news-details

حرب حزيران لم تكن صدفة: تحضيرات مسبقة تعزّزت بفرض الحكم العسكري | آدم راز

خلال سنوات، أغلبية المؤرخات الإسرائيلية، أكدت أن متخذي القرارات في إسرائيل تفاجئوا من ثمار النصر التي قطفت بسرعة البرق في حزيران 1967. "الحرب"، أشار وزير الدفاع موشي ديان، ثلاثة أيام مع انتهائها، "تطورت وانحدرت نحو جبهات لم نوجه اليها ولم يتم تخطيطها من قبل أي شخص، حتى من قبلي أنا". حسب هذه الأقوال وأقوال أخرى تركز الرأي أن احتلال المناطق المحتلة خلالها كان نتيجة لتدهور الحرب على المسطح الأملس، واقع جديد لم يكن أي شخص معني به.

لكن، الواقع التاريخي الذي تم الكشف عنه في أرشيف الدولة والجيش في السنوات الأخيرة يلزمنا التشكيك بجدية في هذا الادعاء. الملفات التي تقتبس هنا هي مجرد قسم صغير من التوثيق التاريخي الواسع الموجود في الأرشيفات الحكومية والتي لا تزال مغلقة أمام من يريد الاطلاع على موضوع احتلال المناطق المحتلة.

يكفي الإشارة إلى الحقيقة أنه من أجل إزالة الحظر على قسم من هذه الملفات التي يعتمد عليها هذا المقال، كان يجب التعنّت والإصرار لوقت طويل. هذا التوثيق يشير إلى التحضيرات المفصلة التي أجرتها منظومة الجيش في السنوات التي سبقت حزيران 1967، من أجل التنظيم مسبقًا للسيطرة في المناطق المحتلة بعد تقديرات المنظومة الأمنية – بما لا يترك مجالًا للشك – انه سيتم احتلالها في الحرب القادمة، التمعن في هذه الملفات يؤكد ان الاحتلال والسيطرة على الأراضي المحتلة – الضفة الغربية من الأردن، شبه جزيرة سيناء من مصر وهضبة الجولان من سوريا- لم تكن نتيجة جانبية للحرب، إنما تجليًا لتفكير استراتيجي وتحضيرات مسبقة.

التحضيرات الدقيقة في الجيش لاحتلال المناطق المحتلة بدأت في بداية سنوات الـ 60، كانت نتيجة للتجربة الإسرائيلية المرة وقصيرة الأيام في الاحتلال –ولاحقًا التهجير- في شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة في حرب سيناء عام 1956. على ضوء ذلك يجب فهم الملف الذي حظي بالعنوان "اقتراح لتنظيم الحكم العسكري" والذي كتب من قبل رئيس قسم العمليات، الضابط إلعاد فيلد، في حزيران 1961 وأرسل لرئيس أركان الجيش تسافي تسور، ست سنوات قبل اندلاع حرب الأيام الستة.

تضمن هذا الاقتراح تخطيطًا مفصلًا وأوليًا للقوات التي سيطلب منها حكم المناطق المحتلة. وبعد عامين، في آب 1963، جُهّز في قسم المقر العام (الذي اصبح قسم العمليات لاحقًا)، والذي ترأسه وقتها يتسحاك رابين، أمر عسكري لتنظيم الحكم العسكري في هذه المناطق وتم نشره على نطاق واسع. يلقي هذا الأمر الضوء، حسب ما جاء فيه، على "اتجاهات التوسع المتوقعة لإسرائيل"، والتي قدرت الأجهزة الأمنية أن الحرب القادمة ستتمركز حولها. وشملت هذه الاتجاهات، الضفة الغربية، سيناء حتى قناة السويس، الهضبة السورية ودمشق، وجنوب لبنان حتى نهر الليطاني.

هذا الأمر العسكري من آب 1963 تم تحضيره بعد تقديرات قسم الحكم العسكري، في مكاتبات داخلية قبل شهرين، أن الجهاز المستقبلي الذي سيسيطر على هذه المناطق جهّز حتى الآن "بشكل متسرع" و "لا يجيب بأي شكل على المتطلبات". في نفس الأمر "الحكم العسكري في ساعة الطوارئ" كتب أن "تطلعات الجيش هي نقل الحرب لأراضي العدو، تجلب بالضرورة التوسع واحتلال مساحات خارج حدود الدولة".

وحسب التجربة الإسرائيلية في الأيام التي تلت حرب سيناء، تقرر هناك أن هناك حاجة لتنظيم سريع لحكم عسكري، لأنه فعلاً " هذا الاحتلال من الممكن ان يستمر لوقت قصير فقط ويجب علينا إخلاء هذه المناطق بعد ضغوطات أو تسوية دولية". تكملة هذه الجملة كانت معدة لأطراف تم توكيلهم بتشغيل الحكم العسكري في الأراضي التي سيتم احتلالها مستقبلاً وتشير إلى نوايا من صاغ هذا الأمر "لكن، من الممكن أن ينتج وضعية سياسية مريحة تمكن من السيطرة على منطقة محتلة لفترة طويلة".

ولكن، استغلال هذا "الوضع المريح" يتوجب منظومة صارمة لطرق السيطرة العسكرية في المناطق المحتلة، ولذلك خصص الجيش اهتمامًا من أجل تدريب وتجهيز الوحدات والأجهزة التقنية التي ستقوم مستقبلاً بالسيطرة على المجتمع الفلسطينيّ. مسؤوليتهم كانت كبيرة: بدءًا بالقضايا القضائية المرافقة لاحتلال المناطق المحتلة وحتى جمع المعلومات الاستخباراتية حول المجتمع والبنى التحتية في الضفة الغربية.

بينما لم يكن هناك أي خلاف في حقيقة فائض القوة التي تمتع بها الجيش وقدرتها على الاحتلال بسرعة هذه الأراضي من مصر، الأردن وسوريا، في السنوات التي سبقت الاحتلال ظهرت التخوفات بين ضباط الحكم العسكري العاملين داخل إسرائيل حول تدريب وحدات الحكم العسكري المستقبلي، والتي ستتولى وظيفة الحكم في المناطق المحتلة. إلى جانب المنهجية العسكرية التي ألزمت بنقل المعارك المستقبلية لأراضي العدو، كان هناك منهج للسيطرة على المواطنين والذي تركز على الاعتراف انه بعد احتلال الأرض سيكون هناك مجتمع مدني محتل خاضع للسيطرة الإسرائيلية وستكون هناك حاجة بأجسام حكم عسكري لتعتني بهم.

بحكم موقعه، الضابط يهوشاع فربين، ضابط الحكم العسكري داخل إسرائيل ومن كان صاحب الباع الطويل في تشغيل منظومة المراقبة والسيطرة على الفلسطينيين مواطني إسرائيل، شغل وظيفة مركزية في تطبيق التحضيرات لتطبيق الأمر في المناطق المحتلة. واعترف في كانون الأول 1958 أمام لجنة الوزراء التي اجتمعت لبحث مستقبل الحكم العسكري داخل إسرائيل: "ايضًا لنفسي لم احدد بعد ماذا نقدم لهم أكثر، الأمور السيئة أم الجيدة".

ولكن كضابط كبير، حذر في حزيران 1965 أمام المسؤول عنه، حاييم بار-ليف، أن الكتائب التي اوكل لها السيطرة على المناطق المحتلة غير مؤهلة كفاية لتنفيذ مهمتهم المستقبلية. "يوجد تقدم قليل جدا في هذا الموضوع". حسب أقواله "يبدو أن وحدات الحكم في المناطق المحتلة، لن تكون جاهزة لأداء وظيفتها". هذه الأقوال كتبت قبل عامين من الحرب.

تدخل ضباط الحكم العسكري الذي مورس منذ عام 1948 على مواطني الدولة الفلسطينيين كان مطلوبًا، لأن الإطار التنظيمي والعسكري الذي تم تشغيله ضد المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل، شكل القاعدة للسيطرة على المناطق التي ستحتل في الحرب. في 1963 كان لمنظومة الحكم العسكري 15 عامًا من التجربة بفرض "النظام" والمراقبة عبر منظومة التأشيرات المشددة على الفلسطينيين مواطني إسرائيل.

من المنظور العسكري، يقول المنطق أن جسمًا مثل هذا سيشكل مثالًا لتنظيم السيطرة في المناطق التي سيتم احتلالها في الحرب القادمة. لكن، بعد الحرب رفض ديان اقتراح رئيس الشاباك يوسف هرملين بنسخ طرق سيطرة الحكم العسكري من إسرائيل إلى المناطق المحتلة ابقائها كما هي (القضية التي دلّت خلال السنوات على تنور ديان نوعًا ما). لكن رغم امتناع ديان بشكل عام عن تعيين الحكام العسكريين داخل الدولة لحكام عسكريين خارج الخط الأخضر، تطبيع الـ "الاحتلال المتنور" لبس طابعًا مشابهًا للحكم العسكري الذي تم ممارسته في البلاد. كلّما خفت الطابع المؤقت للاحتلال أصبح أكثر قسوةً وعنفًا.

ومن اجل توثيق مدى العلاقة المترابطة بين الحكم العسكري الذي ساد في داخل إسرائيل (حتى 1966) وبين ذلك الذي ساد طوال الحرب في المناطق المحتلة، يكفي النظر على التدرج الذي مرت به بعثاته الرسمية. الوحدة التي شغّلت الحكم العسكري في إسرائيل من عام 1948 حتى 1966 تحولت في الأشهر التي تلت حرب الأيام الستة لـ "قسم الحكم العسكري والأمن المكاني". واليوم تعرف باسم آخر، أسهل أكثر "منسق أعمال الحكومة في المناطق المحتلة".

*باحث في معهد "عكيفوت" لبحث الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب