news
ملحق الجمعة

حيفا في ذاكرة برهوم، كي لا تُنسى.. (17)

ليتني أعود إلى جلباب أبي واختفي به، لكن..

هل هذا يَعفيني من رؤية مأساتي وإن اختفيتُ في عبِّه فهل هذا يمنع المأساة!، أم انِّي أُدفن رأسي كما تُخفي النَّعامة رأسها في الأرض، كي لا ترى ما يدور حولها، لكنَّ حقيقة النَّعامة في دفن رأسها في التُّراب هي غير الذي نعرفه، فهل أردْتُ من الدُّخول إلى جلباب والدي لأجسَّ حقيقة المأساة التي حلَّت علينا وكيف السَّبيل إلى الخلاص، إن كان هناك خلاص، فأسمع صوت والدي يقول الخلاص هو بالإخلاص للوطن..

حين تدفن النَّعامة رأسها في الحفرة، تريد بذلك أن  تفحص حال وسلامة بيضها بعد أن باضت والقت ببيضها في تلك الحُفرة، وكذلك تريد ان تتوخَّى الخطر قبل حدوثه، من خلال الإنصات لذبذبات تنتشر في الأرض من مسافات بعيدة لحيوانات مفترسة وخطيرة وحتَّى تتجنَّب الأخطار، نظرة لمستقبلٍ آنٍ، وبدفن رأسها تريد أيضًا ان تبحث عن الماء..

"أنا ما هُنتُ في وطني

ولا صغَّرتُ أكتافي 

وقفتُ بوجهِ ظلامي 

يتيمًا عاريًا حافي

أُناديكم"

لم يبقَ في مدينة حيفا من المواطنين العرب، سوى قلَّة قليلة، ما بين الف وخمسمائة إلى ثلاثة آلاف مواطن عربيٍّ، بعد النَّكبة، اذ اختلفت الإحصائيَّات حول العدد..

لم يبقَ في حيفا من العرب سوى اربعة بالمائة من السُّكَّان العرب، ممَّا يدلُّ على كبر المؤامرة، وشراسة المُحتلِّ في اتِّباع سياسة الإرهاب المنهجيِّ المدروس من التَّرهيب والتَّخويف والتَّنكيل..

أظنُّ أنَّ الحلَّ كان في حدس وعقيدة وجلباب والدي، آه لو قرأوا المنشور الذي قام والدي ورفاقه بتوزيعه في الأحياء وبين الأحياء وعلى الأحياء..

"يا مهباج وينك، وين هليك

صار لي زمان ما سمِعت صوت الدَّقِّ (الرَّدِن) بيك

راح الفنجان يشتِكي للبريق

بكي الفنجان لتنُّوا انعمى.."

يكتب الرَّفيق بولس فرح عضو عصبة التَّحرُّر الوطنيِّ في فلسطين، في كتابه "من العُثمانيَّة إلى الدَّولة العبريّة" (ص 194) يصف حال نزوح العرب من حيفا وهو في مكتبته في شارع مار الياس رقم سبعة، ما يلي:

"كنتُ في حيفا عندما شدَّ النَّاس الرِّحال، وانطلقوا مولين الإدبار. كانت مكتبتي في منتصف المدينة، على مشارف ساحة الخمرة. وكان النَّازحون بالشَّاحنات المحمَّلة بأثاثهم يمرُّون قهرًا عبر ساحة الخمرة، لقد شاهدتُهم ينزحون بعشرات الشَّاحنات، بل بمئاتها.. كان عدد سكَّان حيفا العرب ثمانين الفًا، فاصبح في صيف الف وتسعمائة وثمانية وأربعين لا يزيد عن الف وتسعمائة وخمسين ساكنًا موزَّعين على مختلف انحاء المدينة.  كنَّا نرى أنَّ المدينة تخلو يومًا بعد يوم من السُّكَّان العرب والاشتباكات تزداد عنفًا، وتمَّت هزيمة المقاتلين العرب تحت الضربات العسكريَّة اليهوديَّة المنظَّمة. وعند رحيل الإنجليز عن البلاد بانتهاء حكمهم بموجب قرار الأمم المتَّحدة استلمت الهجاناة كلَّ أحياء المدينة التي كانت تخضع لجند الإنجليز".

ويُتابع:

"وبينما كنتُ منحنيًا لإحكام قفل الباب أخذ الإنجليز بإطلاق النَّار على المارَّة وفي الهواء وأرادوا مداعبتي وكانوا يُرابطون على سطح مطعم أبو يوسف (اليوم) الواقع في ساحة الخمرة فأطلقو النَّار عليَّ ورأيت الرَّصاصة تدخل الحائط بجانبي، فركبتُ الباص إلى النَّاصرة، إلى بيت الوالدة" (ن.م. ص 195)".

ويتابع:

"..وفي الأسبوع التَّالي لزمتُ فراشي مريضًا عندما زارني توفيق طوبي في النَّاصرة.  ونبَّهني إلى أنَّ اليهود يفتحون المخازن وينهبونها في سوق المدينة القديمة، وأنَّهم في يومين أو ثلاثة سيأتون على مكتبتي ويفرِّغون محتوياتها" (ن.م. ص 196). وحين عاد إلى حيفا وجد مكتبته منهوبة "وخاصَّة المخزن الأرضي فوجدتُه منهوبًا وقاعًا صفصفًا".

سمعتهم، وأنا في جلبلاب والدي، عند بوَّابة الميناء، يتهامسون أن الجيوش العربيَّة زاحفة إلى فلسطين لطرد عصابات صهيون، وسيبلون بمنظَّمات الإرهاب وزبانيَّتها بلاءً حسنًا، لتخليص الشَّعب منهم، كنتُ ورفاقي معي نحاول إقناعهم أنَّهم سيأتون إلى بلادنا، لتسليمها للعصابات بحسب طلب الإنجليز والفرنسيِّين وبتآمر "مدن الملح" وباقي أيتام الرَّجعيَّة العربيَّة، كما فعلوا البروة، وقرأتُ لهم ما قاله وخطَّه السُّلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل السُّعود للمستعمرين، تعهُّدًا منه، لمنح فلسطين للغرباء، بناءً على طلب الإنجليز الذين لم يخرج عن طاعتهم البتَّة، وبايعهم إلى يوم القيامة، وهو تحت إمرتهم وفي خدمتهم، بعد أن بسمل، في فاتحة رسالته:

"باسم الله الرَّحمن الرَّحيم، أنا السُّلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن آل الفيصل آل سعودأقرُّ وأعترف ألف مرَّة للسِّير برسي كوكس، مندوب بريطانيا العُظمى، لا مانع عندي من اعطاء فلسطين للمساكين اليهود او لغيرهم، كما تراه بريطانيا، التي لا أخرج عن رأيها حتَّى تصبح السَّاعة".

وحينها أعلن حاييم وايزمن، أولى الشَّخصيَّات الصَّهيونيَّة بعد هرتسل وأوَّل رئيس للدَّولة بعد النَّكبة،إنَّ إنشاء الكيان السُّعوديِّ هو هدف بريطانيا الأوَّل حيث سيُبنى الوطن لليهود بواسطته..!

لن نترك حيفا، اعلنتُها وأنا في عُبِّه وكذلك أشقَّائي ووالدتي، "حبُّ الوطن قتَّال"، لا بديل لنا عنه، الوطن هو الأم، لكنَّنا وجدنا أنفسنا، نزحف مع الباقي باتِّجاه التَّيَّار، بعد أن أقفلوا في وجوهنا باب العودة إلى بيوتنا، مع أنَّ مفاتيح الدَّار في جيوبنا، "جُمعة زمان ومنرجع يَمَّا"، لتكون وجهتنا فقط إلى ترك البلد والنُّزوح، إلى العبَّارات في الميناء، ومنها إلى عكَّا، لكنَّ شقيقي وأمِّي بقيا خارج الحاجز البريطانيِّ، لقد سهَّل الإنجليز علينا ترك المدينة في اتِّجاه واحدٍ، ومنعوا منَّا الرُّجوع إلى بيوتنا، كيف السَّبيل إليهما، لكنَّها وصلا بعد أن فتَّشوا عنَّا في جميع أحياء حيفا المهجورة، المهدومة "المفرومة والمطحونة" التقينا ومن بعدها نزحنا إلى جبال الجليل، وكانت بوصلتنا لبنان شمالاً، لكنَّ حظَّنا، أنَّنا نزلنا قرية بيت جن، على قمة جبل الجرمق، الجليل الأعلى، حيث حضن أهل القرية العائلات النَّازحة قائلين لهم "لن ترحلوا من قريتنا، والدَّم ما بيصير مي واللي بصير عليكو بصير علينا"، وما زالت عائلتي تَكنُّ الوفاء والعهد للعائلات الثَّلاث، كذلك لأهل قرية بيت جن، كما يذكرهم والدي، عائلة صلالحة (حسين، أبو مالك)، وعائلة أبو عبسي (عبد الله أبو شفيق)، وعائلة أبو علي اليوسف (المختار). لقد جاء في الحديث الشّريف "من عامل النَّاس فلم يظلمْهم، وحدَّثهم فلم يكذِّبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو من كملَت مروءتُه وظهرَت عدالتُه ووجبَت أخوَّتُه"، فهؤلاء العرب المعرفيُّون الأوفياء إخواني، الذين لم تلدهم أمِّي، وما أكثر المعروفيِّين الذين ساعدوا أبناء شعبهم في البقاء في وطنهم، إذ حضنوا وأحسنوا وفادة جميع من التجأ اليهم..

ففي قصيدته "يا رافض التَّجنيد" يكتب الشَّاعر داود تركي:

"يتساءلون: من الدُّروز؟ أُجيبُهم بعروبتي الأقحاح والأخيارُ

جبلٌ وسُلطانٌ كبيرُ جبالِهِ والثَّورةُ الكُبرى له الإكبارُ 

عربًا وُلِدنا كالمحيطِ أرومةً وقُبَيل كلِّ دينٍ تُختارُ

ها الطَّائفيَّةُ أشعلتها طُغمةٌ أعداؤنا لرؤوسِها أُمَّارُ

عُدنا إلى حيفا وما زلتُ في جبِّ والدي، يحميني من الخروج، إلى الشَّارع، لكنِّي ذهبتُ أفتِّش عن اصدقائي وأترابي وزملائي في المدرسة، فلم أجد منهم أحدًا أو وجدتُ بعضهم لاحقًا، أصابهم ما أصاب عائلتي، ومنهم من أضاع أبناء عائلته، وتقسَّمت العائلة كما تقسَّم الوطن، أشلاءً، وحين دخلتُ بيتي، وجدتُ فيه الأغراب قد سرقوا كلَّ شيئ، حتَّى قرطاسيَّتي لم أجدها، ولم أجد حاجيَّاتي الشَّخصيَّة، "يلاّ روخ مِنون"، فتقول له جدَّتي، أمَّ الرجال وأُختهم، "انت روح من هون، هذا هاي البلاد بلادنا وهذا البيت بيتنا"، ان شاء الله الرِّيح تُنُفخك وتقزعك وتقلعك من هون"، وبقيت أمنية جدَّتي في طريقها إلى الله، حيث لم تصله بعد أمنيتُها، إن شاء الله..

حينها فهمتُ أن بيتي قد ضاع، وأنَّ البكاء على الأطلال لن يُجدي نفعًا، وعندها فهمتُ في ساعة ميلادي الثَّانية، أنَّه علينا البدء في العمل الدَّؤوب في مقارعتهم، والثَّبات على عودة من راحوا وعودة الأرض إلى أصحابها، ومن أجل إعطاء "كلِّ ذي حقٍّ حقَّه"..

تمرُّ ذكرى احتلال حيفا وتهجير من فيها من أهلها، عليهم، من أرضهم وبيوتهم، كلَّ عامٍ، وفي قلبهم أمل العودة، رغم أنف عصابات صهيون التي لَم تُبقِ حجرًا على حجرٍ، ولا شجرة قرب شجرة، ولم تبقِ وردة في حديقة إلا وقلعتها ومنعت عنها المياه، "قطع المؤن والتَّجويع هو الكفيل برحيلهم" حتَّى لا تُعيد الجذور نموَّ أوراقها وزهورها وتستعيد عافيتها وعطرها وتعود كما كانت أو يزيد،وهي مستمرَّة في سياسة الهدم ودثر شواهد وجودنا فوق أرضنا، فهي ما زالت على نهجها، آه لو قرأ الأهل منشورنا وسمعوا بندائنا، فأين هم من هذا، ﴿..أَفلا تَذْكُرُون﴾.

ليتهم قرأوا ما كتبناه، ليتهم سمعوا ما قرأناه عليهم..

خرجتُ من جلباب والدي، وأولادي خرجوا من جلبابي، والحقيقة أنِّي اسمع ما تقوله ابنتي، وهي بين النَّاس:

"حديثي حديثُ إبي وحديثُ إبي حديثُ جدِّي.."، وحديثُ جدِّي حديثُ سالفيه، ورأيي رأيُ أبي ورأيُ أبي رأيُ جدِّي ورأي جدِّي رأي سالفيه، وكذلك مبدؤه وعمله وحياته وسبيله، ونقرأ ما كتبه شاعرنا توفيق زيَّاد:

ونصنعُ الأطفالَ

جيلاً ثائرًا

وراءَ جيل

كأنناعشرون مستحيل

في اللدِّ والرَّملة والجليل

إنَّا هنا باقون 

فلتشْربوا البحرَ..

ونقرأ ما كتبه الشَّاعر سميح القاسم:

يَدُك المرفوعة في وجه الظَّالم

رايةُ جيل يمضي

وهو يهزُّ الجيل القادم

قاومتُ..فقاوم!

تلك حيفا التي عاشها والدي قبل النَّكبة ويعيشها، بعدها،إلى يومنا هذا ونعيشها معه، إلى ما شاء الواحد له أن يعيش ونعيش معه، حاضرةً بأهلها، عامرةً بناسها بعمَّالها وفلاحيها، ثائرةً برفاقها ورفيقاتها، بمثقَّفيها الثَّوريِّين،حيَّةً بتلاميذها واساتذتها، بمدراسها وجوامعها وكنائسها وأديرتها، بمينائها وسهلها وموارسها وجبالها وأنهارها ووديانها، ببرِّها وبحرها، بسمائها وهوائها وأرضها بتاريخها الحيِّ، حاضرةً بأمل العودة 

للأهل والخلان والسَّلام لمن أراد السَّلام..

"فإن بناها بخـيرٍ طاب مسكنُهُ وإِن بناها بشرٍّ خاب بانيها" (يتبع)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب