news
ملحق الجمعة

ذكرى جمال عبد الناصر ستبقى خالدة

هناك ثلّة من الشباب الوطني الذي أحيا الذكرى المئوية لميلاد القائد الخالد جمال عبد الناصر، والآن يجري الاستعداد من قبلهم لإحياء نصف قرن على رحيل هذا القائد التاريخي للشعب المصري الذي أصبح فيما بعد قائدا وطنيا تاريخيا أيضًا للأكثرية المطلقة من شعوبنا العربية، نتيجة لدوره الهام في مقاومة الاستعمار ووضع مصر والعالم العربي في تلك المرحلة على خارطة السياسة العالمية، وكل هذا يؤكد أهمية إحياء ذكراه في مثل هذه المناسبات التاريخية الهامة.

لا شك ان ثورة الضباط الأحرار في الثالث والعشرين من تموز عام 1952 في مصر كانت نقطة البداية لبروز مثل هذا الزعيم الوطني الكبير وكانت هذه الثورة نقطة تحوّل تاريخية في حياة الشعب المصري.

في بداية هذه الثورة لم يكن واضحا لهؤلاء الضباط أي طريق يجب أن يسلكوها، خاصة وأنّه في بدايتها كان قد ترأس مجلس قيادة الثورة محمد نجيب صاحب أعلى رتبة عسكرية بينهم في تلك المرحلة، وخلال فترة رئاسته كانت هناك صراعات داخل الضباط الأحرار لأنهم لم يكونوا متجانسين في المواقف وفي الرؤيا المستقبلية، وكان قد حسم الموقف في سنة 1954 بعد أن انتخب جمال عبد الناصر رئيسا لمجلس قيادة الثورة، وكانت أولى خطوتهم وضع قانون الاصلاح الزراعي، ووضعوا بعدها خطة من اجل التخلص من الاستعمار البريطاني وهذا عمليًا بعد استلام جمال عبد الناصر القيادة حيث بدأ في وضع خطط وأهداف عينية من أجل تطور مصر المستقبلي وإظهار دورها القيادي على الخارطة السياسية عربيًا وعالميًا. ونتيجة لمواقفه الوطنية بدأت الدول الاستعمارية بالضغط السياسي والاقتصادي، حيث أوقفت فرنسا وبريطانيا استيراد القطن المصري سنة 1954 بعد ان بدأ عبد الناصر بالتفكير في تطوير علاقاته مع دول هامة في العالم مثل الصين، الهند، اندونيسيا ويوغسلافيا، وكان بعد ان توقفت فرنسا وبريطانيا عن استيراد القطن المصري، ان توجه عبد الناصر الى الاتحاد السوفياتي وعقد معهم اتفاقية من اجل استيراد القطن المصري، وكتبت عنها الصحافة المصرية في حينه على انها افضل اتفاقية.

في سنة 1955 عقد مؤتمر باندونغ في اندونيسيا هذا المؤتمر الذي قرر انشاء دول عدم الانحياز الذي حضره القادة التاريخيون شوان لاي رئيس حكومة الصين والرئيس الهندي نهرو والرئيس الاندونيسي احمد سوكارنو والرئيس اليوغسلافي تيتو والرئيس جمال عبد الناصر. وخلال المحادثات في هذا المؤتمر قال شوان لاي للرئيس جمال عبد الناصر جملة مشهورة: "لا تقلق، يمكن ان نقرر زيادة سنتيمتر واحد على كل قميص عندنا وبذلك نستهلك كل القطن المصري". وكذلك في ايلول سنة 1955 استطاع عبد الناصر ان يكسر احتكار الغرب للسلاح حيث وقع اتفاقية مع تشيكوسلوفاكيا لاستيراد السلاح منها، وبهذا بدأت نقلة نوعية في العلاقات مع الاقطار الاشتراكية.

بعد كل هذا التطور الايجابي في مواقف عبد الناصر، رفضت الولايات المتحدة تنفيذ الاتفاقية التي وقعتها مع مصر من اجل بناء السد العالي، عندها توجه عبد الناصر الى الاتحاد السوفييتي لبناء السد العالي وعُقدت الاتفاقية، وبدأت تتعمق اكثر واكثر العلاقة بين البلدين الأمر الذي أدى الى زيادة التآمر على مصر بشكل مكثّف وخاصة بعد ان قرر في خطابه التاريخي في 1955/07/23 تأميم قناء السويس، الأمر الذي أدى الى شن عدوان على مصر في أيلول من سنة 1956 من قبل اسرائيل، فرنسا وبريطانيا والذي سُمي بـ "العدوان الثلاثي" في ذلك الوقت وقف الشعب المصري وجيشه وقفة بطولية في الدفاع عن أرضه ووطنه. وكلنا يذكر بسالة الضابط السوري البطل جول جمّال الذي فجّر نفسه بحاملة الجنود الفرنسية التي كانت قريبة من شواطئ بور سعيد. وفي هذه الاثناء ايضا جاء الانذار السوفييتي الحازم الذي أطلقه بولغانين الزعيم السوفييتي في ذلك الوقت.

ان كل هذه المواقف والانتصار الذي حققه على العدوان الغاشم من قِبل هذا الثالوث العدواني المجرم، رفعت من مكانة مصر وقائدها جمال عبد الناصر في العالم العربي كله وفي العالم أيضًا. ان هذا الواقع قد أدى الى رفع مكانته في مختلف الدول العربية وبدأت ترى في هذا الزعيم على انه القائد الشعبي، الوطني والانساني الذي يمكن الاعتماد عليه والذي يمكنه ان يسهم اسهامًا هامًا في العمل من اجل وحدة العالم العربي، ولذلك كانت الجماهير تتجمد أمام الاذاعات والتلفزيونات من اجل سماع خطاباته المليئة بالأمل في المستقبل.

 

غابت عنه حقيقة السادات

عبد الناصر كان من الشخصيات القوميّة والوطنيّة الصادقة وفي الوقت نفسه تميّز بطيبة القلب والإنسانية، ونتيجة لهذا وثق في من حوله حتى جاءت نكسة حزيران فاستطاع ان يكشف البعض من امثال عبد الحكيم عامر وقائد الطيران، اللذين بالرغم من حالة الاستنفار كانا متواجدين في حفلات الرقص ليلة عدوان حزيران، وامثال شمس الدين بدران قائد الاركان. ولكنه لم يستطع كشف السادات الذي عيّنه نائب لرئيس الجمهورية، على انه تابعللامريكان، وغيره من الشخصيات الذين تبوأوا مناصب رفيعة في قيادة الجمهورية المصرية في ذلك الوقت، الأمر الذي أدى الى هزيمة حزيران سنة 1967، هذا بالإضافة الى تآمر الاخوان المسلمين الذين حاولوا اغتياله عدة مرات ولم يفلحوا.

من المؤسف جدًّا ان جميع الرؤساء الذين جاؤوا بعده خانوا الطريق القومي والوطني الذي بدأه عبد الناصر، وأوصلوا مصر الى أدنى مستوى سياسي، اقتصادي واجتماعي. لا أريد ان أسهب أكثر في هذا النطاق، ولكني انصح بقراءة كتاب الرفيق المؤرّخ اميل توما "ثورة 23 تموز في عقدها الاول" لأن فيه الكثير من الحقائق والتحليلات حول مسار هذه الثورة التي أُعدمت بعد رحيل جمال عبد الناصر.

الآن في مثل هذه الذكرى للرئيس الراحل أود ان اتطرق الى بعض المواقف التي حدثت خلال مسيرتي السياسية خاصة وأني قد عاصرت مسيرة الثورة المصرية منذ بدايتها حين كنت شابًا في مقتبل العمر، وفي تلك المرحلة كنت قد تعرّفت على الحزب الشيوعي وأصبحت عضوا في الشبيبة  الشيوعية، أقرأ جريدة "الاتحاد" التي كانت تنشر اخبار الثورة باستمرار، وفي الوقت ذاته استمع الى خطابات عبد الناصر على الدوام، وكنت من المعجبين به كقائد وطني فذ ومتميّز عن باقي الزعماء العرب في تلك المرحلة، ولذلك هناك ثلاثة حوادث جرت معي مرتبطة بشخصية هذا الزعيم الخالد جمال عبد الناصر:

الحادث الاول كان في الاول من ايار سنة 1958 حيث كنا مسافرين الى الناصرة من اجل المشاركة في مظاهرة اول ايار السنوية في عيد العمال العالمي مع عدد غير قليل من الرفاق والاصدقاء من سخنين، عرابة  وديرحنا في سيارات شحن، وعند وصولنا الى كفركنا واذ بالجهة الجنوبية منها، تعترض طريقنا الشرطة ومنعتنا من مواصلة طريقنا الى الناصرة، عندها تنظمنا وبدأنا بمسيرة تظاهرية سيرًا على الاقدام من اجل الوصول الى مدينة الناصرة للاشتراك في المسيرة هناك، ولكن بعد ان سرنا لمسافة ما يقارب كيلومتر، واذ بقوة كبيرة من الشرطة تعترض طريقنا مرة أخرى، وقد كنت اسير في مقدمة المسيرة وأهتف بشعارات صلبة، فتصدوا لنا وارادوا منعي من الهتاف، رفضت التوقف واستمريت في السير، واذ بالضابط المسؤول يقول لأفراد الشرطة ان اعتقلوا هذا وفرّقوا البقيّة بالقوة وهذا ما حدث بالحرف. اعتقلت وتفرّق الرفاق والاصدقاء وبدأوا بقذف الحجارة على الشرطة، وخلال هذا الحدث كان احد الاصدقاء الذي لم يكن بعد عضوًا في الحزب يهتف بحياة جمال عبد الناصر، وكنت اعرف جيدا مَن يكون -فهو اليوم من أعمدة الحزب الشيوعي القدامى في عرابة توفيق خطيب ابو مرسي- وكنت قد اصبحت معتقلا وملقًى في قاع سيارة "تندر" للشرطة وقد أوسعوني ضربًا من اجل ان اقول لهم من هذا الذي يهتف بحياة الناصر، واستمر ضربي حتى وصلنا الى المسكوبيّة في الناصرة، وخلال مرورنا من ساحة العين رأيت المعركة بين الشرطة وحرس الحدود والشرطة العسكرية من جهة والجماهير المنتفضة من جهة اخرى، خاصة وانه كانت تلك السنة هي الذكرى العاشرة لقيام الدولة ونكبة شعبنا.

عند وصولي الى المعتقل في الناصرة دعوني الى غرفة خاصة من اجل التحقيق معي وخلال هذا حاولوا بكل الاساليب الوحشية ان يستدرجونني كي أعترف لهم عمّن هتف بحياة عبد الناصر، وبالرغم من ذلك رفضت الاعتراف. وكذلك بعد نقلنا الى سجن الجلمة، في اليوم الثاني استدعوني ايضا للتحقيق واستعملوا هناك اساليب اكثر وحشيّة حيث أطفأوا أعقاب السجائر في وجهي وعلى جسدي وارادوا خنقي، ولكن مع كل هذا لم اعترف، وعندما لم يحققوا أي نتيجة قالوا لي اننا سنوجه هذه التهمة لك.. وفعلا خلال محاكمتي شهد علي احد افراد الشرطة انني كنت أهتف بحياة جمال عبد الناصر، وكان قد جلس معنا الرفيق المحامي طيب الذكر حنّا نقارة، قبل المحكمة والتي كانت محكمة عسكرية، وأوصانا بعدم الاعتراف بهذه المحكمة وقال لنا عدة أشياء حفظتها كلها، ووُجهت لي عدة تُهم ولكني رفضتها وقلت كما أوصاني رفيقي حنّا، وأراد الحاكم ان يحرّض الرفاق اليهود الذين جاؤوا الى المحكمة للتضامن معنا، فكان ردهم ان اقتربوا منّي وصافحوني وقبّلوني، في ردّة فعل صعقت الحاكم.

الحادث الثاني كان في أواسط سنة 1968 حيث كانت اول زيارة لعبد الناصر بعد النكسة الى الاتحاد السوفييتي، من اجل المحادثات مع القيادة السوفييتية  وكنت ما زلت أدرس في موسكو وكان من الطبيعي ان تكون جماهير سوفياتية وعربية في استقباله، وكان من الطبيعي ايضًا ان يشارك في هذا الاستقبال رفاق من الاحزاب الشيوعية العربية الذين كانوا يدرسون معي في نفس المعهد الذي أتعلم فيه، واذ بأحد الرفاق من الحزب الشيوعي الاردني في ذلك الوقت يقترح علي ان أشارك في استقبال عبد الناصر فوافقت معه وذهبت مع الرفاق من المعهد وكان لي الشرف أن أرى عبد الناصر شخصيًا من مسافة قريبة جدا عندما جاء ليحيي الجمهور في أرض المطار، وبعد هذه الزيارة التي قام بها عبد الناصر الى الاتحاد السوفياتي بدأت حرب الاستنزاف كما سُميت في ذلك الوقت. كانت بالنسبة لي فرصة ذهبية بأن أراه.

الحادث الثالث كان في سنة 1993 حيث ذهبت الى مصر لأول مرة بزيارة سياحية زرت فيها ضريح عبد الناصر، وقد رافقنا شاب مصري اسمه ناصر، وللحقيقة انه كان شابًا لطيفًا وخلال مرافقته لنا لزيارة الأماكن والمعالم التاريخية في القاهرة حاول ان يطلعنا على الاوضاع في مصر، بدأ يحدّثنا في يوم ما عن عهد عبد الناصر، وعن مرحلة السادات، وخلال حديثه هذا كان يساوي بين عبد الناصر والسادات حيث كان احيانا يمدح عبد الناصر واحيانا اخرى يذمه وكذلك عند حديثه عن السادات تصرّف نفس الشيء، الأمر الذي جعلني أثور عليه وأقول له "ألا يوجد لك موقف ثابت؟! فأنت تشوّه الحقائق التاريخية، كيف لك ان تساوي بين عبد الناصر القائد الخالد الذي حرّر مصر من الاستعمار وبنى السد العالي وأمّم قناة السويس ورفع مكانة مصر في العالم العربي والعالم كله وبين السادات الذي أرجع مصر والعالم العربي كله الى الحضيض؟!". تفاجأ هذا الشاب من حديثي وقال لي الليلة أريد ان اسهر معك في الفندق في غرفتك فقلت له اهلا وسهلا وفعلا في تلك الليلة تحدثنا كثيرا، وخلال الحديث قلت له انت شاب في مقتبل العمر، من الضروري ان يكون له موقف شخصي ثابت؟ بعد حديثنا الطويل وضع يده بيدي وقال لي شكرا لك على مثل هذه الجلسة الرائعة معك لأنك أوضحت لي أمورا كثيرة وانا من الآن فصاعدًا ناصرّي وأصبحنا من بعدها اصدقاء. 

في المرة الثانية التي زرت فيها مصر، طلبت من مدير مكتب السياحة صديقي نادر جرايسي من الناصرة انني اريد فقط ان ازور القاهرة وفي هذه الزيارة حين وصلت معبر رفح واذ بالجانب المصري بنفس الشاب ناصر في استقبالي، قال لي لقد أوصاني نادر انك تريد ان تكون في القاهرة فقط، وانا لا أوافق لا معك ولا معه، انت يجب ان تكون معي خلال كل الرحلة، وكانت الرحلة تشمل بورسعيد والاسكندرية بالإضافة للقاهرة، وفي هذا الاستقبال كان قد أحضر لي معه كاسيتات لخطابات جمال عبد الناصر، وقال لي هذه هديتي لك، واستمرت علاقتي معه، وفيما بعد تزوج بفتاة من الناصرة وحضرت عرسه في الناصرة وما زالت علاقات الصداقة بيننا وقد قام بزيارتي في عرابة.

في النهاية اقول ان جمال عبد الناصر كان وما زال يحتل مكانة خاصة في قلوب ووجدان كل القوى التقدميّة والخيّرة، ليس في عالمنا العربي فقط بل في العالم أجمع، لأنه كان الزعيم العربي الوطني الصادق والأمين وذكراه ستبقى خالدة.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب