news
ملحق الجمعة

فلسطين – الفردوس المفقود –| د. خليل اندراوس

الولايات المتحدة وخاصة في فترة حكم المحافظين الجدد ايام بوش والآن ايام المأفون ترامب، خدمة لمصالح طبقة رأس المال العالمي والصهيوني تحاول الهيمنة والسيطرة المطلقة على العالم، وجعل دول العالم حجارة في لعبة هيمنة وجعل قضايا ومآسي ومعاناة شعوب العالم وعلى رأسها قضية فلسطين بضائع للبيع بالمزاد العلني، و"صفقة القرن" اكبر مثل على ذلك.

والقضية لا بل المأساة الانسانية، والسياسة العنصرية التي تمارسها الولايات المتحدة عالميا واسرائيل في المنطقة، من قتل الناس ونهب الاراضي وتدمير البيوت والبنية التحتية سواء في العراق وسوريا واليمن وليبيا وفلسطين، انما هي جزء من هذه الجرائم الانسانية التي يمارسها المحافظون الجدد الامريكيون و"المحافظون القدامى" في اسرائيل، ومع كل هذا نرى زعماء بعض الدول العربية يسعون الى التطبيع مع اسرائيل والاستمرار في التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة ضد كل شعوب غرب آسيا، والآن بشكل خاص ضد ايران والشعوب العربية ومحور المقاومة.

وها نحن نشاهد الآن كنتيجة لتعاون الرجعية العربية، خاصة السعودية مع الولايات المتحدة واسرائيل يعلن نتنياهو ممثل اليمين العنصري الشوفيني الاسرائيلي مشروعه البربري الهمجي الرافض لكل اعتراف بالآخر بضم اكثر من 30% من اراضي الضفة الغربية لاسرائيل، ونتيجة لموقف الانظمة الرجعية العربية خاصة السعودية ودول الخليج هانت فلسطين – الفردوس المفقود – بالنسبة لهذه الانظمة، لدرجة اصبح وزير خارجية مصر "قلب العروبة" ليس لديه وقت لإعطاء بضع ساعات لزيارة السلطة الفلسطينية في رام الله لانشغاله بثلاث قضايا اخرى مهمة لمصر.. وكأن هذه الساعات التي سيعطيها هذا الموظف لدى "الثالوث الدنس" ستؤدي الى فقدان موازين القوى بالنسبة لمصر على مستوى، ليس حل هذه القضايا الثلاث لا بل على مستوى عالمي وهنا اتساءل اين دور الجامعة العربية ودور وزراء الخارجية العرب في فضح وإدانة السياسات الاسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني هذه الدولة أي اسرائيل دولة الاحتلال والاستيطان البربري؟ واين دورهم في الامم المتحدة والهيئات والمؤسسات الدولية الاخرى بإدانة ورفض سياسات اسرائيل العدوانية الاستيطانية العنصرية المتنكرة لحقوق الشعب الفلسطيني العادلة، وانصياع الحكام العرب لامريكا وسياستها في المنطقة بل وفي العالم هو انتحار محقق لهم ولشعوبهم؟

انني على قناعة بأن النضال الوطني الفلسطيني المدعوم من قوى التحرر في العالم ومحور المقاومة في المنطقة لا بد ان يؤدي في النهاية الى احقاق الحقوق القومية الانسانية العادلة للشعب الفلسطيني وعلى رأسها اقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، وعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم ووطنهم، ولنأخذ سيرة النبي محمد (ص) الذي صلى في الجهر مرة وفي السر مرات، وأذن في الجرة قبل ان يؤذن على التلال والمأذن، ولنأخذ سيرة المسيح الذي انتفض في الهيكل ضد الفريسيين، فالصهيونية هي استمرار لطريق الفريسيين تجار المال والربى وكذلك ليكون لنا امثال غاندي ومانديلا والشعب الفيتنامي قدوة تحتدى، فالكفاح والنضال لا بد ان يؤدي الى انتصار القضية العادلة للشعب الفلسطيني.

الشعب الفلسطيني ليس اقل من أي شعب آخر ولكننا نفتقر في هذه المرحلة الى زعماء لديهم ما لدى زعماء الدول الاخرى كالصين وشعب جنوب افريقيا، من النقاء والاخلاص والوعي والتصميم ونظافة اليد، وقيادة تسعى الى تحقيق الوحدة الوطنية هذه الوحدة التي هي الورقة الرابحة الاساسية للشعب الفلسطيني.

ما الذي يمنع زعماء وقيادات الدول العربية المختلفة من ان يتنازلوا عن ارستقراطيتهم ويذهبوا في بعثات واعتصامات ومظاهرات وخطابات ويدورون بها حول العالم للدفاع عن القضية العادلة للشعب الفلسطيني حتى لا تكون هذه القضية الكونية الانسانية العادلة مجرد لعبة في يد اليمين الاسرائيلي الامريكي، هذا اليمين البادئ والمكمل لدرب العنصرية والشوفينية على مستوى عالمي. فإرهاب اسرائيل في المنطقة هو من صناعة امريكية – بريطانية وهو مستمر في المنطقة منذ تدمير فندق الملك داوود في القدس عام 1938 ولا يزال مستمرا واصبح يوميا، والاعتداءات المتكررة على سوريا وحصار غزة، وبناء الجدار العازل لأكبر مثل على ذلك. وبرأيي ان على الجماهير الغفيرة في معسكرات اللاجئين في الاردن وسوريا ولبنان كما في معسكرات الضفة وغزة وكذلك في قرى ومدن الداخل الفلسطيني ان يفعلوا ما فعله الشعب الفرنسي او الايراني او الصيني او الهندي، القيام بمظاهرات واعتصامات ومقاطعات متلاحقة مستمرة وغير متقطعة، حتى يسمع العالم كله ويعي ويدرك، وحتى ينظر الينا نحن ولقضيتنا العادلة، لا باعتبارها العابا للبيع من خلال صفقة القرن، ولكن باعتبارنا اصحاب قضية عادلة واصحاب حقوق ووطن يجري استلابه وتحطيمه ولا مناص من اعادة حقوقه المشروعة العادلة، فالقضية الفلسطينية قضية كونية انسانية عادلة.

الشعوب التي تنجح في وضع يدها على امهات مشاكلها هي التي تنهض وترتقي وتنتصر على اعدائها وسالبي حقوقها ومحتلي ارضها، وبالنسبة للشعب الفلسطيني سالبي فلسطين، وأولى امهات مشاكلنا هو نكوصنا عن الحزم في متابعة حكوماتنا ومؤسساتنا ومنعها من الفساد وردعها عن العمالة واخراجها من كبوات لا بل سياسات الخيانة والتواطؤ والتطبيع والعجز.

وثاني امهات مشاكلنا، فشلنا في تطوير مفاهيم الوحدة الوطنية والقومية وممارستها على ارض الواقع بإخلاص وعطاء وتفاني نضالي كفاحي يفرض وجوده على ارض الواقع. لا شك بانه ولأسباب كثيرة ذاتية وموضوعية يوجد بين فئات وشرائح اجتماعية مختلفة في العالم العربي ظروف اقتصادية اجتماعية تغذي مفاهيم العجز واللا اكتراث والفشل واليأس. هذه الاوضاع التي تتحول الى صناعة مزدهرة وارض خصبة للتخلف والضياع والوضع الفلسطيني وكذلك الوضع في كل قطر عربي والوضع في الجامعة العربية التي ستجتمع هذا الاسبوع لبحث ثلاث قضايا لا تخص فلسطين، هو وضع يشبه النكتة والمهزلة والتمزق العربي، هو خير دليل وبرهان على خطورة وضع الدول العربية وقياداتها بل وايضا شعوبها، وفقط عن طريق العمل والنضال الكفاحي المسؤول والمخلص المتفاني بمشاركة جماهير الشعب الواسعة، وايضا من خلال مكافحة الفساد والعمالة نستطيع ان نستعيد فردوسنا المفقود فلسطين.

وهنا اريد ان اقول بأنه مهما كانت الاسباب التي ادت الى نكبتنا، نكبة الشعب العربي الفلسطيني وضياع الفردوس فلسطين من ايدينا، فان اختلاف الزعماء العرب وخيانتهم له المقام الاكبر بين هذه الاسباب، فقد انقسمت الدول العربية الى كتلتين متعاديتين، كتلة يتزعمها الهواشم وهي مؤلفة من الاردن والعراق، وكتلة يتزعمها الملك فاروق وهي مؤلفة من مصر وسوريا والسعودية.

ووقفت كل كتلة تناوئ الاخرى، وهذا ما يحدث الآن في عالمنا العربي من خيانة وتمزق وبيع للقضية العادلة الانسانية لشعبنا الفلسطيني، لا شك بانه هناك العديد من الاسباب الاخرى، وأهمها بان مشروع اقامة الدولة اليهودية في فلسطين هو مشروع امبريالي – صهيوني عالمي يهدف الى اقامة قاعدة امامية للامبريالية العالمية في الشرق الاوسط.

وأشبه بـ 1948، فإن تصريح سفير الامارات في امريكا بان اسرائيل هي "فرصة" لأكبر دليل على خيانة هذه الانظمة لقضيتنا، هل دولة الاحتلال والاستيطان، دولة مارست التطهير العرقي تعتبر "فرصة". منذ ذلك الحين وهي تعمل على التطبيع معها، وعهدوا في الدول العربية بالقيادة العامة الى احدهم وهو الملك عبدالله، إلا ان هذه القيادة كانت صورية بحتة، فلا هم وثقوا به، ولا هو وثق بهم فقد كانوا مرتابين من صدق نواياه، واكثر ارتيابهم كان موجها لقائد جيشه ورئيس اركان حربه غلوب باشا، وكان هذا يدافع عن مصلحة بلاده انجلترا اكثر مما يدافع عن فلسطين.

والملك عبدالله بنفسه كان منفذا ومتبعا نصائح اصدقائه الانجليز، وما كان له ان يفعل غير ذلك لأن بقاءه في كرسي الحكم وبقاء جيشه في الميدان متوقفان على ارضائهم وعلى المال الذي كانوا ينفقونه، وكذلك قل عن ابن اخيه الامير عبدالله الوصي على عرش العراق وعن نوري السعيد رئيس وزراء العراق في ذلك الوقت والذي كان له الدور الكبير في هجرة يهود العراق الى فلسطين، وعن كثيرين من رجال العرب البارزين ومنهم ابن سعود فقد كانوا ضالعين الى ابعد الحدود مع الانجليز، وثبت في النهاية ان هؤلاء (أي الانجليز) كانوا مصدر الشر، وفي يومنا هذا الولايات المتحدة وخاصة في فترة حكم بوش والآن في فترة حكم ترامب هي مصدر الشر.

واليوم اصبح واضحا ان الولايات المتحدة واسرائيل ومن خلال التحالف مع الرجعية العربية في السعودية والخليج تريد السيطرة والهيمنة المطلقة على غرب آسيا ولذلك تسعى وتدعم اسرائيل لكي تبقى هذه الدولة الاقوى عسكريا واقتصاديا وتمتلك السلاح الذري، وتدعم اليمين الاسرائيلي كما يفعل شلدون ادلسون داعم اليمين الاسرائيلي من خلال تمويل صحيفة اسرائيل اليوم وكما يدعم كذلك صحيفة اكثر يمينية هي "مكور ريشون"، من اجل ان تبقى اسرائيل الدولة الحاكمة والمسيطرة على المنطقة ودولة عبرية توراتية متطرفة تعتمد على الايديولوجية الصهيونية العنصرية الشوفينية، وتمارس سياسات الاحتلال والاستيطان وسلب ونهب ارض الشعب العربي الفلسطيني، فالولايات المتحدة وربيبتها اسرائيل استباحت الارض والسماء والبترول والمال وتسعى الى السيطرة الكاملة على المنطقة والى تذويب العرب وخاصة الشعب الفلسطيني، بعيدا عن القوة الوحدوية العربية القومية، لكي تصبح منطقة الشرق الاوسط سوقا للبضائع وللعمالة لا لون لأهلها ولا طعم ولا رائحة، في حين يعلن المحافظون الجدد في امريكا تأييدهم المطلق لدولة عنصرية يهودية، ولقومية امريكية مصنوعة على نار الحروب وقهر الشعوب.

 اسرائيل اتخذت من زعم التحدث باسم الدين مبررا لوجودها وكيانها وحدودها وحروبها واهوائها ومطامعها بينما تعلن بشكل ديماغوغي بأنها دولة دمقراطية علمانية، وتعمل الولايات المتحدة واسرائيل بكل الوسائل العلنية وغير العلنية، المكشوفة والسرية حتى لا يمتلك العرب اساس القوة العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية، بالاضافة لمنعهم من امتلاك اسباب الوحدة القومية والعدالة والدمقراطية الحرة الفعالة والحقيقية، والتي قد تجعل الامة العربية تمتلك زمام امورها، وتجعلها قادرة على ممارسة النضال والكفاح الشعبي من اجل احقاق الحقوق العادلة للشعب الفلسطيني وكل شعوب المنطقة.

إن الولايات المتحدة من خلال اسرائيل ومن خلال وجودها في العراق ودول اخرى خاصة دول الخليج تشعر بانها انتصرت بعد ان انتقلت حدودها من وراء الاطلسي، واصبحت فوق ارض العرب جاثمة على انفاسهم تأمر وتنهى كما يحلو لها، في دول الخليج والسعودية وترتكب الجرائم في سوريا واليمن، ولكن فشل الولايات المتحدة لا بل كل الثالوث الدنس – امريكا واسرائيل والسعودية في سوريا وصمود محور المقاومة وصمود ايران سيكون بداية تحرر شعوب المنطقة وبداية استرداد الفردوس المفقود – فلسطين وكلي قناعة بان الشعب الفلسطيني، الانسان الفلسطيني ان يمارس الشجاعة والتي هي الطاقة العظيمة التي يفجرها الخلق الكريم وعزة النفس في كيان الانسان لتجعله أبيا على الظلم مقاوما للظالم منجدا للمظلوم ومحافظا على كل القيم والمبادئ والانسانية.

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب