news-details

سيبقى الأول من أيّار يوم النضال والوحدة للطبقة العاملة| جهاد عقل

من منّا يتذكر في زحمة نشرات الأخبار اليومية ما حاولت قوى رأس المال إشاعته، بل إغراق العالم به، بأن "الحل هو الرأسمالية" لهموم ومتطلبات عالمنا اليوم، وأن لا حل آخر، وأن الحل الاشتراكي الطبقي فشل ولا وجود له.

من منّا لا يتذكر إغراق عالمنا بمصطلحات أشاعتها قوى رأس المال ومفكروها في العقود الاخيرة بما يتعلق بالوضع الاقتصادي – الاجتماعي مثل "العولمة هي الحل" و "السوق الحر هو الحل" و"الخصخصة للقطاع العام وعدم تدخل الدولة" كأسس لما سمي بالليبرالية الجديدة. وأن التنظيم النقابي والوحدة العمالية تشكلان عائقًا في وجه التطور الاقتصادي!!، وغيرها من التصريحات الهوجاء والمعادية للطبقة العاملة وللتنظيمات النقابية في بلادنا خاصة والعالم عامة، بل المعادية للشعوب عامة ومصالحها وفي مركزها الطبقة العاملة.

 

نستذكر هذه القضايا اليوم عشية الأول من أيار يوم العمال العالمي الذي يشكّل يوم الوحدة النضالية للعمال انطلاقًا من ذكرى النضال الذي خاضه عمال مدينة شيكاغو في العام 1886، أي قبل 135 عاماً عندما تجلّت وحدتهم النضالية في المطالبة بأن يكون يوم العمل ثماني ساعات وتحسين شروط عملهم عامة، إلا ان أصحاب العمل والشرطة لم يتورعوا عن إطلاق النار على العمال وإسقاط الضحايا الابرياء منهم وإصابة الآخرين بجراح، بل واعتقال من لم يصب والزج به في السجن.

 

كانت هذه الانطلاقة العمالية - النضالية حجر الأساس لتجسيد الوحدة العمالية، حيث تحولت هذه الذكرى الجليلة ليوم نضالي للتعبير عن الوحدة النضالية للطبقة العاملة في العالم بناء على قرار مؤتمر الأممية الثانية الذي عقد في العاصمة الفرنسية باريس وحدد يوم الأول من أيار بدءًا من العام 1890 وبعدها من كل عام يوم الكفاح النضالي العُمالي العالمي، للتأكيد على وحدة الطبقة العاملة في جميع أرجاء الكرة الأرضية.

 

تحيي الطبقة العاملة في عالمنا هذه الأيام الأول من أيار يوم النضال العمالي العالمي، في ظل تفشي جائحة كورونا أو كوفيد – 19، التي أصابت وأودت بحياة الملايين (وما زالت) من سكان الكرة الارضية، ليس ذلك فقط بل وكشفت حقيقة فشل الحل الرأسمالي وشعاراته التي ذكرنا البعض منها في المقدمة.

 

تابعنا يوميًا ومنذ انتشار هذا الوباء القاتل التطورات والتغيرات الاقتصادية – الاجتماعية ومواقف الدول الرأسمالية التي أصيبت بالذهول مما حدث، هي ومؤسساتها العولمية، وسط تخبط غير مسبوق وفشل سياساتها التي اعتمدت على قوى رأس المال والسوق الحر والليبرالية الجديدة، وترك الاقتصاد لقوى رأس المال الجشع – الاستغلالي، وإهمال مصالح العمال والطبقة العاملة بل إهمال مصالح شعوبها – لصالح الرأسماليين وشركات العولمة التي يملكونها.

 

نعم فشلت سياسات هذه الدول وفق دراسات وتقارير مؤسساتها التي تحمي مصالح الرأسمالية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية وغيرها التي قام البعض منها بتقديم القروض للدول لمساعدتها في الوقوف أمام المصائب التي ضربت اقتصاداتها وعدم الانهيار.

 

لكن هذه الجائحة كشفت عمق الأزمة التي تعيشها الدول الرأسمالية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية ودول الاتحاد الاوروبي وغيرها من الدول المسماة بـ"الغنية"، وأزمة الدول الفقيرة وشعوبها كانت أكبر بكثير ومن دفع ثمن هذه الازمات هم الشعوب، وفي المقدمة الطبقة العاملة على مختلف مهنها.

 

كشفت هذه الأزمة – الجائحة التي وصفها بعض الخبراء الرأسماليين بأنها كارثية، فشل النمط الرأسمالي الذي اتبعته تلك الدول، واضطر قادتها، وهم من غلاة أصحاب الفكر الرأسمالي –النيوليبرالي، الى التراجع عن سياساتهم التي قالت بأن قوى رأس المال هي الحل، وأن على الدولة عدم التدخل، وكانت الخطوة الأولى هي التراجع عن هذا النمط واضطرارهم الى التدخل وضخ الأموال ودفع إعانات مالية للقوى الرأسمالية من أصحاب الشركات والمصالح وتقديم العون القليل للعمال من خلال فتح أبواب الحصول على إعانات مخصصات البطالة، لكن هذه الخطوات حملت ميزانيات الدول الديون الطائلة، دون وضع خطط بديلة لتنشيط الحراك الاقتصادي الإنتاجي، مما أدى الى ارتفاع كبير في عدد الفقراء الذين يعيشون في فقر مدقع في بلادنا والعالم أجمع، وفقدان مئات ملايين العمال وظائفهم دون إيجاد أفق للخروج من هذه الأزمة.

 

 

- الاتحادات النقابية الدولية تبدي قلقها

 

كشفت بيانات الاتحادات النقابية العالمية الصادرة بمناسبة الأول من أيار عن القلق الذي تواجهه الطبقة العاملة في عالمنا اليوم، حيث جاء في بيان الاتحاد الدولي للنقابات ومقره مدينة بروكسل الذي دعا فيه إلى "خلق فرص عمل" ما يلي:” مع فقدان أكثر من 250 مليون وظيفة العام الماضي بسبب جائحة COVID-19، و130 مليون وظيفة أخرى معرضة للخطر هذا العام، يدعو الاتحاد الدولي لنقابات العمال الحكومات إلى جعل خلق فرص العمل هدفًا مركزيًا في ضمان التعافي والمرونة. يجب أن تظل العمالة الكاملة، المنصوص عليها في دستور منظمة العمل الدولية، من الأولويات”. وأضاف في بيانه المطالبة بتوقيع "عقد اجتماعي جديد" يتلاءم مع التطورات التي حصلت في عالم العمل والوضع الاقتصادي العالمي ويتجاوب مع متطلبات العمال، كما ركز في البيان على مطالب أخرى وهي:

 

1-   الحقوق، ولا سيما الحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية.

2-   الحماية الاجتماعية، بما في ذلك صندوق عالمي للحماية الاجتماعية لأقل البلدان ثراء.

3-    المساواة للمرأة ولكل الفئات التي تتعرض للتمييز.

4-   الشمول، لا سيما تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة وإمكانية حصول الجميع على لقاحات واختبارات وعلاجات Covid-19

 

أما " اتحاد النقابات العالمي" ومقره العاصمة اليونانية أثينا والذي يعتبر أكثر ارتباطًا بمصالح الطبقة العاملة فقد أصدر بيانًا هامًا بمناسبة الأول من أيار 2021، تحت عنوان “الأمل موجود في نضالاتنا” جاء في مطلعه:” يوجه اتحاد النقابات العالمي، ممثلاً عن 105 ملايين من أعضائنا في 133 دولة حول العالم، تحية حارة ومناضلة وأممية للعمال في جميع أنحاء العالم بمناسبة الأول من ايّار لعام 2021، هذا اليوم العظيم للطبقة العاملة العالمية. كل فكر، عمل وتخطيط اتحاد النقابات العالمي – خاصة في هذه الفترة الصعبة للعمال وشعوب العالم – مبني على مصالحهم الطبقية فقط .“

 

وأضاف:” أثّرت جائحة فيروس كورونا بعمق على حياة وأنشطة العمال في جميع أنحاء العالم. فارقت طبقتنا ملايين القتلى حول العالم. وجدنا أنفسنا في ظروف غير مسبوقة بالنسبة للحركة، حيث أثبتت هذه الظروف بوضوح أن نضال النقابات الطبقية يجب أن يشمل الحياة الكاملة للعمال. تدابير الصحة والسلامة في مكان العمل، الوصول إلى غذاء وماء عالي الجودة، الوصول إلى التعليم الآمن لأطفالنا، الصحة العامة الشاملة والمجانية للجميع.

 

في جميع الدول الرأسمالية، حرصت البرجوازية بكل الوسائل على ضمان أرباحها الهائلة، وربحية الشركات والاحتكارات في ظروف الوباء. من ناحية أخرى، رأى العمال أن “الطبقة العاملة فقط هي القادرة على إنقاذ الطبقة العاملة”، حيث يخوض العاملون في مجال الصحة والكوادر الطبية المعركة بإيثار، في حين الرأسمالية لم تكن ترغب ولا تريد أن يكون لديها خطة للحماية والأمن لصحة الشعوب.”

وأضاف الاتحاد في بيانه:” جائحة فيروس كورونا زامنت وعمّقت، بدرجة أكبر من تلك التي حدثت في 2008-2009، الأزمة الاقتصادية الدولية الجديدة. على الرغم من أن البرجوازية وخدمها الذين يتقاضون رواتب جيدة يقدمون السبب الرئيسي للأزمة على أنه التصدّي لوباء فيروس كورونا – الذي أدى في الواقع إلى انخفاض حاد في الأنشطة الإنتاجية والنقل والأنشطة الاقتصادية الأخرى – فإن الواقع يظهر أن هذه الأزمة هي أيضًا نتيجة للطريقة التي يعمل بها نظام ليس لديه المزيد ليقدمه للبشرية. التباطؤ الذي ظهر بالفعل في عام 2019 سلّط الضوء على الحجم الكبير لرأس المال المتراكم، والذي لا يمكن إعادة رسملته واستثماره، مما يضمن معدل ربح مُرضٍ.

 

من الواضح الآن أنه هذه الأزمة أيضاً يحاول أعداء العمال تحميل أعبائها على الطبقة العاملة. يجري بالفعل الترويج لقوانين مناهضة للعمال في عدد من البلدان، ومزيد من الهجمات على مكتسبات العمال والترويج لأشكال جديدة من العمل تزيد من استغلال الطبقة العاملة، ويتم فرض القيود على الحريات النقابية وحقوق الناس.

 

في الوقت نفسه، يبدو أن بؤر الحرب القديمة على مستوى العالم قد أعيد إحياؤها حيث تهدد الصراعات الإمبريالية البينية ببدء حروب جديدة معممة أو إقليمية. أدت الحروب المستمرة، عِوضًا عن الخسائر الفادحة بالأرواح، إلى إجبار الملايين على الفرار من ديارهم والانتقال إلى بلدان أخرى، مما أدى إلى تكثيف تدفقات اللاجئين والمهاجرين.”

 

ويستعرض اتحاد النقابات العالمي في نهاية بيانه النضالات العمالية التي قام بها في الدفاع عن العمال بما في ذلك الصحة والسلامة المهنية ويختتم بيانه بالدعوة الى تكثيف النضال الاممي بهذه المناسبة بقوله:” في ظل الظروف الحالية للأزمة الاقتصادية العميقة للرأسمالية والمنافسة الشديدة بين مختلف المراكز الإمبريالية للسيطرة على الأسواق الجديدة، فإن أقوى أسلحتنا هي الأممية والتضامن. لا يوجد أي عامل لوحده. نحن إلى جانب كوبا البطولية، نطالب بالإفراج عن الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية، ونعرب عن تضامننا مع شعوب فنزويلا وسوريا ولبنان. ليقرر كل شعب بحرية وديمقراطية حاضره ومستقبله دون تدخلات إمبريالية. ندين الحرائق التي يحاول حلف الناتو إشعالها في أوكرانيا والبحر الأسود.”

 

- معطيات حوادث العمل تستصرخ الضمير العالمي

 

 تزامنًا مع ذكرى الأول من أيار يوم النضال العمالي العالمي تحلّ الذكرى السنوية لضحايا حوادث العمل في العالم، الا وهي يوم 28 نيسان/أبريل من كل عام، هذه الذكرى التي تهدف الى وخز الضمير العالمي – خاصة الرأسمالي (إذا وجد) بأن ملايين الضحايا من العمال يفقدون حياتهم في حوادث العمل وإصابات المرض في العمل، إن هذه المعطيات كافية للقيام بهبة بل ثورة على قوى رأس المال، ومنها في بلادنا حيث يسقط شهداء لقمة العيش كل يوم في مواقع العمل، دون الكشف عن شهداء أمراض العمل. نعم وحدتنا الطبقية ووحدتنا العمالية هما القوة الرادعة لهذا الإهمال الرأسمالي البشع، الشعارات التي رفعتها الاتحادات النقابية هذا العام وبهذه المناسبة تهدف إلى تعميق الوعي العمالي بأن المطالبة بشروط عمل آمنة هي "الصحة والسلامة حقنا" و"العمل الآمن حق لكل عامل" وفيما يلي المعطيات التي صدرت بهذه المناسبة حول كارثة حوادث وأمراض المهنة في العالم:

 

"- في كل عام يفقدون حياتهم حوالي   2.78 مليون شخص عامل بسبب أمراض وإصابات مرتبطة بالعمل حتى قبل الوباء، فإن الصورة الآن أكثر قتامة من أي وقت مضى في التاريخ الحديث. حان الوقت الآن للحكومات وأصحاب العمل لرفع مكانة الصحة والسلامة المهنية إلى مستوى الحق الأساسي في العمل.

- يموت كل يوم 7600 عامل في حوادث العمل وامراض المهنة.

- في كل أسبوع يموت 5000 عامل من امراض الرئة بسبب التعرض لمادة الاسبستون.

- في جنوب آسيا يموت 4500 شخص منهم 2600 في الهند.

- في كل يوم يلقى 410 عمّال بناء مصرعهم في العمل.

- في كل دقيقة يصاب 730 شخصًا بالتسمم بالمبيدات الحشرية.

- كل 30 دقيقة يموت شخص واحد جراء الاصابة بفيروس كورونا.

 

إنها كارثة عالمية يدفع ثمنها العمال في عالم رأسمالي متوحش، وما الاول من أيار الا مناسبة لرفع صوتنا ضد هذه الكارثة العالمية، لتوفير بيئة عمل آمنة.

 

في الختام لا بد من الإشارة الى أننا أمام مرحلة مصيرية لحاضر ومستقبل الطبقة العاملة في عالمنا، علينا ترسيخ أسس الوحدة العمالية، أسس النضال العمالي، أسس توسيع التنظيم النقابي، أسس الأممية التي هي الحارس الأمين لمصالح الطبقة العاملة العالمية، ويكفي أن نذكر في الختام ما أعلنه حاكم أكبر قوة رأس مالية عالمية بايدن قبل عدة أيام بتشكيله لجنة لتشجيع التنظيم النقابي في بلاده، طبعًا نحن لا نعتقد بأنه تحول الى "اشتراكي" ، لكن هذا يؤكد على حقيقة تصدع ما في النظام الرأسمالي العولمي المعادي للطبقة العاملة، لذا علينا النهوض بوحدة نضالية عمالية لدحر الرأسمالية .

وكل أيار وعمالنا بخير

 

 

 

 

 

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب