news
ملحق الجمعة

عرابة توحّدنا جميعًا

كانت قد أقيمت يوم الجمعة الماضي الموافق 17 من كانون الثّاني، أمسية ثقافية وطنية للشّاعر الوطني ابن قرية البقيعة الجليلية مروان مخول في مركز محمود درويش الثقافي في مدينة عرابة البطوف، بحضور جمهور واسع من النساء والرجال من أهالي عرابة، وقد استمتع الجمهور بهذا الفن الثقافي الراقي جدًّا.

قبيل هذا العرض وُزعت منشورات بعد صلاة الجمعة أمام مساجد القرية. والحقيقة أنّني تعجّبت من أن يُوزّع مثل هذا المنشور في بلدي عرابة هذا البلد المعروف بوطنيتّه ومقاومته لكل أنواع الظلم والقهر وفرض الآراء الذاتية على الاخرين.

 إنّ عرابة معروفةٌ بتاريخها النضالي منذ أكثر من خمسة قرون، أي منذ الاستعمار العثماني وحتى زمن الانتداب البريطاني وإلى الاحتلال الإسرائيلي الممتدّ حتى يومنا هذا. في مثل تلك الفترة رفضت الاكراه بجميع اشكاله وأصنافه من أي جهة كانت مهما ملكت من جبروت وقوة.

 فإذا كان هذا في تلك الازمان التي كانت جماهير عرابة في تلك المرحلة قليلة، وثلّة قليلة جدًا من المتعلمين فيها، فكيف لها اليوم أن تكون؟ وهي البلدة المتميزة بشبابها المثقف والواعي والمسؤول في الوقت نفسه، والّذي يعرف جيدًا ما يدور حوله وما يُحاك ضده من مؤامرات السلطة الحاكمة في إسرائيل، والتي تعمل ليلًا ونهارًا من أجل زرع الفتن بين ابناء الشعب الواحد وابناء البلد الواحد، ومن أجل تفريقنا عن طريق خلق الحساسيات والفتن بيننا وجعلنا طوائف، قبائل، حمائل وبطون! نعادي بعضنا بعضًا من اجل استمرار سيطرتها علينا، والانشغال ببعضنا كما يقول المثل الشّعبي "بطيخ يكسّر بعضه"، فإنّ هذا ما يريدونه فعلًا ويعملون عليه حكام اسرائيل.

ماذا يعني ان تحاول فئة معينة فرض اجندتها ورأيها الخاص على الآخرين؟! لقد رفضت جماهير عرابة مثل هذا التوجه غير المقبول منذ عهد "المخترة" ايضًا، والذي كان سائدًا منذ زمن طويل، ولن تسمح هذه الجماهير اليوم كذلك لأي فئة مهما كانت ان تفرض كلمتها على الاخرين حتى ولو تغطّت بأسماء مختلفة، ومهما كان نوع هذه الأسماء، لأن مثل هذا التوجه يسيء الى وحدتنا وإلى نسيجنا الاجتماعي والسياسي المتنوّع، والذي يجب المحافظة عليه من قبل جميع القوى السياسية العاملة بين جماهيرنا العربية بشكل عام وبين جماهير عرابة بشكل خاص. فمن الطبيعي ان نختلف بالآراء ولكن من غير الطبيعي ان تفرض أي فئة اسلوب حياتها او آرائها على الاخرين.

انّ جماهيرنا العربية في داخل هذا الوطن والذي لا وطن لنا سواه، كانت قد ضربت مثلا يُحتذى به ليس فقط لجماهير شعبنا العربي الفلسطيني بل ايضًا لجميع شعوبنا العربية المتكبدة لحكّام خدام مطيعين للاستعمار بشكل عام وللاستعمار الامريكي الامبريالي بشكل خاص، والذين عملوا بشكل مبرمج ومتواصل من اجل غرس الخلاف داخل الدول العربية وبينها بعضها، من اجل استمرار السيطرة عليهم ونهب خيراتهم.

وفي هذا السّياق برأيي كانت القائمة المشتركة المكونة من علمانيين، متدينين، قوميين، شيوعيين ووطنيين غير حزبيين بمثابة "ضربة معلم" عندما جمعت في صفوفها عدة احزاب متنوعة في الرؤى والمواقف، ولكنها تطلّعت بالأساس إلى الشيء المشترك الذي يوحّدها من اجل مجابهة هذا الواقع الصعب الذي نعيشه في هذه البلاد كأقلية قومية مضطهدة في داخل دولة اسرائيل، هذه الجماهير التي لها ظروفها الخاصة والمميزة في صعوبتها في ظل الاضطهاد القومي والتمييز العنصري.

انطلاقًا من هذه الرؤية الواقعية والمسؤولة، عملت قيادة هذه الاحزاب بصدق من اجل اقامة هذه القائمة المشتركة، وهم يعون جيدا واقع وظروف جماهيرنا في هذه البلاد.

في الواقع ان مثل هذا الاسلوب في التعامل والواقعية الانسانية هو الذي يجب ان يوجهنا، أي اسلوب التفاهم الانساني والعمل المشترك والاحترام المتبادل بين الجميع، وهذا من اجل الكفاح المشترك من اجل صد الهجوم اليومي على جماهيرنا العربية من قبل السلطات اليمينية العنصرية الحاكمة في إسرائيل، لأن الواقع يؤكد ما يُقال بأن "قوتنا هي في وحدتنا".

عودةً للمنشور الذي وزع أمام المساجد بعد صلاة الجمعة، رأيت فيه الكثير من المغالطات والتحريض على البلدية وعلى مركز محمود درويش الثقافي، هذا المركز الذي يقوم بدور ثقافي كبير وهام من خلال نشاطاته الثقافية اليومية في عدة مجالات منها الثقافية، الاجتماعية والرياضية وبدعم كامل من البلدية ورئيسها، هذا النشاط المتواصل يؤدي الى ابعاد شبابنا عن العنف والمخدرات ومختلف الآفات المضرة لشبابنا.

يقولون فيه "مثل هذه العروض التي تثير الفتن والغرائز"، هل يا سادة يا كرام العمل الثقافي والفن وقراءة الشعر الوطني والثوري والانساني حتى لو كان فيه رقص هو الذي يثير "الفتن والغرائز"؟! ام هذا الاسلوب في التحريض هو الفتنة بحد ذاتها؟

اننا نحن كآباء وامهات، اخوات واخوان من واجبنا ان نشكر القيّمين على مثل هذه النشاطات الثقافية، التربوية، الرياضية والاجتماعية المتنوعة لصالح جمهور بناتنا وابنائنا في مثل هذه المرحلة الصعبة التي نعيشها كجماهير عربية في هذه البلاد يجتاحها العنف من كل حدب وصوب. وبفضل مثل هذه النشاطات الثقافية وبفضل مدارسنا وشبابنا المثقف والواعي نستطيع التّصدي لهذه الآفة وحماية مجتمعنا.

ان جمهور شاباتنا وشبابنا وجمهور عرابة بأكثريته المطلقة عندما يحضرون امسية ثقافية فنية ويسمعون الشعر الوطني الملتزم ويرون فنانات يرقصن على لحن موسيقى ثوري ووطني ملتزم، تثور عندهم غريزة حب الوطن والتآخي والعلاقات الانسانية الطيبة وليس "الغريزة التي في عقولكم"، اننا نرى بهن بناتنا واخواتنا ولا يمكن لأي انسان عاقل الا ان ينظر لمثل هذا الفن الراقي الذي تؤديه تلك الفتيات بكل الاحترام والتقدير.

اننا نرى بالمرأة نصفًا لهذا المجتمع وان لها مكانتها واحترامها الخاص وانها الام، الاخت والزوجة الشريكة في الحياة ولها دورها ومكانتها الانسانية والاجتماعية ونرى بها المثقفة والعاملة وربة البيت في مجتمعنا الذي نعيش فيه.

يتحدثون ايضا عن القيم والاخلاق، هل هذا الاسلوب الذي يجب اتّباعه؟! وبالتمادي على الآخرين؟ من لا يفهم بالفن لا يحق له انتقاد الفن، وفي هذا المنشور يدخلون رب العالمين في مثل هذا النقاش المحلي، يُسأل السؤال مباشرة مَن وكّلكم لتتحدثوا باسم الله عزّ وجلّ لتحاكموا الناس؟! لا يحق لأمثالكم ان تحاكموا الناس، ألا تؤمنون ان الله هو وحده في الآخرة الذي سيحاكم الناس جميعا وحكمه دائما عادل ومقبول على جميع خلقه في النهاية.

واوجه لهم رسالتي ان القيّمين على مثل هذا النشاط الثقافي والفني الراقي يتمتعون بقيم واخلاق عالية جدا ولا يتطاولون على الاخرين كما فعلتم، وان جماهير عرابة يملكون من الوعي والحكمة في معرفة من هم الذين يحافظون بشكل مثابر على القيم والاخلاق الانسانية والاجتماعية ويعملون باستمرار وبمسؤولية عالية من اجل بث روح الوفاق والتآخي والوحدة ووأد الفتن التي يحاول البعض اشعالها.

اود ان احذر من محاولة البعض من تأجيج الفتن بين ابناء البلد الواحد والشعب الواحد، وأرى انه من واجب كل العقلاء في عرابة العمل على منعها بمسؤولية عالية وذلك من خلال النقاش الهادف والهادئ وكلنا يعرف حديث رسولنا الكريم "الفتنة نائمة لعن الله موقظها".

ماذا يعني ان يقوم بعض الأئمة في استغلال منابر المساجد للتحريض على عمل عمل فني؟! أليس هذا دعوة غير مباشرة للعنف؟ 

على منابر المساجد تلقى مهمة الدعوة الى الوحدة والتآخي وليس الى الفُرقة! ماذا يعني ان يحاول بعض هؤلاء الأئمة ان ينشروا آرائهم الخاصة في بعض القضايا الخلافية وهم يعرفون جيدا ان المصلين ينتمون سياسيا الى عدة حركات سياسية مختلفة. 

ان منابر المساجد اذا أُستغلت بشكل صحيح ومسؤول تسهم جيدا في بث روح الاخوّة والمحبة بين الناس وممكن ايضًا في الاسهام الى مقاومة العنف وليس الدعوة له بشكل مباشر او غير مباشر. خاصة وان عرابة كانت وما زالت موحدة بجميع طوائفها وعائلاتها ومن الواجب ان تبقى كذلك وهذه ايضا مسؤولية الجميع في بلدنا المعروف بوحدته ووطنيته.

اسمع في أحيانًا كثيرة خُطب ودروس بعض رجال الدين الافاضل الذين يقومون باسهامات جيدة لصد التحريض على الاسلام بشكل عاقل ومسؤول دون المس بأحد من الديانات الأخرى، واذكر انني في احدى المرات سمعت الشيخ علي جمعة شيخ الازهر في حديث عن العلاقة مع المسيحيين قال انه في زمن الرسول الكريم جاء اليه بعض رجال الدين المسيحيين الى مسجده ليسمعوا منه مباشرة عن دعوته الدينية وعن الدين الجديد الذي يدعو اليه، وجلسوا معه مدة طويلة وخلال هذه الجلسة جاء موعد صلاة عندهم وهمّوا بالخروج من المسجد لأداء صلاتهم وعندما عرف سيدنا محمد هدفهم قال "لا تخرجوا، بإمكانكم الصلاة هنا في مسجدي" وصلّوا في مسجد الرسول، هذه هي اخلاق الرسول التي هي اخلاق الاسلام السمح التي يجب ان نهتدي بها جميعا وليس بأخلاق أئمة "داعش" الوهابيين الذين أساؤوا الى الاسلام وما زالوا يسيئون له.

من الواجب ان نحفظ مقولة المجاهد الكبير عزالدين القسّام عندما قال "الدين لله والوطن للجميع" ونحن هنا لكل واحد دينه الذي يؤمن به او موقفا سياسيا او اجتماعيا مختلفا وهذا طبيعي جدا ولكن الذي يوحدنا جميعا هو الوطن الذي لا وطن لنا سواه ونحن هنا في عرابة بلدنا توحدنا جميعا. وكلي امل ان اُفهم بالشكل الصحيح وان يُفسّر هذا المقال بهدفه الحقيقي وليس السلبي.

عرابة البطوف

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب