news-details
ملحق الجمعة

تجليات الثقافة الشعبية في قصص محمد علي طه

مجموعة "في مديح الربيع" نموذجًا

 

 

الثقافة الشعبية بوصفها منتَجا مكثّفًا ومتنوعًا في صيغه وأشكاله وأدواته، لها خصائصها التي تميّزها عن غيرها من الثقافات. فهي تعبّر عن قوى وجماعات اجتماعيّة تشترك فيما بينها بتأثرها بنفس المراحل التاريخيّة والتفاعلات الاجتماعية. وهي مراحل وتفاعلات ذات ارتباط بأنماط الإنتاج البسيطة في تقنيتها وعلاقاتها وتعتمد على الطبيعة البكر وموادها.

والكثير من قصص الأديب محمد علي طه، تقوم على عناصر من الثقافة الشعبية، إذ تحفل باقتباسات وتعابير شعبية، تعكس بشكل أو بآخر جزءًا من مكوّنات الذهنية الشعبية الفلسطينية الفلّاحة. فإنّ نشأة أديبنا في بيئة قرويّة زراعية جعله مكشوفًا على ثراء وخصوبة في مجال الثقافة الشعبيّة، فتشبّع من فرائدها وخصوصياتها، ومظاهرها وقيمها وطقوسها ومعتقداتها، وما تنتجه من علاقات إنسانية واجتماعيّة، وما تتكئ عليه من تقاليد وأعراف وركائز من الموروث الثقافي الجمعي. فأورد مكوّنات الذاكرة الشعبيّة ووثّق القيم والألفاظ والتعابير الآيلة للاندثار والاضمحلال في المجتمع الفلاح، وهو بذلك حماها من التلاشي أمام العولمة والتغيُّر السريع الذي يعتري بنية المجتمع الفلسطيني المحلي. 

وتحضر الثقافة الشعبية في جلّ قصص محمد علي طه بما فيها من إثارة لذهنية المتلقي وذاكرته، فعمد إلى توظيف ما تزخر به الثقافة الفلسطينية المحلية من تراث شعبي، لنجد الماضي ماثلا أمامنا في الممارسات الحياتية المختلفة والصناعات المتنوعة التي أثّثت الحياة الاقتصاديّة، إلى جانب الأمثال الشعبية والأقوال المأثورة، واستعمال اللغة المحكية، ووصف تقاليد الأعراس وطقوس الجنازات، وبناء الشخصيّات النمطية ليجمع في أدبه بين شعبية المكوّن ورسميّة السرد.

ورغم أنّ أديبَنا يتعامل مع مكوّنات الموروث الشعبي بموضوعيّة دون إقحام أو ابتذال، إلّا أن استرفاد أركان هذا التراث في قصصه أغنى وأثرى إنتاجه الأدبي،وجعل من أدواته التعبيريّة أكثر مرونة واتساعًا، وأبرز مدى علاقته بالماضي ومدى تأثيره عليه، وقدرته على توظيفه.

وبالطبع، لن نستطيع هنا في هذه القراءة العجلى، أن نقوم باستخراج كل المكونات الشعبيّة من متن كل ما كتبه الأديب محمد علي طه، لهذا سنعمد إلى اختيار القصص الواردة في المجموعة "في مديح الربيع"، كونها من المجموعات الصادرة ضمن العَقد الأخير، فهي ليست من أوائل المجموعات ولا من أواخرها، صدرت في العام 2012، وتشتمل على سبعَ عشرةَ قصة قصيرة، في 240 صفحة من القطع المتوسط. 

إنّ المتلقّي لأدب محمد علي طه يلحظ أنّ مصادر الثقافة الشعبيّة التي استرفدها قد تعددت، لذا ففي تحليل المكوّن الشعبي الموروث سأعتمد على تصنيف باحثة الأدب والحضارة الشعبية الدكتورة روزلاند دعيم، إذ اعتمدت تصنيفات ثلاثة للمواد التراثية:

1. الإتنولوجيا أو الحضارة المادية وتشمل: أنماط البناء والهندسة، المهن والحِرف التقليدية وأدوات عملها، الملابس والحلي ووسائل الزينة، المأكولات الشعبية التقليدية العامّة والخاصّة بالمناسبات، والرقص الشعبي، وآلات العزف.

2. الأنتروبولوجيا الثقافية أو التراث الفكري، ويشمل الإبداع الفكري المتعلق بالعادات والتقاليد والممارسات المرتبطة بدورة حياة الإنسان من ميلاد وطفولة وخطوبة وبلوغ وزواج ووفاة، وبدورة السنة بما فيها من مواسم اجتماعية وزراعية وأعياد وطقوس مختلفة.

3. والأدب الشعبي ويشمل الفنون القولية من نثر ونظم كالأساطير والخرافات والقصص الشعبية والأمثال والحكايات والنوادر والطرف والمُلح والنكات والأغاني الشعبية.

ورغم أننالا يمكننا فصل مجالات تراثنا الشعبي عن بعضها كونها متداخلة ومكملة لبعضها ومرتبطة بوجداننا وبعاداتنا وبمعتقداتنا وممارساتنا، إلّا أنّ هذه القراءة تعتمد التصنيف بهدف تغطية دورة حياة الإنسان ودورة الحياة في الطبيعة، وهو تصنيف ليس جامدًا جافًّا بل تتشابك فيه القيم وتتداخل لنرى المادة التراثية الواحدة من عدة زوايا.

 

تجليّات الثقافة الشعبية الماديّة

على مستوى الثقافة الشعبية الماديّة المنظورة، وردت عناصر البناء والهندسة في قصة "البيت الآخر،" عند مصطفى الذي يبني فيلته الحديثة دامجا في هندستها التراث الأصيل من قناطر وعقدات، ليصل أديبنا الماضي بالحاضر.

ومن العناصر الماديّة ذُكرت الآلات وأدوات العمل كأدوات صنع القهوة وطريقة تحميسها وطحنها وآلات ارتشافها: إذ "تُحمّس القهوة على نار الفحم، ويُطحن البن المحمّس بمطحنة يدويّة أو مهباج، وتقدّم ع على صينية بيضاء، في غلاية نحاسية صفراء، وتُصَبّ في فناجينَ بدون أذنين، على طبق القشّ الفلاحي."وفي قصة "قوس قزح،"ذُكِرت الجاروشة التي تُستخدم في جرش الحبوب،وفي قصّة "ريمة والسكينة" جاء الأديب على ذكر الجرار الفخارية، والرانات وهي أدوات لتجميع مياه العين.

ومن الممارسات الحياتيّة اليوميّة ورد العجين والخبيز والطبيخ، ويشير الأديب إلى صابون الزيت منتَج جدّته غزالة العلي "الذي تعمله من زيت الزيتون."

من الملابس، ورد في قصة "أيام العدة" تفصيلا لزيّ الأرملة الذي يقتصر على منديل وفستان أسودين، وفي قصّة "طيور قطط وبشر" ذُكِر القُمباز الذي يكاد يندثر من المعجم اليومي في حياتنا.

وفي قصّة "تميمة والشيطان"أورد الكاتب الدبكة والشرب والحلويات التي تقدَّم في الأعراس على أنها من أركان العرس العربي، ومن المأكولات الخاصّة بهذه المناسبة ذكر لحوم العجول والخرفان والجداء والرز بالصنوبر واللبن وزجاجات الكولا. ومن الأطعمة الشعبيّة وردتفي قصّة "طيور وقطط وبشر" التبولة والكبّة النيئة المدقوقة بالمدقة الخشبية. ومن الأطعمة اليوميّة جاء في كرم النخلة: الخبز، اللبنة، الزعتر والزيتون، كما ذُكر التبغ والجرابندية التي يُحفظ بها. 

وقد وجدنا من المناسب مَعجمة التسميات الشائعة للحيوان والطير والنبات تحت بند الثقافة الشعبيّة الماديّة، ذلك أنها أثّثت في بدايات القرن العشرين المشهد القروي الفلاح واستخدُمت وسائلَ في أعمال الحقل والنقل، ومن الحيوانات جاء الكاتب على ذكر التيس الأقرع معتمدا التسمية الشعبية لما ليس له قرون من التيوس. والجفرة، وهي العنزة في بداية نضجها، والكرّاز وهو كبشٌ يحمل عليه الراعي كُرْزًا فيه زادُه ومتاعُه، والساعور وهو السخل في سنته الأولى. ومن الحيوانات المستخدمة، ذكِرت الحمير، الخيول، الكلاب، القطط والبغال. ومن الطيور البلابل والسمّان والدوري، ومن النبات: الزنزلخت، التين، الرمان، الزيتون السوري، الميرمية، الزعتر الفارسي، السريس، العبهر، القندول، العنبرة، العنب، اللوز، التفاح، الإجاص، التوت، الجوز، النخل.

إنّ كلّ هذه الألفاظ جعلت من قصص محمد علي طه خزانة للتراث المادّي الآيل للاندثار والنسيان، ولوحات فنية تعكس مشاهد الماضي المختزَنة، لترسم بقايا صور ظلّت حيّة ماثلة أمام أعيننا وفي ذاكرتنا.

 

تجليّات الثقافة الشعبية الفكريّة- الأنثروبولوجيّة:

أمّا في مستوى الأنثروبولوجيا الثقافية- أو التراث الفكري اللامادي، فيقف النص الدينيّ على رأس أدواته التعبيريّة كون الدين أحد الأركان الرئيسة في تكوين الثقافة والذهنية الشعبية، وقد وظفه محمد علي طه معتمدا على مصادره القرآنية والإنجيلية.

فبالإضافة إلى اعتماد الآيات القرآنية والحديث الشريف ومسائل الفقه الديني، فقد استحضر الشخصيات الدينية، واستعان بقصص من القرآن إمّا للإشارة إلى تقاطع في الفكرة مع الواقع المعيش، أو لتبليغ مغزى أو لتفسير ما يختلج في نفوس شخصيّاته، كقصة النبي يوسف مع زليخة، لتبرير الخطيئة، وقصة طوفان سيدنا نوح للمبالغة، وقصّة النبي يونس وتشبيهه الخطيئة بفم الحوت. وتبوّأ أبو هريرة مكانة ثقة كمرجعيّة دينية، وقيل على لسانه ما طاب لذهنيّة الشيوخ للتأثير على ذهنيّة الشعب البسيط.

أمّا الفاتحة فقد وظّفها الأديب محمد علي طه في موضعين، فهي مفتاح كلّ اتفاق بين الرجال، وهي عند الوفاة تتلى على أرواح المتوفّين. ومن الأحاديث النبويّة الشريفة أورد الحديث النبوي الشريف إكرام الميت دفنه، بصيغته الشعبيّة: "كرامة الميت دفنه."

إضافة لثقافته الإسلامية الواسعة، استلهم الأديب محمد على طه بعضًا من ملامح الديانة المسيحية، فنجده مقتبسًا قولَ سيدنا المسيح "من كان بلا خطيئة فليرجمها بحجر،" ويشير في إحدى قصصه إلى الاستجارة بمار الياس. 

بعض قصص "في مديح الربيع"تبرز وجهًا شعبيًّا للدين، ففي قصة "أيام العِدّة،" يتحوّر معنى العدّة الشرعي. فالعدةُ شرعا هي المدة التي تنتظرها المرأة الأرملة أو المطلقة، ولا يحل لها أن تتزوج فيها بعد وفاة زوجها أو حدوث الطلاق منه. أمّا الشيخ عوني، فشأن الكثيرين من أبناء مجتمعنا، يرى أن العدة تعني الانعزال الكلّي للمرأة في منزلها، ما يعني عدم اختلاطها بالغرباء. فقال لسعاد الأرملة الشابة: " لا تغادري يا سعاد المنزل طيلة أربعة أشهر وعشرة أيام من وفاة المرحوم، إياك والاختلاط بالذكور، وعليك عدم مغادرة البيت حتى إلى السوق أو الفرن. وعند المرض أوصاها بزيارة طبيبة أنثى. وارتأى أن يزيدَ من ذهنيّته الشعبية من المحرمات في أيام العدّة: "لمس الخيار والجزر والموز،" موصيًا إيّاها بعدم استعمال الإبريق ذي الزنبوعة واستبداله بالحنفية أو التنكة لأنها أنثى، فجعل حدودا للحلال وللحرام لا علاقة لها بالدين.

وتمثّلت الطقوس الدينيّة التي غدت جزءًا من الممارسات الحياتيّة بالجنازة والصلاة على الميت في المساجد، وبقراءة الخِتمة في اليوم الثالث للدفن، وفيهايُختم القرآن على روح المتوفّى.

ومن أركان الثقافة الشعبيّة الأنثروبولوجية الفكريّة ما تعلّق بالعادات والتقاليد والطقوس الاجتماعيّة، كالعادات المتّبعة في منظومة الأعراس، إذ تبدأ بالتعاليل إلى ما بعد منتصف الليل، وتتخللها المهاهاة، الأغاني، الرقص، الدبكة، الطعام، الشراب والحلويات. 

أما دورة حياة الإنسان بما فيها من غموض وانتظار وقلق، فقد انعكست من خلال قصص محمد علي طه من خلال اعتماد شخوصه على العالم الغيبي في محاولة لكشفه وردّ خبائثه، فلجأ بعضها إلى قارئات البخت في فناجين القهوة أو كما أسماهن أديبنا الفتاحات، وإلى الدجالين، فهذا حجاب من الشيخ إبراهيم، وتلك الشيخة الفتّاحة التي تحوّط صباح بالأسياد والأتقياء والأنبياء، وذلك الشيخ رشيد وطلاسمه وتمتماته لشهربوش، ولخدم الشياطين والجان. 

 

واتّقاء السحر والحسد والخبائث، يتمتم الشخوص بلفظة "دستور،" ويحرقون البخور، الميرمية الزعتر الفارسي، التفاح الجنّأو بذر السعدان. ويعلقون التمائم من المصنوعة على شكل راحات اليد والعيون الزرقاء، ويُجرون التسبيع بالتراب الأحمر الطاهر، إذا لامسهم الكلب.

وقد أشار أديبنا إلى زيارات قبور الأولياء وذكر منهم والده عطا الله، الذي تحوّل قبره بقدرة قادر إلى قبر لولي يهودي باسم نتانيل.

أمّا الاعتقاد الشعبي بالقدر، فوظّفه المبدع محمد علي طه من خلال استنطاق الذاكرة الشعبية المثقلة بثقافة التواكل والقدرية كقوله"الدنيا حظوظ،" و"الحمل قسمة ونصيب."


 

تجليّات الثقافة الشعبية القوليّة

أما في مستوى الأدب الشعبي فاشتملت القصص في المجموعة على أنواع من الفنون القولية الشعبيّة، منها ما كان أسطورة تفسّر ظواهر من الطبيعة، إذ نجد أسطورتين مختلفتين لتفسير وجود قوس قزَح، إحداها تقول بأنّ قزح هو اسم ملَك موكَل بالسحاب، وقوسه يسوق به الغيوم ويحركها ويشكلها ويأمرها بالإمطار أو الرحيل، والثانية تقول بأنه شيطان لعين وقوسه لإغراء الأولاد وخداعهم.

ومن الفنون القوليّة التراثية يورد أديبنا التعابير والمكنيّات والأمثال الشعبية التي تحمل وظائف تعليمية إخبارية وعظيّة أخلاقية:

فبعضها جاء للنصيحة، نحو: ابعد عن الشر وغنِّ له، وبعضها للدلالة على سنّ الفتوّة نحو: يشمون ريحة آباطهم، ومنها ما جاء لتأكيد أهميّة اجتماع ثلاثة من الناس، مثل: الدست لا يقعد إلّا على ثلاثة، ومنها ما دلّ على الجندرية كقوله بنت الرجال لا تخاف الرجال، ودلّل الولد بيرضيك ودلل البنت بتخزيك.

ومن التعابير الشعبيّة ما دلّ على طبع الخيانة في الرجال نحو: يا مأمّنة للرجال مثل المية في الغربال، وعينه زايغة، ومنها ما دلّ على انخداع نحو: تحت السواهي دواهي، ومنها ما حثّ على الصبر والتأني مثل: الصباح رباح، ومنها ما دلّ على شدّة الجدال والعراك كالقول: يا حرة مع مين علقت، أو ما دلّ على عبث كتجارة جحا بالبيض.

ومن التعابير والكنايات ما دلّ على ذلّة بعد عزّة كقول غزالة العلي "انكسرت خيمتي،" بعد فراق زوجها. أو ما دلّ على فوضى مثل بدون شور ولا دستور، أو لا مبالاة نحو: بايعها بفجلة، أو مبالغة مثل التعبير: الشمس تحرق ذنب العصفور، أو مساواة كلنا ولاد تسعة، أو وفاق نحوـ: السمن والعسل، ومنها تعابير للسخرية من الهيئة: لا ذكر ولا شَكَر، أو للتحقير نحو: اخت شليتة، أو لانتقاد السلوك العابس: لا يضحك للرغيف السخن.

ومن التعابير ما استُعمل أدعيةً، نحو: الله يستر عليك، وطريقك اخضر. 

ولوحظ في التعابير الشعبية أسلوب التكنية أو النعت أو التشبيه بالحيوان كقول العامّة: مثل الكلب، متل تيس الماعز، مثل الحمار، مثل الحصان، وكنّى الفتيان في بداية شبابهم بالسواعير ومفردها ساعور، وهو السخل في سنته الأولى.

أما الأغنية الشعبية فارتبطت بطقس معين، فارتياد الماء له طقوسه وأغانيه ومنها: عطشان يا صبايا دلّوني على السبيل، ويا واردات العين. وفي الحِداء الشعبي ذُكر الحدّاءان الشعبيّان الأسديّان كونهما من أركان الثقافة الشعبيّة وطقوس الأعراس في منطقة الجليل.

وهكذا برز التراث الشعبي في أدب محمد لي طه مادّة حيّة متحركة تتنفّس التفاصيل اليوميّة والبيئة المحليّة، فتغدو المادة الأدبية المستمرأة من الذاكرة الجمعيّة وَدودة قريبة منسابة سهلة يسيرة.

وبهذا وغيره، يكون محمد علي طه من الكتّاب الذين جعلوا من ثقافة مجتمعهم آليّة تصل الماضي بالحاضر، ورواقًا مضيئا يسافر بنا في ثنايا الزمان والمكان ويسهم في ترميم الهوية والوجود.

(شفاعمرو)

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب