news-details

في الأول من أيّار: التوزيع العادل للثروات والحق في الصحة مطالب الإنسانية| عادل عامر

أثار الانتشار الفجائي وغير المتوقع والسريع لوباء الكورونا في كافة أنحاء العالم الكثير من الأسئلة، وفجّر الكثير من القضايا التي اعتاد العالم على التعامل معها كأمورٍ مسلّم بها وهي أمور وقضايا تتعلّق بالحقوق الأساسية لكلّ البشر والإنسانية، وعلى رأس هذه القضايا مسألة الحقوق الانسانية والبديهية وفي صلبها الحق في الصحّة والحق بالحياة الحرّة الكريمة.

كما أثار هذا الانتشار مسألة جوهرية تتعلق بالبنية الأساسية للنظام العالمي وخاصة بعد مرور عقود عديدة على انهيار النظام الاشتراكي الذي كان حاضرًا حتى سنوات التسعينيات، ومغروسًا في وجدان البشرية بكل الحقوق الأساسية لحياة الانسان التي تميز بها هذا النظام.

وهذه القضية هي مسألة توزيع الثروات في العالم وتراكمها وكيف تتم عملية التوزيع ان تمت؟ من المسؤول عن هذا التوزيع؟ أين تتوفّر هذه الثروات؟ ومن حق من هذه الأسئلة؟

فمثلاً هناك اعتقاد سائد أن القارة الافريقية هي قارة فقيرة ولكن الواقع يقول انها غنية بالثروات الطبيعية من النفط والغاز والذهب والمعادن ولكن يتم نهب هذه الثروات على يد الشركات الرأسمالية ولماذا نذهب بعيدًا؟ لننظر إلى العالم العربي الغني بالنفط والغاز وغيرها ولكن وضع الشعوب العربية يرثى له من ناحية مستوى المعيشة والحقوق الاجتماعية الأساسية الأخرى بما فيها الحق في الصحة والحياة الحرة الكريمة.

من ناحيتنا كشيوعيين واشتراكيين لا توجد أية معضلة أو أي تردد في هذه المسألة لأنّنا نعتقد أن الثروات أينما وجدت هي من حق الانسانية جمعاء ومن حقّها أن تتمتع بها دون قيد أو شرط ومن خلال توزيع عادل لها.

بل أحيانًا يجب إعطاء أفضلية لتلك الشعوب والدول التي تعاني من الفقر والعوز وتعاني من مشاكل في التطور والتنمية.

نسوق هذا الكلام استنادًا للموقف الذي أعلنته كوبا، البلد الاشتراكي، الذي يعاني من الحصار الاقتصادي الرأسمالي الامريكي على مدى عشرات السنين، ولكنه استطاع بفضل نظامه الاشتراكي، الذي يضمن توزيعًا عادلاً للثروة القليلة في هذا البلد، أن يتغلب على العديد من المشاكل والصعوبات في حياة المجتمع الكوبي وفي صلبها ضمان الحق في الصحة.

واستطاع هذا النظام الاشتراكي في كوبا بناء نظام صحي قوي ومتين ومستدام من حيث التطور ومن حيث تأهيل كوادر طبية عالية المستوى، بل وتمكّن هذا النظام السياسي والاجتماعي والصحي من تقديم مساعدة طبية إلى ايطاليا في ذروة انتشار الجائحة فيها.

ولم تكتف كوبا بهذا الأمر بل انها طورت وأنتجت لقاحات خاصة بها ضد وباء كورونا، وأعلنت مسبقًا انها على استعداد لتوفير هذا اللقاح مجانًا لكل شعوب العالم التي تحتاجه.

وهنا تكمن العلامة الفارقة بين النظامين، النظام الرأسمالي السائد وبين النظام الاشتراكي. بين من يحمل الفكر الإنساني، الذي يرى بالإنسان قيمة عليا وبين من يرى فيه سلعة تجارية أو مصدرًا لتحقيق الربح حتى في أقصى لحظات عجز الانسان واحتياجه لأية مساعدة.

وتشير المعطيات إلى أن أرباح ستّ شركات مصنعة للقاحات في العالم سوف تصل خلال هذا العام 2021 إلى ما يقارب 80 مليار دولار، وهذه الشركات هي سينوفارم الصينية، استرازينكا البريطانية، فايزر بيونتك الأمريكية الألمانية، موديرنا الامريكية، سبوتنيك الروسية ونوفافاكس الامريكية. فيما تتصدر شركة فايزر قائمة الشركات الأكثر ربحية من جراء انتاج وتطوير هذا اللقاح.

واستنادًا لهذه الأرقام الخيالية نستطيع أن نفهم الهجوم الغربي على اللقاح الروسي الذي كان أول اللقاحات التي انتجت وأثبت نجاعته، بينما بذلت الشركات الغربية جهودًا كبيرة لنزع الثقة عنه وعن نجاعته ليتضح أن الهدف هو تجاري محض.

ومن جهة أخرى تشير المعطيات الأخيرة وبرامج انتاج هذه اللقاحات من قبل الشركات الكبرى للفترة القريبة القادمة، إلى أن معظم الدول الافريقية خارج  هذه البرامج بتاتًا، كون هذه الدول تواجه صعوبة بالالتزام ماليًا أمام هذه الشركات بسبب ضخامة هذه المبالغ.

ولعلّ الوضع في المناطق الفلسطينية المحتلة نموذجًا صارخًا حول هذا الظلم الطبقي والقومي الصارخ حيث نشر البروفيسور يورام لاس، مدير عام وزارة الصحة السابق، انه فقط 3% من أهالي المناطق الفلسطينية المحتلة جرى تطعيمهم حتى الآن. وان هذا الوباء ينتشر بسرعة وبشكل كبير جدًا هناك.

وهذه نسبة ضئيلة جدًا ولسنا بحاجة للتأكيد على عجز السلطة الوطنية الفلسطينية عن شراء هذه اللقاحات وهي تعتمد على لقاحات يجري التبرع بها اما من الشركات المنتجة أو من بعض الدول الصديقة التي تقدم مساعداتها للسلطة الوطنية. بينما تقوم إسرائيل، القوية اقتصاديًا، بتطعيم كلّ عامل فلسطيني يدخل إليها بغية العمل في البلاد. وهي تقوم بذلك ليس حبًا بهؤلاء العمال، وليس انطلاقًا من "ايمانها الراسخ" بحقّ هؤلاء العمال بالصحة والعدالة الاجتماعية والإنسانية، وانما لحاجتها إليهم وخاصة في المجالات الحيوية مثل فرع البناء.

لقد كشف وباء الكورونا عورة النظام الرأسمالي السائد بكل حدّته ولم تستثن حتى الدول التي تعتبر متطورة مثل ايطاليا واسبانيا. ويضرب هذا الوباء حاليًا دول نامية مثل الهند والبرازيل، وهي دول ذات تعداد سكاني هائل، وبالتالي تنفجر أمام البشرية مأساة انسانية هائلة تستدعي تكريس كل الطاقات والأهم الثروات العلمية والطبيعية والبشرية وتوزيعها توزيعًا عادلاً بعيدًا عن سياسة المضاربة والربح ووضع الانسان وحياته كقيمة عليا يجب صيانتها والحفاظ عليها ورعايتها.

ومما لا شك فيه أن قيم اول أيار، اليوم العالمي للتضامن مع العمال، هي هذه القيم، قيم تكريس وترسيخ حقوق الانسان وبالأساس حقّه في الحياة الحرة الكريمة وتكريس كافة الثروات والخيرات والخبرات البشرية لخدمة هذا الحق وصيانته.

 

 

 

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب