news
ملحق الجمعة

سيرة ذاتية: نواعير الذاكرة (2)

تعلمت والدتي فن الرماية وأتقنته إتقانًا مذهلًا..

كانت والدتي مريم قد ولدت ونشأت في قرية فسّوطة وكان والدها إلى جانب كونه فلاحًا أصيلًا، إلا أنه كان من أمهر الصيادين من أبناء جيله وأجرأهم، حتى إنه كان يلقب بالنمر لجرأته وشدة بأسه، ولما كانت والدتي هي بكره فقد احتلت مكانة الحظوة الأولى عنده، حتى أصبحت مع الزمن رفيقة دربه التي تلازمه دائمًا في حله وترحاله، وخاصة 

عندما كان يخرج للصيد في الجبال، فأخذت عنه كل صفاته التي طبعت شخصيتها في المستقبل كامرأة صارمة وقوية لا تعرف مكانًا للمساومة أو التردد، بالإضافة إلى أنها تعلمت فن الرماية وأتقنته إتقانًا مذهلًا.. وقد زادتها بنيتها القوية إلى جانب شخصيتها الآسرة سطوة واحترامًا سواء في القرية أو في حيفا.. كان الكل يناديها "أم غازي" على اسم أخي الأكبر ولم أسمع أحدًا يناديها باسمها يومًا، حتى والدي، ذلك الرجل الوسيم الدمث الذي كان يعتز بنفسه كثيرًا لأنه شق طريقه في الحياة شقًا بعد سنوات اليتم التي عاشها ومن ثم عند زوج والدته الذي ظل يكنّ له حبًّا كبيرًا واحترامًا طيلة حياته، لأنه عندما رآه وعمي يشتد عودهما، أخذهما من قرية "البارد" التي كان يسكنها مع جدتي وذهب بهما إلى حيفا طارقًا أبواب من يعرف هناك لكي ييسر لهما عملًا ما، بعد أن ضاقت الحياة في القرية. ثم عهد بهما إلى أحد أقاربه من عائلة جرار الذي وفر لهما العمل بدوره في ميناء حيفا، وقد تنقل والدي من عمل إلى آخر مثابرًا على تعلّم اللغة الإنجليزية، إلى أن انتهى به المطاف للعمل في معسكر "بات جاليم" للإنجليز، واتخذ له مسكنًا في حي الروم المحاذي لهذا المعسكر.

كانت والدتي قد هجرت قرية فسوطة هي الأخرى وراء العيش والمعرفة، فعملت في البداية في مستشفى الحكومة في "بات جاليم" والذي أطلق عليه فيما بعد باسم "مستشفى حمزة" "رمبام" ومن ثم تعرف عليها والدي وتزوجا بعد قصة حب طويلة.

 

  • بكيت حيفا وعنبرية الشعر "لولو" التي خطفها البحر

وهكذا كنت أترك القرية في كل صيف لأعود إلى حيفا في انتظار الصيف المقبل. ولشارع البور في حي القشلة المحاذي تمامًا لسور الميناء من الغرب ومن الشرق خط القطار. وكان عزائي أن لي في حيفا حبًّا.. "لولو" ابنة الجيران الجميلة.. والتي كانت في مثل عمري تمامًا.

وكما استعجلت الحرب "قدومي" إلى حيفا.. هكذا استعجلت خروجي منها، حين انتقلت لآخر مرة، في صيف عام 1947 إلى قرية مقيبلة، ولم أستطع بعد ذلك العودة إليها بسبب الأحداث التي انتهت بسقوطها في أيدي العصابات اليهودية، فبكيت حيفا وعنبرية الشعر لولو التي أخذها البحر وأهلها لا أدري إلى أين..

وقبل أن تزفّ حقول القمح لي عرس البيادر في صيف العام نفسه، كانت العصابات اليهودية تجتاح معظم قرى المرج وتحرقها. وكان الملازم السوري الأسمر سعدون ابن دير الزور يدافع عن قرية "زرعين" مع حاميته الصغيرة والمقاتلين الفلسطينيين من شباب القرية والقرى المجاورة، لأنها كانت تشكل بوابة المرج كله، في انتظار النجدات من قيادة الإنقاذ.. ولكن "زرعين" في الأخير سقطت. وحين وصل سعدون إلى قرية مقيبلة مثخنًا بالجراح.. نظر إلى "زرعين" وهي تحترق.. صك على أسنانه وململ: "الخونة". ثم لفظ أنفاسه وصمت إلى الأبد.

وقبل أن يخمد حريق زرعين، كان العصابات الصهيونية تقتحم القرية، وكنت أتجه مع العائلة في قافلة طويلة تحت جنح الظلام في اتجاه جبال جنين.. لكننا وقبل أن نستقر تحت أشجار زيتون "برقين"، حتى كنا نواصل سير هجرتنا في اتجاه نابلس ومعنا هذه المرة أهالي جنين نفسها والقرى المحيطة بها بعد أن انضموا إلى القافلة بثياب نومهم، وذلك بعد أن غصّ السيل الذي يمر في باحة المسجد الصغير بالدم، إلا أن القوات العراقية التي كانت قد دخلت فلسطين لتوّها، مع القوات العربية غيرت مسارها واتجهت نحو مدينة جنين، وكانت معركة جنين الشهيرة، وكانت معها أول فرحة بالنصر أعرفها، ولم أعرف الثانية إلا بعد خمس وعشرين سنة وإن لم تكتمل، كما لم تكتمل الأولى، حين أصدرت الأوامر للجنود المتقدمين من تحرير قرية إلى تحرير أخرى، لكبح جماح نصرهم والتوقف عن التقدم على أبواب "زرعين" ومدينة "العفّولة" نفسها وهم في اتجاه حيفا والناصرة.. فشاب فرحي طعم الهزيمة.. وإن كنت قد عدت إلى قريتي المحررة.. ولكنها لم تكن مقيبلة التي أعرف قبل احتلالها.. كانت شبه خربة.. والدالية التي كانت تظلل الدار محروقة.

 

  • فارتفع علم إسرائيل..وغاب علم فلسطين

في عام 1949 التحقت مع أخويّ اللذين يكبرانني بمدرسة جنين الابتدائية التي كانت تبعد عن قريتنا حوالي 5 كم حيث كنا نقطع المسافة مشيًا على الأقدام كل صباح، لنعود في المساء، وقبل أن أكمل عامي الدراسي، انسحب الجيش العراقي من قرية مقيبلة ومن منطقة جنين كلها تنفيذًا لأوامر القيادة العربية العليا.. لتسليمها مع باقي منطقة المثلث للعصابات الصهيونية، بموجب اتفاقية رودوس للهدنة عام 1949.. وفي حفل الوداع الذي خرج إليه أهل جنين كلها والقرى المجاورة، والذي حضره جميع تلاميذ مدرسة جنين وأساتذتها،  قال أحد الضباط لا أذكر اسمه في قصيدة طويلة أسماها "قبور الخالدين" نسبة لمقبرة شهداء الجيش العراقي بالقرب من قباطية.

مرج ابن عامر ضرجته دماؤنا

أيكون ملكا لليهود مهـانا

وبالفعل هكذا أصبح بعد أسابيع قليلة، وكانت أول مرة أذوق طعم الإهانة الحقيقية والذل، إذ كان يقتضي على الأهالي رفع الأعلام البيضاء فوق سطوح المنازل في "استقبال" حشود العصابات المتقدمة.. لم تكن العملية تسليمًا سليمًا بل كانت سقوطًا بكل معنى الكلمة.. كانت استسلامًا.

 بكى والدي، فبكيت معه.

احتل جنود الاحتلال مدرسة القرية وحولوها إلى موقع عسكري، إذ كانت قبل الاحتلال مدرسة مشتركة لقرى مقيبلة وصندلة والجلمة المجاورة، فأصبحت تقع على الحد الفاصل الذي وصلت إليه القوات الإسرائيلية بالقرب من قرية الجلمة التي يشملها الاحتلال، وإن كان شمل أراضيها كلها فارتفع علم "إسرائيل" التي كان قد أعلن قيامها.. وغاب علم فلسطين.

 

  • وهكذا أصبحتُ مؤذن القرية

في السنتين الأوليين التحقت بكُتاب افتتحه شيخ أزهري كان لاجئًا من قرية الحرم (سيدنا علي) اسمه الشيخ نعيم. كان الكتاب في أحد البيوت المهجورة.. وكان الكثير من أهل القرية ممن رفضوا البقاء تحت الاحتلال الإسرائيلي قد رحلوا عن بيوتهم على أمل العودة، وبقيت في هذا الكُتاب إلى أن افتتحت سلطات الاحتلال مدرسة ابتدائية رسمية مشتركة مع قرية صندلة في بناء لأحد الإقطاعيين الفلسطينيين من جنين كان يتوسط القريتين..اسمه أبو سنان "التتر". وكان هذا البناء جزءًا من قرية زراعية بناها أبو سنان في مواجهة القرى الزراعية اليهودية في غور بيسان.

وقد كان لهاتين السنتين اللتين قضيتهما في هذا الكتّاب الأثر الكبير على حياتي الأدبية في المستقبل وشغفي باللغة العربية – التي كادت تكون المادة الوحيدة التي كان يدرسنا إياها هذا الشيخ الوطني الجليل بالإضافة إلى مادة الدين، وبخاصة القرآن الكريم، إذ لم تنته السنة الأولى إلا وكنت أحفظ القرآن كاملًا عن ظهر قلب.. وكان هذا قد وقع من جدي سليمان الموقع الذي يريده، إذ فاجأني ذات يوم وأنا ألعب "البنانير" أمام ساحة المسجد، فأمسكني من ذراعي وأدخلني المسجد ثم أمرني بالوضوء وأصعدني أمامه إلى قبة المسجد وأمرني أن أرفع الأذان.. وكان من الطبيعي أن يسوقني بعد ذلك للصلاة.. وهكذا أصبحت مؤذن القرية بل وأحد المتعبدين الورعين لعدة سنوات بعد ذلك.

 

  • الخطوة الأولى على طريق الإبداع

لقد بدأت الكتابة أول ما بدأت كأمر مألوف عندي، وكنت حينها في الثالثة عشرة من عمري، وكان من الطبيعي أن أبدأها هكذا ودون أن يخطر على بال أيّ كان أنّ ما كتبته سيسمى فيما بعد قصة، وأنني سأصبح كاتبًا في يوم ما، الأمر الذي لا يزال حتى  الآن يثير اندهاشي، فقد كنت حين كتبت أول قصة قد احتللت ومنذ أكثر من سنتين "صدور" الدواوين في القرية،  وفيها الحكايات التي كنت قد اكتسبتها عن عجائز القرية في مجلس جدتي.  وتعرفت على سيرة الزير سالم وأبو زيد الهلالي وسيف ابن ذي يزين من مجالس الرجال في ليالي الشتاء القارسة حول الموقد وإيقاع المهباش..وقد منحتني بعض الكتب الصفراء المتهرئة التي كان يحتفظ بها عم والدي جدي سليمان الداوود إمام القرية..معرفة أكثر من غيري بها لما تتخللها من منظوم الشعر.

 

  • وكان اختفاء ثريا المجنونة أحد المواضيع التي شغلت فكري

كنت آنذاك في الصف السابع، ودخل علينا الأستاذ سمير ورور.. أستاذ اللغة العربية وهو من مدينة الناصرة، وكان يسكن في القرية كباقي المدرسين الذين أوفدتهم دائرة المعارف للتدريس في مدرسة القرية، حيث كانوا يمكثون طيلة الأسبوع ثم يسافرون كل إلى بلده يومي السبت والأحد ثم يعودون يوم الاثنين صباحًا، ذلك  لعدم وجود أي من وسائل النقل المباشر إلى القرية، وكان يتحتم عليهم المشي على الأقدام حتى  مستعمرة "يزراعئيل" التي بنيت بالقرب من أنقاض قرية "زرعين" على بعد سبعة كيلومترات لكي يتمكنوا من ركوب الحافلة، وعند العودة كان عليهم أن يستقلوا الحافلة حتى هذه النقطة ثم يأتوا إلى القرية مشيًا على الأقدام.

ويبدو أن الأستاذ سمير كان متعبًا ذلك اليوم الذي صادف يوم عودته من مدينة الناصرة، فطلب إلينا أن نكتب موضوع إنشاء دون أن يحدد الموضوع قائلًا إننا نستطيع أن نكتب في أي موضوع نشاء، وإنه ليس لزامًا علينا تسليمه في آخر الحصة بل نستطيع أن نحضره في اليوم التالي.

**

وكنت في العادة أحب هذه المادة جدًّا، فلم أفكر كثيرًا في ما سأكتبه بل وجدتها الفرصة المناسبة لأن أكتب في أحد المواضيع والأحداث التي عايشتها أعوام الحرب، وقد كان 

اختفاء ثريا المجنونة، حين رحلنا عن القرية، أحد المواضيع التي شغلت فكري وأرقتني كثيرًا حين افتقدها الناس ولم يجدوها بين جموع النازحين، لأنني كنت أحبها كثيرًا ومنذ طفولتي المبكرة حين كانت والدتي تأتي بنا في عطلة الصيف، فتعلقت بها رغم ما كان يقال عن جنونها..

فارعة الطول كانت كما السروة، مريمية الوجه عذراويته لوّحته شمس الدروب التي كانت تجوبها، العينان سوداوان واسعتان يسكن حدقتيهما الذهول الشارد خلف البعيد دائمًا.. صدرها ناهد والشعر ذيل أصيلة دهماء ضمخته بالزيت فانساب على ظهرها وكتفيها وصدرها من تحت حطتها الخمرية الموشاة بالقصب، حافية القدمين نافرة الخطى دائمًا، مهاة خبرت سهام القناصة فمشت حذرا بجَرّتها إلى بئرها في أسفل حاكورتنا.. نظرت إليّ وهي تمر.. ابتسمت ببله، وتابعت خطاها.. تجمدت في مكاني وتعلقت بخطوها عيناي فوقفت أرقبها.. كانت خرزة البئر الحديدية مغلقة وتعلوها طبقة من الطين الجاف.. كسرت الطين وأبعدته عن الباب الحديدي.. فتحته..أنزلت دلوها الذي كانت تحمله بيدها، نشلت به ماء.. ملأت جرتها ثم نشلت دلوًا أخيرًا، أوقفته جانبًا وأغلقت باب البئر. جمعت بيديها ترابًا جافًّا، صبّت الماء فوقه ثم جبلته وطينت خرزة البئر ثم غسلت يديها وجففتهما بطرف ثوبها..تلفتت..أذهلها وقوفي..نفرت مفزوعة وهي تحمل جرتها كما لو كنت صيادًا يفاجئها..خطت قليلًا ثم توقفت قبالتي، تهلل وجهها فجأة، تموجت عيناها وافتر ثغرها عن بسمة غمرتني بالفرح كما لو كانت تهديني غزالًا، ابتسمت لها، تركت الجرّة ثابتة فوق رأسها ومدت يديها وهمست تناديني، ترددت، وأنا أقترب منها وعيناي تتعلقان بعينيها، أنزلت الجرة عن رأسها وركعت ومدت إليّ يديها وشدت صدرها تضمني وهي تهمس بصوت أبحّ "حبيبي..ما أجملك" لامست شفتاها اللمياوان خدي.. قبلتني..امتدت إليّ يد جدتي التي روعت فأسرعت إليّ تنتزعني من بين ذراعيها.. ارتدّت ثريا إلى الخلف مكسورة الجناح.. رمقت جدتي بنظرة عاتبة، ثم حملت جرّتها ومشت.. فتراكض نحوها الأطفال يتبعونها وهو يتصايحون "ثريا المجنونة.. حطت ذهبها بالجونة..اجو الحراميه بالليل.. ما خلو ولا قونة.."، أنّبتني جدتي، وأخبرتني أنها ثريا المجنونة وأمرتني بأن لا أقترب منها مرة أخرى، لأنها قد تؤذيني فهي لا تعي ما تفعل، وربما رمتني بالبئر وأغلقت بابها بالطين، فأفلتُّ من يدي جدتي وجريت بكل قوتي لأرتمي في حضن أمي وأنا أجهش بالبكاء وأصرخ: أريد "ثريا المجنونة".. ولم أتوقف عن البكاء حتى أخذتني أمي إلى بيت أخ ثريا التي كانت تعيش معه على بعد أمتار من بيتنا.. وهكذا أصبحت الطفل الوحيد في القرية الذي يجرؤ على الاقتراب من ثريا ويدعها تداعبه..بل وأصبحت ثريا كثيرًا ما تحوم حول البيت حتى تراني أو تتوسل إلى والدتي أن تدعها تداعبني.

 

  • حكاية جنون ثريا

أما قصة جنون ثريا كما عرفت فيما بعد، هي أنه في إحدى ليالي كانون العاصفة، نقب اللصوص جدار بيت أهل ثريا ودخلوا، وصادف أن كانت ثريا تنام تحت الفتحة التي فتحها اللصوص في جدار البيت، فصحت ثريا من نومها فاتحة عينيها لترى اللصوص يقفزون فوق بطنها، وما إن حاولت الصراخ حتى وضع أحدهم سكّينة في نحرها يهددها بالقتل، وظل هكذا حتى انتهوا من سرقتهم، وكان من بين ما سرقوه صيغتها التي كانت قد ورثتها عن أمها والتي كانت تضعها في قفّة صغيرة أخفتها تحت عتبة البيت..وما إن تركها اللصوص حتى كانت قد فقدت عقلها لهول ما أصابها، ومنهم من يقول إنها قد اغتصبت في تلك الليلة، وقد تركز جنونها حول هذه النقطة بالذات فلا تراها إلا وهي تجبل الطين وتكسو جدران بيتها، حتى قنّ الدجاج كانت تغلق فتحته بالطين كل ليلة وكذلك خرزة البئر بعد كل مرة تنقل الماء منه.

وحين فر أهالي قرية مقيبلة أمام العصابات الصهيونية المتقدمة نحو القرية بعد سقوط "زرعين" وإحراقها افتقدها أخوها في الطريق فلم يجدها، فراح يبحث عنها بين جموع النازحين إلا أنه لم يعثر لها على أثر، حتى حين عاد  معه الرجال ما استطاعوا من الطريق التي قطعوها بحثًا عنها..وقد ظل أخوها يبحث عنها طيلة فترة الهجرة إلى أن حررت القوات العراقية القرية ودحرت العصابات الصهيونية منها فأوقف بحثه عنها.

يئس الجميع من العثور عليها واعتبروها في عداد الأموات.. إلا أنني كنت الوحيد الذي لم ييأس ولم يفقد الأمل في أن تكون ثريا حية ترزق في مكان ما. وظل اختفاؤها يلاحقني وأنا أتخيلها تارة تائهة في الجبال والضباع تنهش لحمها وهي تصدها عنها، وتارة وهي تتسول في إحدى القرى المنتشرة فوق الجبال، وأخرى واليهود يأسرونها ويعذبونها. إلا أن هذا الأمل ما لبث أن تبدد بعد عودتنا بعدة شعور وشاءت الأقدار أن أكون أنا أول من عثر عليها.

كان ذلك صبيحة أحد أيام كانون، ولم يمر على عودتنا إلى القرية المحررة سوى شهرين تقريبًا، كان الجو باردًا، والريح المحملة بالرذاذ الناعم تعصف منذ الليل، والغمام الداكن الطافح بالغيث يتلبد فوق الجبال في الغرب ينذر بمساء ماطر، وفي الشرق فوق جبال جلعاد بعض من غمام رمادي يوشح وجه الشمس المتأرجحة بشاله الزاخر بالألوان الندية فوق الغور..وكانت غيمة حالمة تنزلق فوقه. ربتت أمي على كتفي. ضحكت وقالت "إذا قوست صبحية" فاستبقتها "أحمل عصا الرعية": أعرف ذلك "ثم انطلقت أسوق عنزات لنا قليلة وجديانها نحو التلال الوعرية في اتجاه قوس قزح" وفي الوعد تكربلت بمعطف لي قديم خلف صخرة أتقي بها ريح الغرب الباردة تاركًا للكلب "سمور" مهمة الرعي وحمايتي من ذئب قد يطلع عليّ أو ضبع قد عضهما الجوع إن أنا غفوت بدفء معطفي الثقيل، ويبدو أنني كنت قد غفوت فعلًا، إلا أنني سرعان ما صحوت على نباح "سمور" فجأة، فنهضت مذعورًا، وإذا بالكلب "سمور" يحاول جاهدًا وهو يتراكض حول العنزات المتدافعة نحو كرم الزيتون الممتد عند أسفل الوعرة ولكن دون جدوى، فحملت عصاي واندفعت أجري خلفها لأردّها عن زيتون سيدي الشيخ موسى المثقل بحمله، والدهشة تأخذني وأنا أراها تعاف أغصان الزيتون المتدلية، وتتزاحم حول واحة خضراء عند أطراف الكرم، و"سمور" قد كفّ عن النباح وراح يتشمم الواحة حتى خلته في البدء جديًا من الجديان يرعى، مع العنزات، كوّرت يدي حول فمي انفرها، وبالأخرى رفعت عصاي أهش بها، فتوقفت يدي وتقطع النفير حين تفرقت العنزات عن واحة من القمح تطلع من ثنايا ثوب مورد تمزق وهلهل..وشعر ذيل أصيلة دهماء ضمخ بالزيت فانساب على صدر الأرض من تحت حطّة خمرية موشّاة بالقصب. كوتني الفجيعة فصرخت بأعلى صوتي "سريا" ورحت أركض في الدروب الوعرة نحو القرية وأنا لا أزال أجوح بصوتي المكتوي بالخوف والفجيعة..سريا.. سريا.. وسمور يسوق العنزات خلفي والرعيان الصغار يهرعون من كل صوب نحوي..

 

  • فاندفعت تحتمي بجذوع الزيتون قبل أن يمزق الرصاص جسدها

كان الجوع قد عضّ ثريا، بعد أن ظلت في القرية المهجورة وحدها ونفد ما لديها من طحين فراحت تطحن القمح في البداية بالجاروشة، لأن أخاها قال إنه عندما عاد وجد آثار طحين على الجاروشة..ويبدو أن ثريا سمعت ذات صباح طرقات بابور الطحين المتقطعة، التي كان يصدرها قبل احتلال القرية، وهي طريقة كان قد ابتدعتها العصابات الصهيونية بالإضافة إلى وسائل أخرى مثل الأذان في القرى المحتلة، لتوهم النازحين عنها أنهم قد رحلوا وأن بعض الأهالي قد عادوا فعلًا، وهذا ما حدث لـ "ثريا" على ما يبدو، فوضعت قمحًا بكيس على رأسها واتجهت نحو قرية صندلة التي لا تبعد أكثر من 2 كم عن القرية لتطحن القمح، فقتلها اليهود في الطريق ويبدو أنهم قد روعوها قبل قتلها فاندفعت تحتمي بجذوع الزيتون قبل أن يمزق الرصاص جسدها.

**

لقد لازمني ذلك المشهد بعد ذلك ليل نهار – ولا يزال حتى الآن- بل وكنت قد سقطت بالحمّى بعد ذلك لمدة أسبوعين وأنا أهذي..وحين كنت أسمع صوت "الضباعة" في الليل أنهض مذعورًا معتقدًا أن هذا الصوت ما هو إلا نواح روح ثريا التي تطلب الثأر، تاركًا لخيالي أن يرسم ألف شكل وشكل لقتلها، وأكثر ما كان يزيد في فجيعتي وأنا أتخيلهم يغتصبونها قبل أن يصوّبوا الرصاص إلى جبينها ومفرقها بدم بارد بعد أن تناوبوا عليها.. حتى وصل بي الحال أن أطوّق عنقي بحجاب كتبه لي سيدي الشيخ سليمان الرواد، وإن كان هو نفسه لا يؤمن بذلك.

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب