news-details
ملحق الجمعة

جدلية الفضاء والشخصية الروائية في رواية "راكب الريح" (3-2)

جدلية الفضاء والشخصية الروائية في رواية "راكب الريح" (3-1)

 

تحفل رواية "راكب الريح"بالتوصيف، لدرجة تجعل القارئ يشعر بوجود معالم يافا وغيرها من المواقع حقيقةً لا مجرد خيال، "فوصف المكان هو وصف لمستقبل الشخصية كما يقول فيليب هامون، وحيث لا توجد أحداث لا توجد أمكنة فيما يعتقد جورج بولان، والمكان لا يظهر إلا من خلال إحداثيّة زمنيّة يندرج فيها، كما يرى جيرار جينيت، ومنظور السرد هو الذي يحدد أبعاد الفضاء الروائي ويرسم طوبوغرافيته على حد قول فرانسواز روسم". (بحراوي، 2002، ص6)

يتساءل جولدنستين: "لماذا تتموضع أحداث رواية من الروايات في مكان بدل آخر؟ ولماذا يتنقل البطل؟ ولماذا يخلق الروائي جوا منحبسا أو يفسح المجال الرحب لشخوصه؟ وبتعبير آخر؛ هل يستعمل الروائي الفضاء مجرد ديكور، أم أن هذا الفضاء يضطلع بدور كامل، في إطار تنامي التخيل؟" (جولدنستين، ص33)

يجيب جولدنستين: "في الأدب الروائي المحتفي بالتشخيص، والذي ما زال مهيمنا إلى يومنا هذا، لا يكون المكان مجانيا، فلا يصوره الروائي لذاته، بل يقيّده باقتصاد المحكي، من خلال التهذيب البلاغي الضمني الذي يتحقق له عن طريق القراءة. فالقارئ إزاء وصف من الأوصاف، لا يملك إلا الاعتقاد في قرارة نفسه، بأن أمرا ما سيحدث هنا". (ن. م)

سيرى القارئ أنّ يوسف سيدخل أسواق يافا ويحتك بناسها، على أنواعهم، وسيستلهم رسوماته وفنه من تراثها، ومن ألوانها الجميلة المتعددة، ومن برجها وأساطيرها، وسيتفتّح ذهنه على محبّة رملها، وسيبني هناك "قصوره" مع الصبايا الجميلات، ثم يلتقي، بعد أن بدأ شعر شاربه وذقنه يبزغ، بجارية حسناء مجربة تغويه وتسحبه معها إلى الغابة، حيث بساتين البرتقال، فيدخل معها في تجربته الأولى التي ستتكرر في مواقع أخرى، مع كثير من التشابه في سطوة السحر والجمال الأنثوي. إذن فتوصيف المكان في رواية "راكب الريح" ليس مجرد "ديكور" ولا وصفا لطوبوغرافيا المكان فحسب، بل إنّه يحمل دلالات وإشارات هامة تشي بمستقبل الشخصية المركزيّة الجاهزة للانفتاح على العالم والتحاور معه، والاستعداد لقبول الآخر بثقة تامة. ففضاء يافا مفتوح، ببحره وسمائه وأسواقه،وبثقافته وعلمه وحضارته. إنّ هذا التوصيف الغنيّ للمكان، بكل مركباته الثريّة، جعل يوسف رمزا للإنسان الفلسطيني القادر على المحاورة بثقة وثبات، لا مجرد فرد دون هوية، وجعل يافا رمزا للمكان الأوسع والأشمل، رمزا للوطن بمجمله.

إن جميع مركبات فضاء مدينة يافا تُكوّن مع بعضها بعضا صورة فسيفسائية متكاملة، من شأنها أن تبرز ملامح التكوين الأولي لشخصية الفتى يوسف. وهي ليست مفصولة عن بعضها، بل تدلّل، في اجتماعها، على الصراع الفكريّ والاجتماعيّ والسياسيّ لساكني المدينة. يرى يوسف ويعي ما يراه، فيتواجه، منذ بداية تفتح وعيه، مع الإنكشارية، وما تحمله هذه الفئة من أفكار متزمّتة تتناقض مع أفكاره التي تميل إلى الفن بأنواعه المختلفة.

يبني الروائي فضاء الرواية فيبدو عالما واسعا شاملا، دون أن يقتصر على الوصف الطوبوغرافي للأمكنة ومعالمها ذات الدلالات، بل لقد جعل كل بقعة من يافا تحمل جانبا من جوانب الشخصية ليتبادلا التأثُر والتأثير، وكان للبيت دور هام. فالبيت هو البيئة المكانية التي تعبّر عن ظروف الشخصية وطبيعتها، وهو، بكلمات أخرى، امتداد لشخصيته. (Wellek& Warren, p221)

يفتتح الروائيّ يحيى يخلف روايته "راكب الريح" بالنص التالي: "وُلد يوسف لأب يعمل بالتجارة، ويسكن بيتا مبنيا من النمط المملوكي على سفح التلة، التي تعلوها السراي، حيث يقيم الوالي العثماني عبدالله بك". (الرواية، ص5)لو دققنا في النص القصير أعلاه لرأينا أنّ له دلالة واضحة، ورسالة يجب أن يتلقّفها القارئ ليفكّ إشاراتها. بيت يوسف ليس متواضعا البتّة، بل إنّه مبنيّ على النمط المملوكي، وعند سفح التلة، لكنّ الوالي العثمانيّ الأجنبيّ يسكن في السراي فوق بيت يوسف. وكأنّ الكاتب يفتح كوة للقارئ كي يتوقع صراعا بين يوسف،بما يحمله من أفكار، وسكان السراي، وما يمثلونه من فكر يتناقض مع رؤيا يوسف وأفكاره.

في البيت أب وأم يسهران على تربيته صغيرا، ودعم تعليمه وتثقيفه شابا، فالبيت رمز الدفء والحياة الوادعة الهادئة. هنا في المنزل "يختلي بالريشة ودواة الحبر والورق ليخط الآيات والحكم والأمثال بخط الثلث". (الرواية، ص8) –

يتأكد لنا، بعد الاطلاع على معالم يافا الخارجية والداخلية، ما لهذا التوصيف من أهمية يفوق دور الزمن، رغم أهميته، هو الآخر، لأن القارئ يكاد يلمس معالم الأشياء.لقد لفت نظرنا ما قاله المنظر جيرار جينيت بهذا الصدد، في دراسة له بعنوان "الأدب والفضاء"، يفتتحها بالجملة التالية: "قد يبدو من باب المفارقة أن نتحدث عن فضاء في الأدب، إذ يبدو أن العمل الأدبي إنما يتحقق زمنيا، في المقام الأول".(جينيت، ص11) ويضيف لاحقا: "لكن يمكن، بل ينبغي، أيضا، أن نبحث في علاقة الأدب بالفضاء. وليس يدفعنا إلى ذلك أنّ من مواضيع الأدب ما نجد فيه من حديث عن الفضاء، ووصف الأمكنة، والمساكن والمناظر الطبيعية، أو لأنّ ما نقرأ منه قد ينقلنا، عبر الخيال، إلى نائي الأصقاع ومجهولها فيُخيّل إلينا، لبرهة من الوقت، أننا نجتازها أو نقيم فيها". (ن. م،. ص11-12)

إن قارئ الرواية يرى، بوضوح تام، كثافة وصف الفضاء الروائي، على اختلاف مركباته، بحيث نكاد نلمس بعض معالمه، فالروائي يعمل على التأثيث المكاني ليحمل دلالات عدة تبوح بدور هذا المكان وموقعه الاجتماعيّ، ودوره في إبراز مَن عليه من بشر. وقد حظيت السوق بحيّز واسع منه، إنّها سوق عامرة أشبه بالأسواق التي قرأنا عنها في "ألف ليلة وليلة"، وفي حكاياتنا الشعبية: "كانت السوق تمثل تنوع المدينة...". (الرواية، ص8)

إن يوسف جزء هام من هذا النسيج الاجتماعيّ المتنوّع، ومن هذه الحياة الزاهرة والزاخرة في السوق، فضلا عن تعدد التجار والباعة والبضائع، فتمكّن من رؤية الناس، ومن معاشرتهم، على اختلاف انتماءاتهم. ساهم كل ذلك في تفتح ذهنه وفكره، وباتت السوق مكانا مفتوحا على عوالم مختلفة، لا مجرد مكان مفتوح طوبوغرافيا. إنّه عالم بحد ذاته، فيه تنوّع من البضائع، وتنوّع من الباعة والمتسوقين. وهو تحفة في البناء وفي العرض يساهم في تفتح الذهن والذوق الفني ليوسف، الذي يستوحي منه أفكارا: "ويستمتع (يوسف) بمشاهدة السلع المعروضة: أقمشة فاخرة، وملابس مزركشة ومطعمة باللؤلؤ، ومحلات بهار تعرض التوابل المستوردة من بلاد الصين والهند، ومحلات تعرض البسط المجدلاوية المنسوجة على النول...".(الرواية، ص7)

هذا التنوّع في المعروضات وفي البضائع، ينمّ عن غنى أهل يافا الثقافيّ والفنيّ والفكريّ، خاصة، وفلسطين عامة. يسهب الراوي في تصوير يافا، بكل مرافقها، فتبدو في عين القارئ مدينة تزخر بالحياة، وهو ما يتناقض مع ما يروّجه الآخر بأنّ هذه البلاد كانت غارقة في بحر من الجهل والخواء الفكريّ والفنيّ. فالأمكنة تتشكّل من خلال الأحداث التي تقوم بها الشخصيات، وهذا يعني أنّ الفضاء الروائي يرتبط بمسار الأحداث السردية. فالإشارة إلى المكان تعني أن هناك حدثا قد جرى، أو سيجري به. وشبيه هذا القول يرد عند فيليب هامون الذي يرى "ان البيئة الموصوفة تؤثّر على الشخصية وتحفّزها على القيام بالأحداث وتدفع بها إلى الفعل، حتى إنه يمكن القول بأنّ وصف البيئة هو وصف مستقبل الشخصية". (بحراوي، 1990، ص29-30) أما جوليا كريستيفا فلم تجعله منفصلا عن دلالته الحضارية، بل إنّها تراه مرتبطا بثقافة عصر من العصور الذي تصوره الرواية. (لحمداني، ص54)

ولذا فإننا نرى أن التصوير الخارجي له دلالات وأبعاد مقصودة. وعليه فإنّ هذه المدينة جزء من حضارة تستحق أن نُرسّخها في وجداننا كي تستحق التضحية.فمن أجلهالا يسارع يوسف في الاستجابة لطلب والده تركَ يافا، رغم رغبته في دراسة علم الهندسة في الأستانة، لأنه "في الوقت نفسه، لا يرغب في هجر فن الرسم، ولا يرغب في الاغتراب عن يافا. لا يرغب في الابتعاد عن البحر والمنارة والميناء والأسوار والأبراج والتلة وصخرة الأميرة والسراي وقصر الوالي والبيوت المتدرجة الحجرية [...] ولا عن ضجيج الحياة في الأسواق وتنوع الحياة وألقها وكثرة العابرين والزوار والسياح". (الرواية، ص22-23)كأنّي بالكاتب يتخفى خلف الراوي ليبث رسالة للقارئ مفادها أنّ هذه بلاد عريقة بفنّها وحضارتها وتاريخها وناسها.وسنرى أن مركبات مدينة يافا، من بشر وفن وحجر، تستحق أن يضحي المرء في سبيلها والحفاظ عليها، لأن الحفاظ على يافا يعني الحفاظ على المكان الأوسع. فكانت عودة يوسف من الغربة، في بلاد الأناضول،وانضمامهإلى المقاتلين للذود عن يافا، وإعادة بنائها،بمثابة عودة للدفاع عن هذا الرصيد وعن هذا التنوّع البشري، والتنوع الفكري الذي يغني المدينة وأهلها.

من أبرز ملامح هذه الفترة، برأينا، هو إبراز الشخصية الشرقية والهوية الشرقية، فيافا مدينة وفيها صراعات واختلافات، لكن تفوح منها الأصالة الشرقية العربية، من فن الخط العربي والتزويق والملابس والأنسجة والرسم الراقي، التي تحمل جمال الشرق العربي وسحره،فضلا عن فن البناء الشرقي. هذا كله يحمله أبناء يافا، كجزء من رصيدهم،وينقله معه يوسف حيثما حل. وبفضل هذه الحضارة وهذا الرصيد، تمكّن أن يتحاور مع الآخر وأن يتواصل معه، خاصة حين يكون هذا الآخر ذا باع طويل في العلم والمعرفة، يعطيهم مما لديه، ويأخذ منهم ما ينضاف إلى رصيده، كي تكتمل الرؤيا الشمولية. لكنه مع ذلك يحمل معه نزق الشباب ونزق الشرق، رغم ما يتحلى به الشرق العربي من روحانيات.

إن يوسف، في تمثيله ليافا وللشرق العربي، تنقصه بعض الميزات التي يجب أن يتسلّح بها ليواجه الحضارات الأخرى، وهو ما سيكتسبه في مناطق الشرق الأخرى، ليعود إلى يافا أكثر وعيا وأكثر تعلقابها وبأهلها.

ذكرنا أعلاه أنّ الفضاء في الرواية أبعد من أن يكون محايدا، (بورنوفوأويلي، ص88) وعليه نؤكد أن الكاتب خلق عالما فضائيا معادلا للشخصية المركزية، ولم نر غلبة للفضاء على الشخصية أو العكس. ونضيف أن فضاء يافا هو نقطة الانطلاق، وكأن وصف بحرها وسورها كان إشارة للقارئ أنّ يوسف سيتعدى هذا المكان إلى ما هو أوسع، أما ظهور الحوت فإنه يحمل نفس الدلالة لأنه يذكرنا بحوت يونس الذي حمله في بطنه ونقله إلى مكان أبعد.

 

المحطة الثانية:فضاء الغربة ونضوج الشخصية

لقد طرق الكثير من الروائيين العرب موضوع الغربة منذ نشأة الرواية العربية الحديثة، وقد برزت من بينها روايات هامة منها؛"عصفور من الشرق" (1938) للكاتب توفيق الحكيم (1998-1987)،"قنديل أم هاشم" (1944) للكاتب يحيى حقي (1905-1992)،"الحي اللاتيني" (1953) لسهيل إدريس (1925-2008) و"موسم الهجرة إلى الشمال" (1965) للطيب صالح (1929-2009). هذه الروايات تناولت غربة الشرقي في الغرب الأوروبيّ، وصراع الشرق والغرب. أما في رواية "راكب الريح" فإن موضوع الغربة له فضاء آخر هو فضاء الشرق. ولذلك اتخذت الغربة معنى آخر مغايرا عما هو في تلك الروايات. فانتقال يوسف من بيئته الفلسطينية في يافا، إلى البيئة الشامية، ثم إلى الأناضول، كانت بهدف اكتمال الشخصية العربية الشرقية ونضوجها،واكتشاف الذات القوية لمحاربة التخلّف الفكريّ، ممثلا بالإنكشارية وغيرهم، من ناحية، وطرد المحتلّ الغريب، من ناحية أخرى، ممثلا بنابليون وجيشه.

إذن الغربة في "راكب الريح" لها مفاهيم أخرى تتلاءم مع تلك الزمكانية، في ظل الإمبراطورية العثمانية التي تشمل كلَّ العالم العربي من مشرقه إلى مغربه، وفي ظل محاولة الغرب السيطرةَ على تلك الدولة التي كانت عليّة وقوية، يوما ما،ثم أخذت في التراجع ولبست ثياب "الرجل المريض"، فتطلع الغرب إلى تقسيمها والسيطرة على خيراتها، فكانت حملة نابليون إحدى تلك المحاولات، وكان العرب أهمّ ضحايا هذه الحملة،كما كانوا ضحية دول الغرب،في صراعهم على الشرق العربي، والسيطرة عليه وعلى خيراته.

إن فضاء الشام والأناضولفيه الكثير من معالم يافا وفضائها،ما عدا البحر، لكن الفضاء ليس مجرد موقع جغرافي، كما ذكرنا، فيوسف غريب عنناسه،وعننزلائه،الذين ينتمون لشعوب ذات حضارات وثقافات شتى، تسنى له أن يراها ويحسّها ويتحاور معها لأول مرة في حياته. ورغم ما يمر به من صعوبات،هناك،إلا أن هذه الغربة تزيده علما وتجربة وصلابة واستعدادا للمواجهة، على الصعيد الخاص، وعلى الصعيد العام.

إن فضاء يافا هو الفضاء الأساس في رواية "راكب الريح"، هناك بدأ حياته طفلا صغيرا يستفيد من الجامع ومن مدرسة الراهبات، تعلّم وتثقّف من الشرق والغرب، فالجامع رمز حضارة الشرق العربي الإسلامي، واللغة الفرنسية رمز للانفتاح على الثقافة الغربية. لقد وضع الروائي الأسس الرئيسية المتينة لشخصية يوسف، منذ الصفحات الأولى للرواية، وأعطاها من الميزات ومن الصفات ما يؤهّلها للمحاورة والانفتاح على عوالم عدة. وقد رأينا أن مدينة يافا ليست مجرد مدينة يعيش ناسها في إطار مغلق وضيق، بل رأيناها مجمعا لثقافات عديدة وتجارات متعددة، يسكنها أناس من قوميات متعددة، فتأهّلت الشخصية المركزيةللمواجهة والانفتاح والمحاورة، وبُنيت بحيث باتت جاهزة للانتقال من ثقافة لأخرى، بدءا من تعلّمه في الجامع والمدرسة، مرورا بالشاطئ فالسوق، والتقائه بأناس متعددي الأهواء ومتعددي الجنسيات.

يقول جولدنستين: "يوظف كثير من الروائيين في رواياتهم فضاء مفتوحا، يترك للأبطال حرية الذهاب والإياب، والسفر، وقد يتيح لبعضهم إمكانية التطواف والجولان أيضا". (جولدنستين، ص23) ذكرنا أعلاه أنّ يوسف قد تنقّل بين عدة مدن فلسطينية هامة،لكنه لم يكتف بما تعلمه في يافا وعكا وحيفا،فسافر إلى الأستانة، وطاف في بلاد الشام والعراق،وقد استفاد من هذه التنقلات. أما جولته الأهم فكانت في بلاد الشام بعد إبعاده من يافا قسرا لمدة سنتين، فاستقرّ بها،ودخل إحدى مدارسها، كما احتك بناسها عن قرب، وتجوّل في أسواقها وحاراتها الغنية، فاطّلع على ثقافاتها الغنية، ثم جاء انتقاله إلى الأناضول للاستشفاء، فكان له ذلك.

يسافر يوسف إلى دمشق، بعد أن "ودّع يافا، والسيدة "العيطموس" فائقة جمال الجسد والروح"، (الرواية، ص169)لا رغبة منه، بل لأنّ قرارا صدر من الوالي بإبعاده، بعد أن تواجه مع مجموعة من جنود الإنكشارية، كما ذكر أعلاه، فاستغلّ ذلك ليوسع من مداركه، ويحقق رغبته ورغبة والده في تعلم فن العمارة وتزيين القصور. يطّلع على فنون هندسيّة معماريّة لشعوب عدة معظمها شرقيّة وبعضها غربية.(للمزيد من التفاصيل انظر: الرواية، ص169-170) ويمضي أيامه في المدرسة وفي زيارة الحارات والأسواق، والاطلاع على الفنون المعمارية المختلفة، مدة سنة كاملة،لم يلتق خلالها بأهله، إلا مرة واحدة حين زاره أبوه أحمد آغا وأمه بهنانة. (الرواية، ص171)

يلاحظ القارئ إسهاب الراوي في وصف معالم دمشق، التي تقع كلها تحت مرأى عينيّيوسف، بما فيها من غنى حضاريّ، (انظر: الرواية، ص165-176) لكنّ وجدانه يبقى مرتبطا بيافا.يسكن هنا"بيتا مريحا لا يأوي إليه إلا وقت النوم". (الرواية، ص170)أما هناك فكان له بيت وأهل وأحبة ينتمي إليهم جميعا،هناك كان يعرف كل حبة رمل من رمال يافا، وكل شجرة من أشجارها، وكل موجة من أمواج بحرها.وأما هنا، في دمشق، حيثالفن والحضارة اللذان يروقان ليوسف، واللذان يُسهمان في تطور أدوات فنه ورؤياه، (انظر: الرواية، ص170-171)فهو الغريب الذي لا يدرك أسرارها ولا يلم بزواياها وخفاياها: "هنا لا فسقية ولا شجرة ليمون، لا علّيّة ولا موقد، ولا نافذة تطل على غواية، هنا يحس بالغربة والوحدة والعزلة". (الرواية، ص185)

تضيق به الحال،رغم جمال المدينة وأصالتها وعراقتها، فالانتماء إلى المكان هو مجموعة من الأحاسيس والمشاعر، لكنّه هنا يشعر بانغلاق في الأفق، وإن كانت الشام ذات سماء زرقاء، وعامرة بالأسواق وبالناس. إن المدينة هنا، بالنسبة ليوسف، مصدر ثقافي هام، لكنه لا يشعر أنه قادر على تحقيق ذاته، كما كان عليه الأمر في يافا مسقط الرأس.فضاق ذرعا حتى وقع في الخطأ نتيجة غواية فتاة أطلّت من نافذة بيتها واستدرجته إلى بيت لا يعرفه إلا من الخارج، رغم القرب الجغرافي ورغم الجيرة، فيقع في الشرك، وحين يصل البيت يفتح له عجوز الباب، ويستدعي الدرك الذين يقودونه للتحقيق والمساءلة، ويعاقب حتى أدمت الكرابيج جلده. وكان قد وعد نفسه ألّا يقع في الخطأ: "كان تجنب النساء خياره، وتجنب الشهوة والغواية قناعته" (الرواية، ص173)لكنّ "الجني الذي يتزمّل في ثيابه يستيقظ". (الرواية، ص174)

عاد يوسف إلى البيت منهكا، فتذكر أباه وأمه "وصورة السيدة، سلسلة من الصور: بيت على التلال، قصر السيدة، عيناها الحانيتان، لوحتها ودفء روحها. عند القذارة نتذكر الطهارة. مرت في ذاكرته صورة يافا: دكان في السوق، أبراج ومدافع، رائحة صابون، خرير نهر، ظلال أشجار عالية، بساتين برتقال، بيوت متدرّجة حولها سور، شباك صيادين، رائحة سجق، غزل ونسيج، فخار وخمور، معاصر زيت، خشب أرز، صخرة أميرة، جامع كبير، سبيل ماء، شجرة حرير، دودة قز، جبل ملح.عادت لذاكرته يافا وبكى". (الرواية، ص183)

تعود الذاكرة إلى حيث الألفة؛ هناك العائلة والأحبة، وكل زاوية من زوايا المدينة، بصورتها وهيئتها ورائحتها، يحضر المكان الأليف لطرد شبح الغربة. لن نأتي بجديد حين نقول إن رائحةً ما أو صوتًا ما يثير فينا الذاكرة، ونعود في مخيلتنا، إلى المكان الأليف الدافئ.فالمكان ليس صورة فحسب، بل هو كيان وروح. إن التكثيف أعلاه، في سيولة حضور المكان، يهدف إلى خلق حالة من التناقض بين البيت والغربة، بين الدفء والبرودة، بين "هنا" و"هناك".

يدخل يوسف في حالة من الاكتئاب، ويتغيّب عن الدروس أربعة أيام، توجّه نحو الجامع فقابل الشيخ الذي فسّر له أحلامه فأراحه، لكنه ما انفكّ أن وقع تحت إغواء نفس الفتاة، بعد أن تزيّت وتخفّت وقادته خلفها في أزقة ضيّقة حتى دخلا بيتا فخما مبهرا في أناقته وفي فرشه وأثاثه. فصرّحت له أنها تتعمّد إذلال الرجال، فتحدثت إليه من عل، واقفةًفيما هو جالس. وبعد أن أغوته وحرّكت كلّ مشاعره الحسيّة دعته إلى مغادرة البيت فورا.(انظر: الفصل التاسع عشر من الرواية، ص191-200)

لقد اعتاد في يافا أن يكون محط أنظار النساء الجميلات، اللواتي يتهافتن للنظر إليه والاجتماع به. هناك هو الفاتن الساحر، وهنا في الشام هو المسحور، في يافا هو القويّ، وهنا في دمشق هو المستضعَف، هناك في يافا الحب الطاهر العفيف، وهنا، في دمشق،الغواية والشبق الحسي. هناك البيت وهنا الغربة.

ورغم أنّ فضاء الشام غنيّ بموقعه وتراثه وتاريخه، بحيث أصبح مركز لقاء هام بين أقصى الشرق والغرب، فيه مساجد وكنائس وأسواق وحانات وخانات، وبرغم كونه فضاء مفتوحا على عوالم عدة، وغنيا بنبته وورده ولباسه وطعامه وشرابه، إلا أن أحوال يوسف تتبدّل، ولا تكون هي ذاتها كما كان في يافا. ففي يافا هو الفتى الذي يُغوي النساء، وفيها"العيطموس" كاملة الأناقة، رقيقة المشاعر، التي تتعامل معه بحسها المرهف وبجمالها الروحي.بينما هنا تتمكّن فتاة مجهولةالهوية تنبعث منها رائحة ساحرة جذابة من اقتياده خلفها، فيسير دون وعي في أزقة ضيقة كمن يسير مبهورا دون وعي، حتى أدخلته بيتا أنيقا ساحرا أشبه ببيوت ألف ليلة وليلة وقصورها، تختفي ثم تعود بعد أن تكون قد خلعت جزءا من ملابسها الملوكية، حتى بدت شبه عارية، لكنه يراها،وهي على هذه الحال،حيّة قاتلة ذات ناب أزرق،ولما سألها من أنت "أجابته بدلال: أنا الملكة.. أبحث في رعيتي من الرجال عمّن هو أكثر وسامة وأكثر جمالا وأكثر رجولة وأصطاده وأروضه، وأتزوجه، وأقيم له حفل زفاف، وأقتله ليلتها، أميته موتا لذيذا، وأستمتع أكثر في لحظات احتضاره".(الرواية، ص197)

تبدلت الحال وباتت المرأة أشبه بشهريار، والرجل أشبه بشهرزاد، وبعد أن كان في كامل جبروته وقوته الجسدية والروحية،أصبح هنا في الغربة فاقدا حريته وسلطته، يسير من فشل إلى آخر في تجاربه النسائية، رغم سحره الشرقي،لكن هذه التجارب القاسية كانت كفيلة لأن تجعله يعود إلى ذاته ليكتشف سرّ ضعفه ومصدر قوته، في آن معا. فالغربة، بما فيها من صعاب، قد تودي إلى طريقين؛ إحداهما إلى الضياع، والثانية إلى اكتشاف الذات. يوسف كان مسلحا بيافا، بكل ما فيها من حضارة وثقافة، يافا تسكنه ويسكنها وكانت ترعاه وتحافظ عليه في غربته فزوّدته بالقوة والإرادة. (يتبع)

 

الصورة//من استقبال عميد المسرح العربي "يوسف بك وهبي" في مدينة يافا عام 1937

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب