news
ملحق الجمعة

عن مارتن لوثر كينغ الحقيقي: رجل الأحلام الخطيرة

احتفلت الولايات المُتحدة هذا الأسبوع بما يُسمى بـ"يوم مارتن لوثر كينغ"، المؤسسات الرسمية والشعبية والجمعيات المختلفة، الصحف ووسائل الاعلام ذات المنابع السياسية المختلفة، الشخصيات السياسية أعضاء كونغرس ومجلس شيوخ وحكام ولايات ورؤساء بلديات على امتداد الطيف السياسي، كلها احتفت به بطرق مختلفة ، فهو "رمز أمريكي" جامع، يجمع عليه وعلى ميراثه الرأي العام-لكن الحقيقة أنه لم يكن كذلك في حياته، لم يكن محبوب الرأي العام بل العكس من ذلك، كان الرجل "الأكثر خطورة" في الولايات المتحدة كما وصمته المؤسسة التي تحتفي به اليوم - ولتصل السخرية إلى ذروتها فحتى الصفحة الرسمية لمكتب التحقيقيات الفدرالية ال"FBI" احتفت بيوم مارتن لوثر كينغ، هذه المؤسسة التي لاحقت كينغ وحولت حياته إلى جحيم حقيقي، تنصتت عليه ليل نهار وانتهكت خصوصيته بشكل سافر، كانت تبذل كل جهد ممكن للوقوف في طريقه وعرقلته، حاصرته وحققت معه وحاولت ترهيبه وهددته بشكل مباشر أكثر من مرة.

الحقيقة هي أن  مارتن لوثر كينغ الذي يروجون له ويحتفلون بيومه هو ليس "مارتن لوثر كينغ" الحقيقي بل نُسخة مؤسساتية ليبرالية منه، مارتن لوثر كينغ المؤسسة، الرمز الذي تم غسيله بـ"الأبيض" الرمز الذي تم تقليم أظافره الطبقية ليلائم سردية المؤسسة الليبرالية، نسخة أيقونية مزيفة تصور كينغ على أنه جزء من أيديولوجيا هذه المؤسسة التي استشهد كينغ وهو يقاتل ضدها.

مارتن لوثر كينغ الحقيقي الذي يحاولون دثر ميراثه بهذه الزخرفات الليبرالية كان اشتراكيًا ومعاديًا للإمبريالية الأمريكية، كان مناهضًا حقيقياً للرأسمالية والنظام غير العادل في توزيع الثروة في ظلها، وواقع عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية المأساوي الذي تُخلفه، والفقر والفاقة الذي تراكمه. كان كينج يسائل هذه المنظومة في أخلاقيتها بوضعها في مواجهة مباشرة مع تناقضاتها بتساؤله الدائم أن كيف لدولة تٌعتبر ألأغنى في العالم وتعتبر نفسها أمة أخلاقية أن تسمح لكتل بشرية كاملة بالموت جوعًا؟ كينغ الحقيقي كان لا يفصل بين النضال العرقي ضد العنصرية والنضال العمالي الطبقي ضد الرأسمالية، كان يفهم ويدرك جيدًا الجذور الاجتماعية الاقتصادية للعنصرية والعلوية البيضاء والفصل العنصري، ولم يكن يربط فقط بين الظروف الاقتصادية للسود والعنصرية ضدهم بل بين ذلك كٌله وبين حالة الطبقة العاملة والمفقرة البيضاء، وعدم المساواة الاجتماعية في مجتمع الأغلبية. وذلك الدمج بالذات هو ما جعله "أخطر رجل في  البلاد" وفق تصنيف المؤسسة التي تحتفي به اليوم. وهو الذي حدد نضاله ضد ما كان يسميه "الثلاثة شرور": العنصرية والفقر والحرب الامبريالية. 

كان كينغ في معارضته العلنية للحرب الإمبريالية التي تقوم بها بلاده على فيتنام لا يرضخ لمعايير "الوطنية" السطحية الرائجة، وهو الأسود المعارض المُتهم في وطينته أصلاُ والتي يحتاج أن يثبتها يوميًا في أمريكا البيضاء، بل كان يعتبر أن "الوطنية" الحقة هي أن تقف في وجه حكومتك ودولتك وأمتك جمعاء حينما تقوم بجريمة كبرى بحق الإنسانية. كان مارتن لوثر كينغ يفهم "الحرية" الحقيقية في بلاد تتبجح أنها أرض "الحرية"، على أنها حرية قول الحقيقة والسعي خلفها حتى لو كانت تُزعج أمة بأكملها أعماها سعار الحرب والوطنية الجوفاء. وهو الكاهن الأسود، تلميذ السيد المسيح الأمين الذي كان يُكرر قوله في خطاباته المعارضة للحرب: "إسعَ نحو الحقيقة، فوحدها الحقيقة ستجعلك حرًا".

لم تكن الحركة المناهضة لحرب فيتنام في تلك الأثناء حركة شعبية واسعة، بل حركة مقتصرة على أقصى اليسار وعلى مجموعات من الشيوعيين والأناركيين ومناهضي التسلح. لم يكن اذًا اتخاذ موقف من الحرب موقفًا رائجًا بإمكانه أن يفيد على المستوى الشعبي حركة مارتن لوثر كينغ وتوسيعها بل على العكس من ذلك تمامًا. خصوصا أن الرئيس ليندين جونسون الذي كان يخوض هذه الحرب كان يُوصف على أنه افضل رئيس للحركة المدنية السوداء منذ أبراهام لينكولن، وقد قام بتمرير عدة قوانين في سبيل الحقوق المدنية للسود وكان يحقق تقدمًا حقيقيًا في هذا المضمار، وقد تواصل مع كينغ بشكل مباشر وحاول مقايضته بدعم الحقوق المدنية للسود مقابل عدم معارضته العلنية لحرب الولايات المتحدة في فيتنام. وقد حاول البعض من داخل الحركة نفسها ثني كينغ عن تبني هذا الموقف الأخلاقي بحجة أنه سيضر بالنضال المدني للسود الذي يقوده..الا أن ذلك لم يثنيه في قلب سعار التعطش للحرب الذي كان يعصف بالمجتمع الأمريكي في حينه عن اتخاذ الموقف الأخلاقي والصميمي مقتبسًا دانتي القائل: "أسوأ مكان في الجحيم محجوز لهؤلاء الذين يبقون على الحياد في أوقات المعارك الأخلاقية العظمى". وهو في الحقيقة لم يكن مجرد تغليب بحت للأخلاقية على البراغماتية، بل كان كينغ يُدرك جيدًا أن القنابل التي تسقط على رؤوس الفقراء في فيتنام لا بُد أن ترتد شظياها إلى الولايات المتحدةـ كان يدرك جيدًا أن هذا النظام الذي يقصف أصحاب البشرة الصفراء في آسيا هو في جوهره يقتصر على انصاف أصحاب البشرة السوداء داخل حدوده.


شدّد كينغ على أن الحرب في فيتنام يخوضها بغير تكافؤ الفقراء والسود. "الناس أنفسهم الذين لم يجدوا الديمقراطية والعدالة في الوطن تم إرسالهم كي يموتوا من أجلهما في الخارج." ويكمل في خطابه التاريخي المعارض ،"وهكذا صفعتنا مرارًا المفارقة القاسية لدى مشاهدة الفتيان الزنوج والبيض على شاشات التليفزيون، يُقتلون ويموتون معًا من أجل أمّة عجزت عن إجلاسهم سويًا في نفس المدارس". تكلم كينج عن مشاهدتهم، "في تضامن وحشيّ"، يحرقون الأكواخ في قرى فقيرة، "لكننا ندرك أنهم لا يكادون يعيشون في المربع السكني ذاته في شيكاغو"، لأن نظام الفصل العنصري لا يمسح لهم بذلك.قال كينج. "لم أستطع الصمت في مواجهة هذا التلاعب الوحشي بالفقراء". ثم كرر كينج اتهام مالكوم إكس للنفاق الأمريكي: "وعرفت أنني لن أستطيع أبدًا رفع صوتي من جديد ضد عنف المضطهَدين في أحياء الأقليات دون أن أوجه حديثي أولًا بوضوح لمتعهد العنف الأكبر في العالم اليوم: حكومتي".


دفع كينج ثمن هذا الموقف غاليًا، انقلب عليه الجميع، الصحافة ووسائل الاعلام "اتهمته" بالشيوعية والخيانة، شركاؤه وحلفاؤه تخلوا عنه، الملاحقات والتنكيل بحقه اشتد والحصار حوله أصبح قاسيًا، المؤسسة الرسمية التي بدأت تسمع بعض نداءاته وطلبات حركته المدنية وتحاول هضمهما انقلبت عليه كُليًا. الا أن ذلك لم يردعه عن الإصرار على موقفه وتجذيره، بل من قلب هذا الحصار المفروض عليه انطلق إلى تثوير حركته واعطائها بُعداً طبقيًا أشمل حيث أطلق "حملة الفقراء"، تلك الحملة التي هدفت لا لاستقطاب الفقراء السود الأكثر معاناة من منظومة القهر العرقي والطبقي فقط بل فقراء كل الأقليات، وصولاً لاستقطاب الفقراء البيض ايضاً. تلك الحركة التي حاولت المؤسسة محاربتها بكل ما تملك من قوة تهديد وقمع. كان كينغ يُعد لـ"مظاهرات فقراء كبرى" في واشنطن ومميفس مما جعل المؤسسة ترتعد رعبًا وتأهباً، قبل أن يتم اغتياله  الرابع من أبريل ١٩٦٨ ، مرتديًا بدلة سوداء، حيث كان متأهبًا للذهاب لقيادة مسيرة مطلبية جديدة، وبينما كان يسند ذراعيه إلى جدار تلك الشرفة متحدثًا إلى مساعده الموجود بالأسفل، قبل أن يسقط على الأرض، والدم ينفجر من عنقه برصاصة غادرة. ولتتنفس المؤسسة الحاكمة الصعداء أخيرًا.


هذا هو مارتن لوثر كينج الحقيقي، ليس مارتن لوثر كينج "أنا أملك حلمًا" الذي تحاول المؤسسة الترويج له بهدف تصفية ميراثه الثوري، ليس مارتن لوثر كينغ الذي تحقق "حلمه" بمجرد انتهاء الفصل العنصري الرسمي وانتهاء العنصرية المؤسساتية الرسمية أو العنصرية المباشرة الفجة، ولا حتى بوصول أول رئيس أسود إلى البيت الأبيض. بل مارتن لوثر كينج "الأحلام الخطيرة" التي لا تزال تُرعب المؤسسة الرأسمالية البيضاء حتى اليوم.

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب