news-details

شــــــعبٌ أنــــــــــــــــــــــــا، أنشودة الحــــــشد والصــــــمـــود| رشيد عبد الرحمن النجاب

شـعــب أنــا إن يحـــبسوا فــردا فكــل الــشعب ثـائر

وإذا يــُصــفّد شـــاعر هــتــف الـنشــيد بــكل شـاعــــــــــــر

شـعــب يـــمد حـــشوده جــسرا على نــهر الـمجازر

ويـــــــــــعــانـــق الــفـــــــــــجـــــر الـملــوّح بالضياء وبالــبــشائر

 

صدحت الأستاذة رنــا أبوحنا بهذه الأبيات وهي تقدم لأمسية مكرسة لتأبين عمها "زيتونة فلسطين" الذي رحل إلى العالم الآخر مطلع شباط من هذا العام (2022)، إنه الشاعر المناضل، والباحث، والأديب، والمربي الفلسطيني "حنا أبو حنا"، وتعجز هذه السطور عن مجرد تحديد المعالم الرئيسة للإرث الفكري والفني للراحل الكبير ناهيك عن الخوض في تفاصيلها.

استوقفتني هذه الأبيات الأربعة بمضامينها، وحشد الصور الذي تعرضه، والموسيقى والأفكار التي ضمنها الشاعر هذه الأبيات الأربعة، كأنه يوجز مضامين أبيات القصيدة ويكثفها في هذه الرباعية الأخيرة من ثماني رباعيات من الشعر العمودي الموزون. سعيت للبحث عن القصيدة الكاملة، ثم استعنت بالصديقة رنا أبو حنا، التي لم تتوان عن مساعدتي فشكرا لها، قرأت أبيات هذه "الأنشودة" مرارا وتكرار ا حتى رسخ جلها في الذاكرة، ومع كل قراءة كانت تنجلي معانيها، وصورها، ودلالاتها، ومضامينها، وتزداد وضوحا.

يصور الشاعر في الرباعية الأولى اللحظات الأولى لمثوله في غرفة السجن، وتدل المفردات المستخدمة على مدى الضيق الذي كان يستشعره، من اللون الأصفر الكالح، إلى الوحدة "وحدي أنا"، مرورا بالفعل المبني للمجهول "وُضِعتُ" ثم الجملة التي صاغها على لسان الشرطي :"أنت سجينْ"، وقد جاءت النون ساكنة كما في باقي قوافي هذه الرباعية، لضبط الوزن، ولإدخال هيبة السجن في نفس المعتقل، فالسكون ضد الحرية، تلك التي باتت "خطر على أمن الطغاة الحاكمين"، إلا أن هذا الرجل المناضل سرعان ما ينفي حدوث هذا الأثر فيستهل البيت الرابع قائلا "فتوهموا أن يحبسوها خلف أسوار السجون".

هل كان هذا الحدث جزءا من سيرة ذاتية؟ ربما! فقد تعرض شاعرنا للاعتقال والملاحقة، إلا إنني أشعر بارتياح أكثر إذ أقول بأنها تحمل إلى جوانب التجربة الشخصية أبعادا أكثر عمقا واتساعا، انها تتحدث عن الشعراء المقاومين، فالراحل كان من الرعيل الأول من شعراء المقاومة (حنا أبو حنا، أبو سلمى، إبراهيم طوقان، وعبد الرحيم محمود)، وهو معلم لجيل من الشعراء (حنا أبو حنا علمنا ترابية القصيدة – محمود درويش )، وهو بلا شك ضمن من هتف باسمهم الشاعر توفيق زياد : "كأننا عشرون مستحيل.... في اللد والرملة والجليل"...

في الرباعية الثانية يشير الشاعر إلى المكونات البغيضة للغرفة الصفراء "كرسي وطاولتان فيها"، في إشارة ذات دلالة على التحقيق، وإلى الضيق بالباب الرصاصي العبوس إلا أنه يرفض القنوط فسرعان ما يتوجه بنظره إلى "الطاقة البيضاء"، وسيلة التواصل مع الخارج ولو من باب التأمل والخيال، والطاقة التي هي الشباك باللهجة الشعبية المحكية التي أجاد حنا ابو حنا "أبو الأمين " استخدامها في أشعاره لتكون بمتناول هذا الشعب، واللتي هي أيضا طاقة الفرج وفقا للمفهوم الشعبي المستخدم، ثم الشعاع وما يعكسه من التواصل والحرارة في هذه الصورة تحديدا. كانت هذه الطاقة تهمس إليه كأنه يريدها ألا تكتشف من قبل الحرس فيسدوها كما سدوا الباب الرصاصي العبوس، وفي الثرثرة واللحن وكذا الطاقة الباسمة معاني الحركة و الحياة، والتواصل مع العالم الخارجي، مع الشعب. عن هذه الطاقة والطفل الذي تواصل معه من خلالها ثمة قصيدة أخرى (طفل من شعبي) مطلعها:

"خلف القضبان، من الشباك يطل جبين

كهلال طفل [ هلَّ] عليّ

وضاحِ الاشراق فيّ"

 

ويتابع الشاعر الإعراب عن تمسكه بالتواصل مع شعبه في الخارج ليعانق الحرية، هو ذا مستعينا بخصب الخيال يتجاوز جدران السجن إلى عوالم حرة، يرافقه الشعر والألحان التي صورها كحمامة ترفُّ طليقة وهو يدرك بما يتصف به من واقعية أنه لا يزال في غرفته، ولكنه تمتع من خلال استحضار العوالم الحرة التي طوف بها، إنه تشبث القوي بالحياة و بالحرية.

 

أنـا والـــخــيال هـنــا نــحــلـق فـــي عـــوالـــمَ حــرة

والـشِـعــر ألـــحان تـَــرِفّ طـــلـــيقـــة فــــي غـــرفتي

يسأل شاعرنا مستنكرا هل يمكن حبس الشعر والألحان خلف الجدران؟ ويدلل على استحالة ذلك، فالشعر المحلّق يتجاوز الحدود وجدران السجون، وكان الشاعر يرسل أشعاره في فترة السجن لتنشر في الصحف والمجلات التي كان يعمل فيها، وجريدة "الاتحاد" في مقدمتها. وقد سكنت أجساد الشعراء أرواح مشعة تبث القصائد أناشيد تملأ الفضاء ضياء.

ويقدم الشاعر شحنة من التفاؤل بالقادم، ربما بفعل النجاحات التي حققتها حركات التحرر الوطني عبر العالم في تلك الفترة، فيستعين بقصة الطوفان لما لها من مكانة في عقائد الشعوب من متمسكا بنهجه في مخاطبة الجماهير بمفردات قريبة ومفهومة، ولكنه يتمسك بحداثة المعنى المقصود "قـل للــطــغاة أتسـمعون هديـــر طــوفـان الــشـعوب".

ولعله من المثير للاهتمام توجيهه لهذه الإدانة للخونة لما يقومون به من ممارسات وينعتهم بما يستحقون من صفات و ألقاب، ممارسات تتطابق مع كثير من مظاهر التعاون بل التهاون مع العدو في المنطقة، مؤكدا أن لا سبيل لنجاة هؤلاء عندما تنتصر الكرامة و إن جاء التأكيد في صيغة سؤال.

شعب أنا رسالة شديدة الإيجاز، واضحة المعاني رقيقة النغم، كحّل بها الشاعر بناء أنشودة وطنية، هي أولا رسالة انتماء، "شعب أنا أنتمي إليه"، وهذه الأنا على بساطتها الظاهرة تلخص تاريخا نضاليا فكريا مجيدا، يكرس نفسه بكل تواضع فردا من هذا الشعب، صورة من التماهي والتلاحم وتبادل الأدوار بين الشعب ومكونه الإنساني من الأفراد، وقد أبرز الشاعر هذه العلاقة في ثلاث صور رئيسة:

شعـــب أنا

مــن يـــحـــبس الـــشعــب الـــمُــعَــمّد بالكـــفـــاح؟

إنه شعب مرسوم للكفاح باختلاف دياناته فليس الكفاح ديانة رغم استخدام "العماد" دلالة. على ارتباط قديم بين الشعب والكفاح بقِدم العماد أو أكثر قدما، ثم هذا الوجه الآخر للصورة

 

قــــالــوا سُجِـــنــتَ

فـــقــــلت شـــعبي الــــحـــر يـــمــلأ كـــل ســـاح

يـــنـبوعـه الــفــياض يـروي بالـفـدا زرع الـصباح

 

فأنا ابن الشعب الذي يهب أفراده للكفاح إذا ما تعرض الشعب فردا واحد أو جماعة لخطر ما، هل تخيل الشاعر الراحل صورة القدس، بل صورة فلسطين وهي تودع "شيرين أبو عاقلة"؟ نعم.. فهذه هي ثقة القائد والمعلم على درب النضال، وأنا وشعبي ينبوع فياض يروي زرع الصباح اليانع المتجدد الذي يغذي مسيرة النضال بروح الشباب.

يقول "زيتونة الجليل" الممتدة جذورها في تراب فلسطين:

شعـــب أنا

يـتــمـخـض التـاريــخ عــن أيـــامـه الـغــر الـملاح

والمخاض بما هو دورة الحياة، وعامل استمرارها، حمل كل الدلالات على تاريخ حي حافل بتكرار الأيام الجميلة المكللة بالغار، التي سجّلها ويسجلها هذا الشعب باستمرار برغم الصعاب والعثرات.

ويجمل شاعرنا كل هذا في رباعيته الأخيرة التي كانت المدخل إلى هذه السطور، والتي يؤكد فيها على العلاقة المتبادلة بين الشعب والفرد "إن يحبسوا فرد ا فكل الشعب ثائر"، وإن الحبس لن يوقف هذا الشعب عن كفاحه وثورته، وكذلك علاقة الشعب بالشعر والشعراء والأناشيد والألحان "إذا يُصفّد شاعر هتف النشيد بكل شاعر"، شعب أنا سأمد حشودي لتشكل جسرا يتجاوز المجازر، وأتابع الكفاح ليعانق ابناء الشعب الفلسطيني الفجر الواعد بالحرية والضياء والبشائر.

 

وبعد، فإن إرثا أدبيا وشعريا هذا نموذجه لحري بجهود تحافظ على المخزون الثري من المعاني و الأفكار التي تشكل مصدرا معرفيا ثقافيا يتبنى قضايا الشعب واهتماماته.

عمان في 09/06/2022

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب