كشفت صورة التقطت ببروكسل ونشرت عام 1958 وهزت ضمير البشرية، الوجه الذميم للغرب الاستعماري العنصري. الصورة كانت لطفلة من أصول أفريقية بعمر ثمانية أعوام، تم وضعها مع أطفال مثلها من أصحاب البشرة السوداء في أقفاص تسمى حدائق الحيوان البشرية. كما أصابت كلمات "ونستون تشرشل" الزعيم البريطاني التي نشرت العام 1992 الرأي العام الأوروبي والعالمي بالصدمة، حيث جاء في مفكرته التي كتبها حين كان وزيراً للداخلية أن "النمو الشاذ المتزايد لطبقات ضعاف العقول يشكل خطراً قومياً وعرقياً على أوروبا، ويجب وقف هذا الرافد الذي يغذي نهر الجنون".أعلى النموذج

لقد مضت عقود على مكافحة العنصرية في الولايات المتحدة وأوروبا، وعلى الرغم من صدور التشريعات والقوانين ضد التمييز العنصري، فما زلنا لليوم نرى الصدامات والحوادث والاعتداءات العنصرية في العديد من المدن الغربية. إذ أن للعنصرية جذوراً عميقة دفينة في النفوس وفي الوعي الغربي بصورة لا يمكن السيطرة عليها بشكل تام في بعض الأحيان، رغم التقدم الديمقراطي والعلمي والحضاري للغرب.

في الولايات المتحدة تشتعل حرب عنصرية بطريقة إرهابية ضد الأمريكان من أصول أفريقية، وضد القادمين من دول أمريكا اللاتينية بصورة أقل، مما يدفع للتساؤل عن أسباب تواصل سياسة التمييز العنصري في الولايات المتحدة. يجري استهداف وتهميش السود بصورة رئيسية في جميع القطاعات، ونسبة البطالة لديهم ضعف نسبتها بين البيض، ودخلهم المالي أقل بنسبة الثلث، ونسبة الفقر في أوساطهم أكثر بثلاث مرات من البيض، ونسبة الاعتقالات بينهم أكثر بأربع مرات.

إن العنصرية والكراهية والاعتداءات ضد السود في أمريكا، وضد اللاجئين والأجانب في أوروبا وضد الأعراق الأخرى غير الأوروبية، تعد انقلاباً على الديمقراطية، وارتداداً عن قيم العدالة والمساواة، ونكوصاً حضارياً وإنسانياً للمجتمعات الغربية. ورغم كل ما أنجزه الغرب من تقدم علمي وتطور في مختلف الصعد، لكن ما يجري من اختلالات اجتماعية وإشكاليات اقتصادية وتناحر طبقي، لا ينفصل عن الطبيعة البغيضة للرأسمالية ولا عن مجمل السياسات البرغماتية التي تتبعها.

 

سياسة العنصرية

العنصرية قد تكون قانونية ومحمية بالدستور، حيث يتم تحديد العلاقة وشكلها بين فئات مجتمعية معينة بالدولة من خلال الدين أو العرق أو الطائفة. نجد في بعض الدول تشريع قوانين الاختلاف المتعلقة بالحقوق والواجبات. ويجري ذكر الدين والمذهب على بطاقات الهوية الشخصية للأفراد لغايات عنصرية وفرض نمط مختلف من التعامل. كما توجد عنصرية فكرية وثقافية ترتبط بالعادات والتقاليد والأعراف في المجتمع، وهذا يظهر حين يقوم المجتمع بنبذ مجموعة من المواطنين، أو شريحة اجتماعية أو طائفة من الناس تختلف بثقافتها عن الأغلبية. وقد يكون الدافع للعنصرية أسباب فردية وشخصية، حيث يقوم فرد ما بكراهية فئة أو جماعة ما، ويبدي التصرف العنصري العدائي تجاه هذه الجماعة بناء على أسباب تتعلق به شخصياً، أو لدوافع ترتبط به.أعلى النموذج

المادة العشرون من اتفاقية حقوق الإنسان الدولية التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة العام 1966 تنص على "حظر أية دعاية للحرب، وتحظر أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف". ونجد نصوصاً مشابهة في دساتير جميع الدول التي تعاقب على الكراهية والعنصرية والتحريض الديني والعرقي إن تم داخل أراضيها، ومع ذلك نجد بعض الدول تقوم ببث الكراهية وتصنع الخوف من الآخر، وتنشر التفرقة وإثارة التناحر والصراعات، في دول أخرى لغايات ما، وخلق الفوضى والعبث، ثم تساعد على ظهور متطرفين ينشرون القتل والحرق، وفي توقيت مناسب تتدخل هذه الدول لإعادة ترتيب أوضاع المنطقة وحل النزاعات، بشكل يحقق لها سيطرتها ومصالحها.

الدول الغربية ذاتها التي تؤمن بحق مواطنيها في العيش بحرية وكرامة وعدالة اجتماعية، وتجتهد لتوفير الرفاهية لشعوبها، حتى لو كانت على حساب الشعوب الأخرى - الأقل أهمية ومنفعة - تقوم في سعيها للسيطرة على مقدرات الأمم ومن ضمنها الأمة العربية، على استحداث وسائل استعمارية حديثة غير تقليدية، حيث تقوم بتوظيف التكنولوجيا المتطورة وثورة البيانات في تطوير هذه الأدوات.

لقد أسهمت التقنيات بإيجاد الحروب التي تستعمل القوة الناعمة كسلاح فتاك يستهدف العقول، عبر نشر الشائعات وبث الأكاذيب وتلفيق الوقائع، ضمن خطط ممنهجة مرسومة بدقة موجهة إلى شرائح اجتماعية محددة، لإشعال الفتن وإثارة النعرات الطائفية والعرقية والمذهبية، بهدف إشغال الناس عن أزماتهم وحجب رؤية ما يحدث بهدف السيطرة عليهم. ولكي تتمكن الدول الغربية وبالتعاون مع بعض الأنظمة العربية المستبدة من إحكام السيطرة على الشعوب، يقومون بتغذية الخطاب الديني والسياسي والطائفي والعرقي المتشدد لتتسع دوائر الكراهية.

 

أضلاع العنصرية

في بداية التسعينيات من القرن العشرين، مع انتهاء الحرب الباردة،عاد الاستعمار الغربي للمنطقة العربية مرة أخرى عبر تصدير السلع والبضائع، ثم لاحقاً عبر الاستهداف الثقافي. وفي الوقت الذي كانت فيه الدول الأوروبية تسعى جاهدة لتنفيذ سياسات الاندماج التدريجي، وتحقيق نوع من المساواة، قامت الحرب العرقية الدينية في يوغسلافيا، ثم انعطفت أوروبا من توجهها نحو دول الجنوب في شمال أفريقيا، ودول الضفة الأخرى من المتوسط، التي كانت سياسة معتمدة من قبل الاتحاد الأوروبي، وتوجهت نحو دول الشرق الأوروبي، وبدأت في سياسة إسقاط الحدود فيما بين بلدان القارة. وأخذت معها تتوافر الظروف لعودة العنصرية على شكل اصطفاف سياسي واقتصادي وثقافي.

 أبرز هذه الظروف هو التكتل فيما بين الدول الأوروبية على حساب التقارب مع الضفة الأخرى المتوسطية. لم يخصص الاتحاد الأوروبي سوى خمسة مليارات يورو لتطوير وتنفيذ اتفاق برشلونة لتطوير العلاقة مع دول المتوسط، بينما صرفت أوروبا عشرات المليارات لإدماج دول أوروبا الشرقية، وذلك بسبب الفهم الضيق والنظرة الفوقية العنصرية لدول الاتحاد الأوروبي.

فتح الحدود بين دول أوروبا الغربية المتطورة ودول شرق أوروبا أحدث تفاعلاً سلبياً في المجتمع الأوروبي أدى إلى تصاعد العنصرية وتمدد الأفكار اليمينية المتشددة، التي لم تعد تقتصر على خطاب بعض الأحزاب الأوروبية العنصرية في فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، بل أصبح للعنصرية أبعاد اجتماعية واقتصادية، حيث ثارت حفيظة العديد من المواطنين الغربيين على الأيادي العاملة الرخيصة القادمة من دول أوروبا الشرقية التي تسببت بفقدان الكثير من الناس لوظائفهم، وهو ما أحدث تنافساً وصراعاً وتناحراً وأجواءً من الكراهية، استغلتها الأحزاب اليمينية ووظفتها في خطاباتها الانتخابية لبث الكراهية وتحقيق نسب مرتفعة من الأصوات. وتصاعدت الحملات التي تحذر من خطر الأجانب والمهاجرين الذين يهددون قيم وهوية أوروبا، ويزاحمون أبناءها على أرزاقهم، وهو الخطاب المغذي الفعلي والحقيقي للعنصرية. إن التغيرات التي تحصل في الدول الأوروبية تعود أساساً إلى التحولات البنيوية الاقتصادية والاجتماعية في تلك الدول ذاتها، فيما لا ذنب للمهاجرين واللاجئين فيها، ومن يزاحم وظائفهم هي العمالة الرخيصة القادمة من شرق أوروبا، ومن ينافس منتجاتهم وأسواقهم هم الأمريكان والصينيين.

صعود الصين كقوة اقتصادية قادرة على المنافسة، أحدث خللاً بميزان التجارة العالمي الذي كان دوماً يصب في المصلحة الأمريكية، فأصبحت الصين تزاحم أمريكا في أوروبا وأفريقيا، وهو ما اثار مشاعر الكراهية ضدهم في الغرب الذي مازال ينظر للصين باستعلاء وفوقية عنصرية.

وحتى تكتمل اضلاع المثلث التي وقفت عليه العنصرية وأظهرت أنيابها، لا بد من التذكير بالأفكار والنظريات العنصرية التي أعقبت انهيار المعسكر الاشتراكي، حيث أصبح الإسلام العدو الأيديولوجي الجديد للغرب، وخرجت علينا نظريات نهاية التاريخ وصراع الحضارات التي أشعلت حروباً وخلقت ظروفاً جديدة صار معها العربي والمسلم يثيران الريبة والخوف في الغرب، بدأت بعدها حملات الكراهية ضد المسلمين والمهاجرين، توجت بتشريع حزمة من القوانين للتضييق على الحريات، وقيام اليمين المتشدد باستثمار هذه المستجدات للإمعان في تشويه صورة الإسلام والمسلمين والعرب والمهاجرين واللاجئين في الذهنية الغربية عبر وسائل الإعلام.

 

العنصرية الطاغية

ما الذي جعل العنصرية والكراهية تفرض حضورها الشنيع القوي، في حين كان الاعتقاد السائد أنها دُفنت مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، وأن العالم قد أقبل على مرحلة تتسم بالسلام والإنسانية.

ما حصل هو أن العنصرية لم تندثر في حقيقة الأمر، لكنها تراجعت بدءًا من خمسينيات القرن العشرين في أوروبا، على الصعيدين الثقافي والقانوني بفعل التشريعات والدساتير الحديثة التي تعتمد العدالة والمساواة، وظلت العنصرية تبدي ممانعة في الولايات المتحدة حتى بداية السبعينيات. وفي الوقت الذي حقق فيه الأمريكيون من أصل أفريقي تقدماً اقتصادياً وثقافياً نسبياً في الولايات المتحدة، تبين أن في الدول الأوروبية يوجد سقف لتطور الأعراق غير الأوروبية، حيث لا يمكن تصور وصول رئيس وزراء أو رئيس دولة أوروبية من أصل أجنبي غير أبيض.

العنصرية كانت واحدة من سمات فترة ما بعد انتهاء الحرب الباردة. مرحلة انهيار الشيوعية، وسقوط الحدود الجغرافية في أوروبا، وبروز قوى دولية وإقليمية جديدة، ثم أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، وما تبعها من حروب واضطرابات وصراعات في أكثر من بقعة في العالم. (يتبع)

 

(كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك)

 

 

;