هذا هو التعريف الدقيق لما يسمى بصيص الأمل. المفرح أنه أمل. لكن من المحبط ان سنوات التجربة اللبنانية العصيبة النازفة لم تفرز من الأمل حتى الآن سوى بصيص. يا ليت الشعوب، بجموعها المسحوقة خصوصا، تتعلّم "من كيسها" بوتيرة أسرع بقليل.

عن الماعز والاستعمار

نقلت وكالات الأنباء العالمية كيف ساهم قطيع ماعز في إنقاذ مكتبة رونالد ريغان، الرئيس الـ40 للولايات المتحدة، من الدمار بعد اندلاع حريق هائل الأربعاء الماضي بالقرب من وادي سيمي في جنوب كاليفورنيا. سرعان تحوّل الأمر الى مادة للسّخرية لدى بعض المعلّقين على الشبكات وحتى الصحفيين الجديين. لكن المسألة ليست نكتة، بل تشكل نموذجًا لجهل الاستعمار، مهما بلغ من قوّة بطش.

ما فعله الماعز انه تصرّف على طبيعته. رعى العشب المتيبّس بعد أشهر الجفاف، ومنح دون أن يقصد الإجراء الوقائي الأمثل للفصل بين تلك المكتبة والحريق المندفع. الماعز ساعد طواقم الإنقاذ على محاربة الحريق. بل كان أهم واجدى من طائرات الهليكوبتر. المتحدثة باسم المكتبة قالت: «نحن نُحضِر كل عام من 400 إلى 500 من الماعز التي تقضي من 3 إلى 4 أسابيع في تناول كل النباتات الجافة، لخلق منطقة آمنة من الحرائق". نظام الرّبح كان سارع منذ سنين الى الاستفادة. هناك شركة أوروبية تدعى 805 Goats تتقاضى نحو ألف دولار لكل فدان من الأراضي التي يتم تطهيرها من العشب الجاف بواسطة الماعز.

لدينا في بلادنا المنكوبة قصة مشابهة. وفقا لموقع "متراس"، جاء في تقرير بريطانيّ قُدّم لرئيس هيئة الزراعة والصيد في فلسطين عام 1943: "هي حقيقةٌ معروفةٌ أنّ الماعز والإبل والغنم هم السّبب الأساسيّ للفيضانات وتعرية التّربة في هذه البلاد. الرعيّ المكثف يمنع أيضاً تجميل البلاد عبر إضفاء الخضار بجانب الطرقات أو في البلدات. فالمواشي مستعدة للتغلب على أيّ عائقٍ لتلتهمَ كلَّ ما هو أخضر".

بعد النكبة، تسارعت هذه السيرورة، ففي العام 1950 سنّ الكنيست ما أسماه قانون حماية النبات -أضرار الماعز، والذي عُرف بقانون العنزة السوداء، والذي نصّ على "منع أيّ شخصٍ من امتلاك أو رعي الماعز إلا في حدود قطعة الأرض التي يمتلكها وبالنسبة المسموحة". هذا القانون خوّل سلطات إسرائيل مصادرةَ الماعز وفرض عقوبات جنائيّة على كلّ من يخالف أوامره.

بعد عشرات السنين كثرت حوادث الحريق الهائلة في العديد من المناطق، أبرزها الكرمل. وبدأ عدد من الباحثين يجاهرون: إختفاء الماعز السوداء من الجبال هو ما فتح الباب للنار. الكنيست اعترفت بالخطأ التاريخي، وألغت القانون بمبادرة تشريعية للنائب السابق جمال زحالقة.

على النسق ذاته، يجاهر كثيرون اليوم بالندم على تدمير طبيعة الحولة. يقال إن انتشار قطعان الخنازير التي تعيث خرابا، سببه ذلك المشروع الطلائعي الصهيوني. لا مكان للاستغراب طبعًا. فماذا ستنتج مشاريع الخراب سوى الخراب؟!

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب